كتب

نحو فهم عميق للتنمية غير المتكافئة والتهميش في تونس (1من2)

قراءة في الأسباب العميقة للتفاوت التنموي بين الجهات في تونس- (عربي21)
قراءة في الأسباب العميقة للتفاوت التنموي بين الجهات في تونس- (عربي21)

الكتاب: "الاستعمار الداخلي والتنمية غير المتاكفئة- منظومة التهميش في تونس"
الكاتب: الصغير الصالحي
الناشر: الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم، تونس، الطبعة الثانية 2019
(719 صفحة من القطع الكبير)


بعد عشر سنواتٍ، تُعَدُّ مسألة التنمية غير المتكافئة من أكثر المسائل التي تطرقت لها الدراسات المرتبطة بالثورة سواء من جهة أزمة القطاع الفلاحي الهيكلية منذ بداية الاستقلال أو من جهة الوضع التنموي والانساني الذي خلّفته السياسات العمومية والخيارات الاقتصادية والاجتماعية للرأسمالية التابعة في علاقتها بالريف أو بالمحافظات (الولايات) الداخية المهمشة والفقيرة. 

فمن زاوية الاقتصاد السياسي اختارت الدولة التونسية أن "تقترح" حلّ الهجرة على سكان المناطق الداخلية لتعويض عجزها عن تحقيق التنمية في المكان عينه، وهو ما تجلى بوضوح عشية الثورة حين وقفت الدّولة نفسها على حجم الهوّة التي تفصل المحافظات(الولايات) في الداخل التونسي عن المحافظات الغنية من خلال مؤشرات التنمية الجهوية المنشورة سنة 2012 هذه العطالة التي أصابت الجهات الداخلية لم تعد مانعة للتنمية اقتصادياً فحسب، بل صارت مهدّدة لمقومات الحياة الأساسية للتونسيين القاطنين أريافهم .

اصطبغت الذكرى العاشرة لـ "الثورة التونسية" بأثرٍ من المرارةِ، في الوقت الذي تعاني تونس من أزمات متعددة، اجتماعية، وسياسية، واقتصادية. ومرّة أخرى، وهذه المرَّةِ بسبب وباء كورونا،رتقف تونس على عمق المعاناة الاجتماعية للمحافظات (الولايات وفق المصطلح التونسي) المهمشة والفقيرة، وعلى القطيعة التي لا تزال تفصل جزءا من الطبقة الاقتصادية والسياسية الحاكمة عن حقيقة هذا الواقع الذي تعيشه الطبقات والفئات الشعبية الفقيرة. فهذه الطبقة السياسية الحاكمة عجزت عن مجابهة التشققات الاجتماعية والإقليمية (الجهوية أوالمناطقية) التي تُقَّوِضُ البلاد التونسية منذ ستة عقودِ من الزمن،بين المحافظاتالمهمشة والفقيرة، والساحل الشرقي والشمالي  المزدهرنسبيًا.
 
في هذا الكتاب الجديد: "الاستعمار الداخلي والتنمية غير المتكافئة"، المتكون من مقدمة، وعشرة فصول، لمؤلفه الباحث الصغيَّر الصالحي، يتمثل موضوعه الأساسي في التفكيك المعرفي للمنظومة التي تنتج تهميش المناطق (الجهات) الداخلية في تونس، والوقوف عند مختلف أبعادها.
 
ظاهرة التهميش

كشفت الثورة التونسية واقع الاختلال في مجال التنمية بين الولايات الداخلية للجنوب التونسي وولايات الوسط والشمال الغربي وبين ولايات الساحل وتونس العاصمة. ومن هنا تم التطرق في الدراسات السوسيولوجية التونسية لا سيما بعد الثورة إلى مصطلح "التهميش" بحثاً عن الدور الذي لعبه هذا الهامش في تعبئة المجتمع ضد النظام السابق، وكذلك المحافظات الفقيرة والمحرومة تاريخيا من مشاريع التنمية إذ تؤكد كل مؤشرات التنمية حجم الهوة التي تفصلها عن باقي البلاد. ويحيل أيضاً مصطلح "التهميش" إلى الأحياء الشعبية الضخمة حول المدن الكبرى ولاسيما تونس العاصمة والتي يقطنها خاصة الوافدون من المدن الدّاخلية بحثاً عن العمل وهروبًا من الريّف ويأسًا من الحياة في مناطق نائية.

في تحليله لمصطلح "التهميش"، يقول الباحث الصغيَّر الصالحي: "ويقصد "بالتهميش" ما ينتج عن ظاهرة الميز التي تطبع تعامل السلطات المركزية مع الجهات في الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنموية عموماً، والتي تنعكس آثارها من خلال ندرة المرافق وهشاشة البنية التحتية للاقتصاد وفي ضعف أداء ما وجد منها، وتدنِّي المؤشرات التنموية، وخلاصة في غياب أو ضعف التنمية بها" (ص29).

من أبرز المظاهر التي يفرزها "التهميش"، استبطان الغبن والشعور بالظلم والإحساس بعدم تكافؤ الفرص واستقراء الدونية والاحتقار في التعامل مع السلطة المركزية للدولة، وفي التفاعل مع المجموعات الأخرى.فقد عكست الثورة التونسية التي انطلقت من المحافظات المهمشة تاريخيا، أبرز التعبيرات عن تلك المشاعر، وأفصحت عنها الشعارات التي رفعتها الثورة التونسية ،حيث كان أبرزها "الكرامة" .

تعود أسباب التنمية غير المتكافئة في تونس، إلى طبيعة نموذج التنمية التي اختارته الدولة التونسية في بداية الستينيات من القرن العشرين. فقد اضطلعت هذه الدولة التونسية الجديدة التي بتطبيق مشروعها التحديثي في نطاق علاقته بالمجتمع التقليدي الذي دمرت الرأسمالية الكلونيالية توازنه العرضي الذي كان سائداً والذي وسم المجتمع التونسي الكولونيالي بالتجزؤ، والتذرر، والتباعد، والتنافر بين مختلف أطرافه، وخلقت بيروقراطيتها الحديثة ذات الطابع المركزي المهيمنة على هياكل ومؤسسات السياسة والاقتصاد، والمتغلغلة في بنى ومؤسسات المجتمع المدني الوليد، حيث أصبحت هذه الدولة الحديثة التي توحدت مع جهازها وبيروقراطيتها الحديثة خارجة عن المجتمع المدني، ومنفصلة عنه.

وكانت هذه الدولة تمثل في الوقت ذاته العنصر التكويني الرئيسي للعلاقات الرأسمالية وكونها "العلاقات الرأسمالية" باعتبارها دولة كانت تبحث دائماً عن ممارسة سياسة وسط معينة بين النموذج الليبرالي ونموذج رأسمالية الدولة، وكانت تجسد رأسمالية الدولة التابعة للمراكز الرأسمالية الإمبريالية الغربية بامتياز. لكن بعد تضخم هيمنة الدولة على المجتمع المدني وصولاً إلى تدويله، وإلغاء دور القوى الاجتماعية والشعب، انبثقت الدولة البيروقراطية التسلطية الحديثة التي امتلكت ناصية الاستبداد المحدث من "مصادر الاستبداد التقليدي بإحتكار الحكم مركز السلطة" من ناحية، ومن خلال "احتكار مصادر القوة والسلطة في المجتمع "عبر اختراق المجتمع المدني على مختلف مستوياته ومؤسساته"، و"بقرطة الاقتصاد إما خلال توسعة القطاع العام وإما بإحكام السيطرة عليه بالتشريع واللوائح (أي رأسمالية الدولة التابعة) وكون شرعية نظام الحكم تقوم على القهر من خلال ممارسة الدولة للإرهاب المنظم ضد المواطنين"، من ناحية أخرى.

إن مشروع التحديث الذي تبنته الدولة التونسية الجديدة ذات النزعة القومية الكلية منظور إليه من زاوية انعكاساته على مستوى المجتمع المدني، وفي علاقة الدولة بالمجتمع المدني، قد قام على أساس تجربة الحزب الشمولي الواحد، وشرعية الزعامة الفردية السياسية والتاريخية للرئيس بورقيبة، التي تتحكم فيها عقلية التكيف والإندماج والتحول في المراحل التاريخية الثلاث التي خاضتها ـ "النضال والتصدي للنخب التقليدية ـ التعبئة ضد الاستعمار الفرنسي ـ التعبئة في المعركة الاقتصادية". 

وتكمن خصوصية التحديث في تونس في انفصاله الكلي عن المسألة الديمقراطية، سواء في مفهومها الليبرالي الغربي المتعلق بطبيعة المؤسسات السياسية والدستورية التي تفرزها، أم ببعدها المتعلق بالتوزيع العادل للثروة الوطنية، وتوجيه التنمية وفق اختيارات اقتصادية ـ اجتماعية تخدم مصالح الطبقات والفئات الاجتماعية الكادحة. 

فقد اعتمدت الدولة التونسية منذ بداية التستينيات على مخططات التنمية لتوجيه الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارات العمومية و الخاصة،ولتركيز المرافق العامة.وتعرضت وثيقة الآفاق العشرية للتنمية لسنة 1961 إلى ضرورة التقليص من الفوارق الجهوية، ودعت إلى توخي سياسات تعديلية، وظهرت في الوثيقة ذاتها مصطلحات"الفوارق الجهوية"، و"الجهات التي تشهدكسادًا" و"الجهات المتوسعة".

يقول الباحث الصغير الصالحي في هذا الصدد: "في تشرين الثاني (نوفمبر) 1980 بدأ الحديث في التقارير الرسمية على ثنائية التنمية بين الجهات وتبعية بعضها لغيرها، إذ تمت الإشارة في الوثيقة التوجيهية لإعداد المخطط السادس (1982 ـ 1986) الصادرة عن وزارة التخطيط والمالية إلى "أنَّ البلاد منقسمة على إثنين في مجال البنية التحتية وعلى مستوى التنمية"كما تضيف في مقطع آخر: "إنَّ الجهات الغربية والجنوبية.. في تبعية للعاصمة أو للمدن الكبرى الشاطئية".

ومع أواسط التسعينيات (1994 ـ 1996) بدأ يُنَظِّرُ إلى الاختلال في مستويات التنمية على أنَّه "أمر طبيعيٌ" وقد تم التنظير للتنمية غير المتكافئة كإحدى "مقتضيات العولمة" وقدرت السلطة أنَّ تنمية الجهات المهمشة قد تتضارب مع "الواجب الوطني" وإنَّ ذلك أمر"صعب وصعب جدَّا"، وقد اعتبر المثال التوجيهي للتهيئة الترابية تأهيل الشريط الساحلي للمنافسة العالمية من "الأولويات الوطنية"، وقد جاء في ملخصه (ص4، تشرين الأول / أكتوبر 1997)، ولتحقيق النجاح "تتطلب المصلحة الوطنية ضرورة التركيز على المناطق الأفضل موقعًا لمواجهة المنافسة العالمية" وترى الوثيقة نفسها أنَّ "النجاعة الاقتصادية تتطلب تنمية الأقطاب" (ص7). 

 

سياسات تنموية خاطئة

ومع أواسط التسعينيات أصبح التفاوت في التنمية خيارًا رسميًا.. وفي الاتجاه نفسه أوصت وثيقة المخطط العاشر (2002 ـ 2006) الصادر سنة 2001 "بمزيد تأهيل الولايات الساحلية لدعم مكانتها في الأسواق العالمية "وتدعيم المكاسب التي سجلتها (...) وذلك قصد مزيد الرفع من تحسين القدرة التنافسية لهذه الولايات (...) طبقًا للتوجهات الوطنية" (ص32). 

وفي هذه المعادلة غير المنطقية التي تقيم جداراً صينياً بين مشروع التحديث والتنمية للولايات الساحلية وتونس العاصمة، وبين الولايات الفقيرة الداخلية، تكمن أزمة الفئات الوسطى الحاكمة في ديناميات بناء السلطة، وإشكاليات التحديث والتنمية غير المتكافئة، حيث أن استراتيجيات الهيمنة الاقتصادية وتوظيف محافظات بأكملها لتوفير يد عاملة رخيصة وتخصيصها كخزان "للمهن الوضيعة" قد ينسف ما يُفترض من مضامين يتوقع أن تحملها مفاهيم مثل "المصلحة الوطنية"و"الوحدة الوطنية".

فالنخبة الحاكمة منذ فجر الاستقلال مارست الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع، وأفرغت العملية السياسية من المعارضة حين ألغت المجال السياسي بهيمنتها المطلقة على المجتمع المدني، وإخضاعها النقابات لهيمنة الحزب الدستوري الحاكم، وترييف المدن من خلال تهميش فئات الفلاحين وإبعادها عن كل تأثير سياسي، وإزدياد تدخلها في الاقتصاد، وخلقها مجالها السياسي الخاص بها، الذي قصر المساهمة السياسية على بيروقراطية الدولة ـ الحزب الشمولي، وعلى المؤيدين، والموالين من التكنوقراط، والمنتفعين من السلطة. 


وأصبحت هذه البيروقراطية تعتبر نفسها هي المالكة الوحيدة لمعنى الدولة، مجسدة بذلك ظاهرة استبدادية محدثة من خلال احتكارها المطلق للدولة إلى الدرجة التي تقضي فيه بإطلاقية على كل مكونات المجتمع المدني السياسية والاجتماعية الأخرى، وعبر سيطرة نزعة التماثل أو التماهي الشمولية السرمدية مع الدولة. 

 

السلطات الحاكمة قامت بتهميش محافظات (ولايات)في الداخل من الشمال الغربي إلى الجنوب مرورًا بالوسط الغربي، بحيث تكون عاجزة عن الالتحاق بقاطرة التنمية الاقتصادية و العصر الحديث، وحولتها إلى خزان لتوفير اليد العاملة الرخيصة، كما اعتمدت هذه السلطات على استراتيجية هيمنة اقتصادية على المحافظات و المناطق الداخلية.

 



ومن نتائج هذه السياسة التسلطية، انتهاج السلطات الحاكمة على مدى عقود من الزمن، خيارا تنمويا غير عادل في البلاد التونسية، قاد إلى انقسام تونس إلى اثنين في مجال البنية التحتية وعلى مستوى التنمية وعلى محافظات داخلية، ومناطق (جهات) في تبعية للمدن الكبرى الساحلية والشاطئية بشكل عام. 

فالسلطات الحاكمة قامت بتهميش محافظات (ولايات)في الداخل من الشمال الغربي إلى الجنوب مرورًا بالوسط الغربي، بحيث تكون عاجزة عن الالتحاق بقاطرة التنمية الاقتصادية و العصر الحديث، وحولتها إلى خزان لتوفير اليد العاملة الرخيصة، كما اعتمدت هذه السلطات على استراتيجية هيمنة اقتصادية على المحافظات و المناطق الداخلية.

وأبعد من ذلك تزيدُ الوصمة السلبية "للتهميش"من قبل جزء من صنّاع الرأي في تعميق الهوة بين فضاء "التهميش" وباقي الجسم الاجتماعي، وتعمقُ درجة الانكسار الاجتماعي الحّاد، وتقوي الإحساس بالقهر والغبن. وبالمقابل يعيش "التهميش" أو الهوامش في تجلياتها المتعددة الأبعاد المختلفة للتنمية غير المتكافئة، واللامساواة الاجتماعية والاقتصادية والرمزية والسياسية وتنتج سردياتها وتمثلاتها وعن نفسها وعن المجتمع والدولة والعالم وتبحث عن حلول للتأقلم، وصارت خاصّة بعد 2011 أكثر حماسة وقدرة على فرض نفسها وصوتها بوسائلها الخاصة والغير معتادة داخل الفضاء العام المادي والافتراضي عبر أشكال الاحتجاج الجديدة وتعبيرات الغضب وموسيقى الرّاب وفن الشوراع ومجموعات الألتراس ووسائل الفعل الجماعي الجديدة المتاحة. 

ولأن "للتهميش"صوته وكلماته ووصفه لمعيشة اليومي، فهو يصير فاعلاً مستقلاً معبّراً عن ذاته من خارج الخطاب " الرسمي" والسائد وهو خطاب الدّولة والإعلام أي خطاب المهيمن وهو خطاب موّجّه وجائر وبارد لا يفهم وفي أفضل الأحوال عام لايجد فيه المهيمن صدى لذاته وهويته ومعاناته ودوره وحتى عندما يأتي الفهم متأخراً فإنَّهم بلا جدوى "أنا فهمتكم لبن علي أيام قبل رحيله" لم توقف غضب "التهميش" حين انفجر في وجه نظامه.


التعليقات (0)