قضايا وآراء

حكم العسكر ومصادرة المؤسسات الدينية المنتخبة

عصام تليمة
1300x600
1300x600

كتب الرئيس المصري السابق اللواء محمد نجيب في مذكراته: إن من أراد أن يدين له حكم مصر، فلا بد أن تدين له مؤسستان: الجيش، والأزهر. وقصد بذلك القوة العسكرية، والقوة المعنوية الدينية ممثلة في المؤسسة الدينية بكل فروعها في الأزهر.

وأبغض شيء لحكم العسكر: وجود مؤسسات يختارها الشعب، فكيانه قائم على الجبر والقوة، ولا يعترف بقوة الصوت والرأي للشعب، بل يعترف فقط بصوت القوة، ممثلا في القوة الصلبة، لا القوة الناعمة النابعة من المجتمع، ومنذ انقلاب تموز (يوليو) سنة 1952م، وما سمي بدولة يوليو، ولا يوجد في عرف الحكم العسكري ولا في أدبياته ما يسمى: انتخاب المؤسسات، فقد قام حكمه على هدم المؤسسات المنتخبة.

جاء حكم العسكر وكان في مصر أحزاب، وقوى سياسية، ومؤسسة دينية تنتخب قيادتها، سواء كانت رأس المؤسسة الأزهرية، أم وزارة الأوقاف التي تأتي بترشيح من رئيس الوزراء الذي ينتخبه الشعب، أو المفتي الذي يعين تبعا لوزارة العدل، لكن كان أيضا يتم اختياره بعيدا عن هيمنة السلطة.

كان شيخ الأزهر قبل حكم يوليو يأتي عن طريق ما سمي: جماعة كبار العلماء، والتي يختار أعضاؤها بناء على بحوث علمية يقدمونها، أشبه بالأستاذية الآن، وهي مرحلة ما بعد الدكتوراه، ومن بين هؤلاء العلماء الكبار يتم اختيار شيخ الأزهر، بالانتخاب الحر فيما بينهم، ولا يملك الحاكم التدخل في الاختيار، وقد سبق أن تدخل الملك فؤاد في معركة الشيخ المراغي، واختار الشيخ الظواهري بدلا منه، ورغم علم الظواهري، إلا أن المظاهرات والمسيرات خرجت تطالب بعودة المراغي، حتى عاد رغم أنف الملك آنذاك.

كان هذا حال المؤسسة الدينية، لكن حكم العسكر جاء، فألغى الأحزاب، وألغى القوى المدنية، وألغى المؤسسات الدينية المنتخبة، بل وما يمكن أن يمثل لها قوة تدعمها ضد بطش السلطة، ممثلة في مصادرة الوقف الإسلامي، مصدر تمويل هذه المؤسسات، وأصبح المشرف على الأوقاف عسكري، بل كانت مجلة منبر الإسلام وهي مجلة دينية تصدر من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، المشرف عليها وعلى المجلس الأعلى رجل عسكري: محمد توفيق عويضة، الذي كان يسمى: حوت وزارة الأوقاف.

 

جاء حكم العسكر وكان في مصر أحزاب، وقوى سياسية، ومؤسسة دينية تنتخب قيادتها، سواء كانت رأس المؤسسة الأزهرية، أم وزارة الأوقاف التي تأتي بترشيح من رئيس الوزراء الذي ينتخبه الشعب، أو المفتي الذي يعين تبعا لوزارة العدل، لكن كان أيضا يتم اختياره بعيدا عن هيمنة السلطة.

 



ظل النظام العسكري على طريقته، فكل المؤسسات الدينية يتم تعيينها بناء على ولاء من يتولى المنصب للسلطة، بعد تحريات الأمن عنه، إلى أن جاءت ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011م، وانتزعت من العسكر ملفات كانت في سلطتها، منها: انتخاب المؤسسات الدينية والجامعية، فكان تكوين هيئة كبار العلماء، واختيار المفتي وشيخ الأزهر من اختصاصها، وانتخاب رؤساء الجامعات، وعمداء الكليات، وكذلك القضاء، كانت كل هذه المنجزات، من أهم منجزات ثورة يناير.

إلى أن جاء الحكم العسكري عن طريق الانقلاب العسكري في مصر في الثالث من تموز (يوليو) 2013م، وجاء على كل مؤسسة منتخبة فأزالها، فبدأ بمؤسسة الحكم، بعد انتخاب أول رئيس مدني وهو الرئيس الشهيد محمد مرسي، ثم المجالس المنتخبة: شعب، وشورى، فقام بإلغائها.

ثم انطلق إلى الجامعات والكليات، فعاد الأمن الوطني الذي يعين ويقيل، ورويدا رويدا بدأ الحكم العسكري يستعيد المؤسسات التي كانت بالانتخاب، لتعود سيرتها الأولى في ظل حكمه إلى التعيين بيد الحكم العسكري وحده.

وهذا ما يفسر لنا موقف السيسي من مؤسسة منتخبة مثل: هيئة كبار العلماء، وسعيه لانتزاع صلاحياتها، فقد قامت هذه المؤسسة سنة 2012م في ظل حكم مدني، بانتخاب مفتي مصر: د. شوقي علام، وظلت صلاحيات الهيئة كما هي، إلى أن اقترب موعد انتهاء فترة المفتي الحالي، فإذ بالسيسي يصدر قبلها قرارا: بأن هيئة كبار العلماء ليس لها اختيار المفتي، بل لها فقط أن تختار ثلاثة، يختار السيسي منها واحدا، وظلت مساحة من الاختيار لهيئة كبار العلماء، فعلى الأقل ظل اختيار الثلاثة حقا لها.

لكن في شهر شباط (فبراير) 2021م، وقد اختارت الهيئة ثلاثة أعضاء رشحتهم ليتولوا منصب الإفتاء خلفا لشوقي علام، لكن علام شخص مناسب للنظام والسلطة، وفي ظل النزاع بين السلطة ومؤسسة الأزهر، شعروا بأن الهيئة والأزهر قد وقفا ضد رجل السلطة، ولم يجددوا له، واختاروا ثلاثة آخرين، ولأن وقتها كان الرئيس الأمريكي الجديد بايدن، لم يُعرف خريطة تعامله بعد، فلم تقم السلطة بمعركة مع  المشيخة والهيئة، وفوتت الفرصة بعدم رفض ترشيح الثلاثة، ولكن مد السيسي لعلام إلى فترة وصوله لسن المعاش لشهر آب (أغسطس) 2021م، وسكتت الهيئة والمشيخة لأن المسألة تدور حول ستة أشهر.

وإذ بالسيسي قبل انتهاء مدة شوقي علام بيوم واحد يصدر قرارا الأربعاء 11 أغسطس باعتبار دار الإفتاء من الجهات ذات الطبيعة الخاصة، ولا تسري على الوظائف القيادية والإدارة الإشرافية بها أحكام المادتين (17) و(20) من قانون الخدمة المدنية، وذلك معناه: أن السيسي انتزع من هيئة كبار العلماء اختصاصها بانتخاب المفتي تماما، فلم تعد جهة اختصاص.

والخطوة التالية للسيسي ستكون، سحب اختصاص الهيئة من اختيار شيخ الأزهر، وبذلك ينهي على آخر ما بقي من المؤسسات الدينية التي تنتخب قيادتها، ليرد للحكم العسكري ما سلبته منه ثورة يناير، بعد أن استرد كل ما كان بالانتخاب، لتعود لأصلها العسكري، فليس للأمة ولا للمؤسسات حق الاختيار في ظل الحكم العسكري، إنما فقط: الأمر والطاعة، لتتحول مصر كلها بكل مؤسساتها وشعبها إلى ثكنة عسكرية تحكم بأوامرها.

 

[email protected]


التعليقات (0)