كتاب عربي 21

الاقتراض المكون الأكبر في الموازنة المصرية

ممدوح الولي
1300x600
1300x600
برغم عدم تحقق مستهدفات الموازنة الحكومية المصرية للعام المالي 2019-2020، سواء بالمصروفات أو بالإيرادات، بسبب الآثار السلبية لفيروس كوفيد 19 على الاقتصاد المصري والعالمي، وتكرار تسبب ذلك الأثر السلبي بعدم تحقق مستهدفات الإيرادات والمصروفات، خلال الشهور التسعة الأولى المنقضية من العام المالي الحالي (2020-2021) والذي ينتهي بنهاية حزيران/ يونيو القادم..

فقد حدد وزير المالية المصري أرقاما غير واقعية سواء لبنود الانفاق أو للإيرادات، لموازنة العام المالي المقبل (2021-2022) الذي يبدأ مطلع تموز/ يوليو القادم، رصد خلالها زيادة كبيرة ببنود الإنفاق خاصة الاستثمارات الحكومية والدعم، وكذلك ببنود الإيرادات خاصة الضرائب بأنواعها، سواء الدخل أو القيمة المضافة أوالجمارك وكذلك بالإيرادات غير الضريبية.

رغم أن وزيرة التخطيط المصرية التي تحدثت بنفس جلسة مجلس النواب التي عرض فيها وزير المالية ملامح الموازنة المقبلة، قد ذكرت أن التعافي من آثار أزمة كوفيد 19 لن يكون قبل عام 2023 وربما عام 2023، بينما العام المالي للموازنة الجديدة ينتهي حزيران/ يونيو 2022.

ولقد كشفت بيانات الموازنة الجديدة عن عدد من الملاحظات على الأداء المالي للموازنة المصرية نذكر منها:

أولا: أن مخصصات تكلفة الدين الحكومي تمثل المكون الأكبر في الإنفاق بالموازنة بنحو تريليون و173 مليار جنيه، تمثل نسبة 48 في المائة من جملة الإنفاق البالغ تريليونين و461 مليار جنيه، أي حوالي نصف الموازنة، وتوزعت تكلفة الدين ما بين 593 مليار جنيه لأقساط الدين، و580 مليار جنيه لفوائد ذلك الدين في عام واحد.

وهي أرقام تتخطى باقي بنود الإنفاق بالموازنة والتي بلغت 361 مليار جنيه للأجور، و358 مليار جنيه للاستثمارات، و321 مليار جنيه للدعم، و104 مليارات جنيه لشراء السلع والخدمات اللازمة لإدارة دولاب العمل الحكومي، و30 مليارا لحيازة الأصول المالية من خلال المساهمات في الهيئات الاقتصادية، و114 مليار جنيه للمصروفات الأخرى التي تشكل نفقات الدفاع معظمها.

وتستحوذ الديون الحكومية المحلية على النصيب الأكبر من تكلفة تلك الديون، بنسبة 90 في المائة من فوائد الدين، ونسبة 81 في المائة من قيمة أقساط الدين. والغريب أن يتفاخر وزير المالية بأنه قد اتجه لإطالة متوسط عمر محفظة دين أجهزة الموازنة إلى 4.3 سنة خلال العام المالي المقبل، رغم إقراره بتوقع بلوغ متوسط سعر الفائدة على الدين 13.2 في المائة. وهو ما يعني تكلفة باهظة تطيل وقوع الاقتصاد في دوامة الاقتراض من جديد، لسداد أقساط وفوائد الدين القديم، وإن كانت تؤجل موعد السداد ربما حتى مجيء وزير مالية آخر!

عدم تحقق مخصصات تحفيز الاقتصاد

ثانيا: صعوبة تحقق قيمة الاستثمارات التي جاءت في الموازنة والبالغة 358 مليار جنيه، بينما توقعت بيانات الوزارة بلوغ قيمة الاستثمارات بموازنة العام المالي الحالي 232 مليار جنيه وبلوغها 192 مليار جنيه في العام المالي السابق. وجرت عادة وزراء المالية منذ استيلاء الجيش على السلطة منتصف عام 2013، على رصد مبلغ ضخم للاستثمارات الحكومية التي تتجه للبنية التحتية والصحة والتعليم..

يستخدمونه خلال تصريحاتهم بوسائل الإعلام طوال العام المالي، كدلالة على الاهتمام الحكومي بتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين، لكن الحسابات الختامية التي تمثل ما تم إنفاقه بالفعل، قد رصدت عدم تحقق رقم الاستثمارات بأي من السنوات المالية خلال وجود النظام الحالي، لسبب رئيس وهو أن صانع القرار المالي يهتم أساسا بسداد فوائد وأقساط الديون حتى يستطيع الاقتراض من جديد..

كما أنه يهتم بسداد أجور موظفى الحكومة حرصا على ولائهم وسكوتهم، وتدبير نفقات دعم البطاقات التموينية ورغيف الخبز حفاظا على السلام الاجتماعي، أما الاستثمارات من مشروعات صحية وتعليمية وإسكانية ومرافق فيمكن تأجيلها لسنوات متتالية، دون حدوث أي رد فعل جماهيرى في ظل أجواء الخوف التي تهيمن على البلاد.

ثالثا: عدم تحقق مخصصات تحفيز الأنشطة الاقتصادية لمواجهة تداعيات فيروس كوفيد 19 على القطاعات الاقتصادية، حيث جرى الحديث من قبل مسؤولي النظام طوال العام المالي 2019-2020، عن تخصيص مائة مليار جنيه لمواجة تداعيات الفيروس، ومنذ منتصف العام المالي الحالي جرى الحديث عن توفير مائتي مليار جنيه لمواجهة تداعيات الفيروس، أي إننا إزاء 300 مليار جنيه خلال العامين.

لكن بيانات وزارة المالية كشفت عن تدبير 99 مليار جنيه فقط خلال العامين منها 49 مليار جنيه في العام المالي السابق و50.5 مليار جنيه في العام المالي الحالي. والأهم من الرقم هو مكوناته، والتي تضمنت أمورا لا تمثل إنفاقا جديدا، منها على سبيل المثال رصد 14 مليار جنيه تحت مسمى دعم شركات المقاولات، بينما حقيقة الأمر أن هذا المبلغ كان يمثل مستحقات متأخرة لتلك الشركات لدى الحكومة.

ومثل ذلك في المبالغ المتجهة للصناعة والتي كان معظمها يمثل متأخرات على الحكومة لصالح المصدرين، تمثل دعم التصدير المقرر لهم والمتأخر سداده منذ أربع سنوات. ولم يتم الحصول على تلك المبالغ كلها نقدا بل كان بعضها يمثل مقاصة مع ماعليه من ضرائب، أو مقاصة ما عليه من قيمة أقساط أراضٍ صناعية متأخرة، ومعظم ما تم سداده نقدا كان بخصم نسبة 15 في المائة كشرط للسداد المعجل. وتضمن مبلغ 5.5 مليار جنيه للطيران كان عبارة عن قرضين أحدهما بقيمة مليارين والآخر بقيمة ثلاثة مليارات جنيه، وما تم توجييه للسياحة بقيمة 3.4 مليار جنيه، تضمن ثلاثة مليارات جنيه ضمانة للمصرف المركزى لإقراض شركات السياحة لسداد مرتبات العاملين بها.

11 في المائة من الدعم للبطاقات التموينية

رابعا: تضخيم رقم الدعم. ربما يتساءل البعض كيف تصل قيمة الدعم في الموازنة الجديدة 321 مليار جنيه، مع حدوث خفض كبير في مخصصات دعم الوقود منذ الاتفاق مع صندوق النقد الدولي أواخر عام 2016، حيث انخفضت مخصصات دعم الوقود من 121 مليار جنيه في العام المالي 2017-2018، الى أقل من 19 مليار جنيه في العام المالي 2019-2020. وحددت الموازنة الجديدة لدعم الوقود 18 مليار جنيه، وكذلك عدم تضمن الموازنة أي دعم للكهرباء خلال العامين الماليين الأخيرين.

ويجيء السر في مخصصات ما يسمى المساهمات الحكومية في صندوق المعاشات، والتي ارتفعت من 55 مليار جنيه في العام المالي السابق إلى 123 مليار جنيه في العام المالي الحالي، ويتوقع بلوغها 135 مليار جنيه في العام المالي الجديد. وهي مبالغ تخص سداد الخزانة العامة ما عليها من التزامات قديمة لهيئة التأمينات الاجتماعية، عبر أقساط سنوية بدأت بقيمة 160.5 مليار جنيه في العام المالي 2019-2020، وتزيد بنسبة 5.9 في المائة سنويا لمدة خمسين عاما.

ولهذا كان من المفترض أن يتم إدراج تلك المبالغ في الباب الثامن من الإنفاق في الموازنة، الخاص بسداد أقساط القروض، لكن الحكومة التي لم تستطع الوفاء بقيمة القسط السنوي في العامين الماليين الأخيرين، نقدا حسبما نص قانون التأمينات الاجتماعية، قامت بدفع مبلغ نقدي منه وأصدرت سندات بباقي القسط، وقامت بوضع المبلغ النقدي في باب الدعم، وقيمة السندات في باب سداد أقساط الدين.

وبلغت مخصصات سلع البطاقات التموينية التي يستفيد منها حوالي 64 مليون فرد، أقل من 37 مليار جنيه تمثل نسبة 11 في المائة من مجمل مخصصات الدعم.

خامسا: كان الاقتراض هو المورد الأكبر بين موارد الموازنة الجديدة، حيث توزعت موارد الموازنة البالغة مليارا و461 مليار جنيه ما بين: 983 مليار جنيه متوقعة من الضرائب بأنواعها و381 مليار جنيه متوقعة من الإيرادات غير الضريبية، و27 مليار جنيه من مبيعات الأصول، ومليار ونصف المليار جنيه من المنح، وتريليون و68.5 مليار جنيه من الاقتراض بنسبة 43 في المائة من مجمل الموارد، مقابل نسبة 40 في المائة من الضرائب لا يتوقع تحقيقها بسبب تداعيات الفيروس ولهذا يمكن زيادة الاقتراض لتعويض ذلك.

وحددت وزارة المالية مصادر ذلك الاقتراض ما بين 990 مليار جنيه تمويل محلي، من خلال إصدار أذون وسندات خزانة جديدة، و78 مليار جنيه اقتراض خارجي تعادل حوالي خمسة مليارات دولار، منها 4.2 مليار دولار من خلال إصدار سندات خارجية جديدة و791 مليون دولار قروض من مؤسسات دولية.

وهكذا فإن حجم ذلك الاقتراض الضخم سيضغط على صانع السياسة المالية، بحيث يتم تقليص الاستثمارات مثلما حدث بصدور قرار من رئيس مجلس الوزراء بذلك خلال العام المالي الحالي، كما أنه سيقلص شراء السلع والخدمات والدعم وجزءا من الأجور، لتعويض نقص الإيرادات الضريبية وغير الضريبية مع استمرار تداعيات الجائحة، وبما يعنى إجمالا عدم تحقق غالبية بنود الموازنة الجديدة سواء بالمصروفات أو بالإيرادات عدا فوائد وأقساط الدين.

twitter.com/mamdouh_alwaly
التعليقات (0)