كتب

هل يمكن للأمم المتحدة إنهاء العنصرية ضد فلسطينيي الداخل؟

يجب على الأمم المتحدة إلزام إسرائيل الاعتراف بالأقلية الفلسطينية كأقلية قومية أصلية ذات حقوق
يجب على الأمم المتحدة إلزام إسرائيل الاعتراف بالأقلية الفلسطينية كأقلية قومية أصلية ذات حقوق

الكتاب: "دور الأمم المتحدة تجاه الأقليات.. الفلسطينيون داخل الخط الأخضر"
المؤلف: إبراهيم معمّر
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019

يستخدم الباحث الفلسطيني إبراهيم معمر، في هذا الكتاب، مصطلح "الأقلية الفلسطينية" في إسرائيل ليس كوصف تاريخي للفلسطينيين الذين بقوا في حدود عام 1948 إنما كأداة تعريفية في إطار دراسة تصنيف الأقليات وحقوقها القانونية بموجب اتفاقيات وإعلانات منظمة الأمم المتحدة وأجهزتها. فهؤلاء جزء من السكان الأصليين العرب، وشكلوا أكثرية السكان في هذه البقعة الجغرافية على مر العصور، لكنهم تعرضوا لعملية استعمارية استيطانية إحلالية حولتهم من أكثرية إلى "أقلية" عبر التهجير بالقوة وارتكاب المجازر بحقهم. 

لذلك يبدأ معمّر كتابه بتأصيل نظري كمدخل لدراسة الأقليات ومفهومها، ومراحل تطورها في عهد عصبة الأمم وميثاق الأمم المتحدة، وتصنيفها مع التركيز على الحقوق العامة والخاصة والطبيعة القانونية لحقوق الأقليات. كما يناقش مدى اهتمام الأمم المتحدة بحقوق الأقليات، ويعرض بالتفصيل لدور الأجهزة الرئيسية فيها تجاه حقوق الأقليات. ويركز على إعلانات الأمم المتحدة واتفاقياتها المتعلقة بجرائم الإبادة الجماعية، والتمييز العنصري، مستشهدا ببعض النماذج التي تدخلت فيها الأمم المتحدة لمساعدة بعض الشعوب الأصلية في تقرير مصيرها والمحافظة على حقوقها.

طريق مسدود

طبقت إسرائيل منذ قيام "الدولة" نظاما يقوم على استبعاد السكان الأصليين (الفلسطينيون) من السلطات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وإبقائهم في مناطق فقيرة، حيث مارست أشكالا مختلفة من التمييز العنصري تجاههم، يمكن ملاحظة أثرها بوضوح في مجالات متعددة. في ما يخص الوضع الاقتصادي يقول معمّر: "هناك إجماع بشأن حقيقتين؛ الأولى هي أن الأداء الاقتصادي للأقلية الفلسطينية في إسرائيل ونوعيته لم يرقيا إلى مستوى الاقتصاد الإسرائيلي، وإن اندماج هذه الأقلية اقتصاديا كان ولا يزال مشوها وهامشيا يصب في خدمة الأكثرية اليهودية. والثانية هي أن دور إسرائيل كان حاسما في تحديد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لقطاعات السكان في إسرائيل نتيجة مركزية النظام وسيطرة الدولة على الموارد وتوجيه عملية التطوير.وليس هناك شك في أن هذا الدور كان أكثر شمولية وتأثيرا في حالة الأقلية الفلسطينية في إسرائيل".

على مستوى التعليم، يشير معمر إلى إحكام إسرائيل قبضتها على جهاز التربية والتعليم في القرى والمدن العربية في الداخل، بهدف السيطرة السياسية المباشرة على الجماهير الفلسطينية التي بقيت في وطنها بعد النكبة. ويوضح أن إسرائيل سهلت سيطرة جهاز التعليم العبري على المجالات التعليمية من بنية تحتية وبرامج ومناهج، الأمر الذي كرس الفصل الكامل بين جهازي التعليم العربي واليهودي، فضلا عن اتباعها سياسة تقوم على أسس أمنية في تعيين المعلمين، وهي عملية أوكلت إلى جهاز الأمن العام (شين بيت أو الشاباك)، ما ساهم في إفقاد الأقلية الفلسطينية الأمل بالتحكم بأهداف التعليم ونوعيته ومساراته وتوجيهه بما يخدم مصالحها.

وفي سياق المشاركة السياسية فإنه على الرغم من تطور أشكالهاعلى مدى عقود بالنسبة للأقلية الفلسطينية فإن النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي يتبنون بشكل شبه دائم موقف المعارضة، ولم يكن متاحا لهم في يوم من الأيام أن يكونوا شركاء في مؤسسات صنع القرار. وهذا يعود إلى اعتبارين؛ الأول يتعلق برفض مشاركة غير اليهود في المؤسسات التنفيذية العليا للدولة، والثاني تكتيكي يتعلق بوضع فيتو على أي رئيس وزراء يحاول إشراك الأقلية الفلسطينية في المؤسسات العليا من خلال معاقبته في الانتخابات. ولأن الكنيست يضم أغلبية يهودية فإن الطريق شبه مسدود أمام الأقلية العربية فيه، إذا لا تستطيع منع أي قرار عنصري من خلال التصويت ضده، حيث جرى على مدى سنوات ومنذ الدورة الأولى له إقرار العديد من القوانين التي تمس حقوق الأقلية الفلسطينية.

رعايا من الدرجة الثانية

يلفت معمّر إلى فكرة التفوق الإثني التي حرص النظام في إسرائيل على تكريسها منذ قيام الدولة. فإسرائيل لم تنظر يوما إلى أفراد الأقلية الفلسطينية باعتبارهم مواطنين متساوي الحقوق مع اليهود، إنما تعاملت معهم كأشخاص من طائفة دينية مختلفة، وكرعايا من الدرجة الثانية. ووفقا لذلك وضعت الكثير من القوانين العنصرية التي تعطي الأفضلية القانونية دائما لليهود، وتحط من وضعية كل من هو غير يهودي بشكل عام والأقلية الفلسطينية بشكل خاص. 

وقد بلغ عدد هذه القوانين العنصرية 55 قانونا، انتهكت الكثير من الحقوق مثل الحق في الحصول على الجنسية والحق في العودة، الذي حرم منه الفلسطينيون ومنح لليهود في كل أنحاء العالم، فضلا عن القوانين التي تنتهك حقوق المشاركة السياسية والحق في حرية التعبير. 

 

النظام الداخلي للأمم المتحدة يعطي قوة لدول معينة منها الولايات المتحدة مكنتها من إعاقة أي قرارات يمكن أن تتخذ لصالح الفلسطينيين، وهذه السياسة شجعت إسرائيل على الاستمرار في انتهاك حقوق الفلسطينيين.

 



وعلى سبيل المثال أصدرت إسرائيل قانون أملاك الغائبين في عام 1950 والذي استولت بوساطته على أراضي الفلسطينيينالغائبين وممتلكاتهم، وانتقلت ملكية هذه الأراضي والممتلكات إلى شركات يهودية وأشخاص، وإلى جانب ذلك أصدرت نحو ثلاثين قانونا خاصا بالأرض، استولى بموجبها على كثير من الأراضي العربية. ووافق الكنيست في 2009 على قانون جرى بموجبه خصخصة معظم أراضي اللاجئين ومهجري الداخل التي تديرها الدولة تحت تعريف "أملاك الغائبين". ووفقا للقانون يمكن بيع هذه الأراضي لمستثمرين من القطاع الخاص كما يمكن استثناؤها من أي مطالب باستردادها مستقبلا.

إضافة إلى ما سبق فقد شهدت الأعوام الأخيرة تزايدا في انتهاك الحق في السكن، حيث تفاقمت سياسة هدم البيوت في المدن والقرى والأحياء العربية من دون إنذار مسبق لأصحابها، بذريعة البناء بدون ترخيص، أو أن البناء مقام على أراض حكومية أو غير مخصصة للبناء. 

والواقع أن هذا يحصل بسبب غياب البدائل والتضييق المستمر على الفلسطينيين الذين سرقت أراضيهم من قبل إسرائيل، وتركوا بدون حلول إسكانية.وإضافة إلى ذلك يواجه سكان القرى غير المعترف بها الكثير من الضغوط المتعلقة بالأرض والتخطيط، وقد صممت هذه الضغوط لحملهم على مغادرة أراضيهم التي عاشوا فيها أجيالا عدة. وتواجه تلك القرى مشكلتان كبيرتان تتمثل بتدمير محاصيلها الزراعية، ورفض السلطات تزويدها بالكهرباء.

الحل في العقوبات

مارست هيئات الأمم المتحدة دورا مهما في الرقابة على حقوق الأقليات في مختلف بقاع الأرض، التي كفلتها اتفاقيات حقوق الإنسان، لكنها، كما هو واضح، أخفقت في اتخاذ أية خطوات تلزم إسرائيل الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها تجاه حقوق الأقلية الفلسطينية، في حين أقدمت على كثير من الخطوات للقضاء على نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، على الرغم من تشابه النظامين، حيث إن إسرائيل شرعت قوانين وسياسات تهدف إلى حرمان السكان الأصليين من الوصول إلى أراضيهم وأملاكهم، بل إنها صادرتها، وفرضت العديد من القوانين العنصرية. 

ويبدو أن التحول في النظام الدولي وهيمنة الولايات المتحدة على العالم أديا إلى إضعاف دور الأمم المتحدة وتراجع مصداقيتها في ما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني. فالنظام الداخلي للأمم المتحدة يعطي قوة لدول معينة منها الولايات المتحدة مكنتها من إعاقة أي قرارات يمكن أن تتخذ لصالح الفلسطينيين، وهذه السياسة شجعت إسرائيل على الاستمرار في انتهاك حقوق الفلسطينيين.

من جهة أخرى وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تتردد في توفير الدعم المطلق لإسرائيل فإن وزارة الخارجية الأميركية وجهت انتقادات لاذعة، في تقريرها السنوي لحقوق الإنسان في العام 2012، لسياسات إسرائيل التمييزية التي تنتهجها ضد العرب والإثيوبيين. 

وأشار التقرير إلى أن العرب يواجهون تمييزا مؤسسيا ومجتمعيا في إسرائيل، إضافة إلى تصاعد خطاب الكراهية والتحريض العنصري، حيث تطور الأمر إلى عنف واعتداءات متكررة ضدهم. كما أشار التقرير إلى أن السكان العرب البدو في النقب يعانون في الوصول إلى الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والحق في العلاج والتعليم، فضلا عن هدم بيوتهم بحجة عدم وجود تراخيص بالبناء. لكن هذا التقرير لم يأت على أي مطالبة جادة لإسرائيل بالتوقف الفوري عن هذه السياسات التمييزية العنصرية.

يقول معمّر: إن الأمم المتحدة، كون مهمتها حفظ السلم والأمن الدولي وتحقيق التعاون الدولي لحماية حقوق الإنسان، ينبغي عليها أن تفرض عقوبات سياسية واقتصادية لإجبار إسرائيل على احترام قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة وتنفيذها، وتصفية المرتكزات المؤسساتية لنظام التمييز العنصري، وفق ما اتبع مع النظام العنصري السابق في جنوب إفريقيا. كما يجب عليها إلزام إسرائيل بالاعتراف بالأقلية الفلسطينية كأقلية قومية أصلية ذات حقوق اجتماعية، وضرورة مواءمة تشريعاتها الداخلية مع المواثيق القانونية الدولية التي وافقت عليها.


التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم