أخبار ثقافية

هل كان نزار قباني مصابا بعقدة نجيب محفوظ؟

نزار قباني
نزار قباني

نشرت صحيفة "عربي21" الإلكترونية في قسمها الثقافي يوم 8 سبتمبر 2020 مقالا للصديق القاصّ والباحث نبيل عبد الكريم، بعنوان (نزار قباني و"عقدة" نجيب محفوظ)، وقد دار فيما بيننا نقاش حول المقال، أحببت أن أنقله إلى العلن، فربما يكون فيه بعض الفائدة، لمن تهمّهم مناقشة القضية التي تبنّاها صديقنا، خصوصا أنّ رأيي مناقض تماما لما ذهب إليه.


يرى نبيل عبد الكريم أنه قد كان لدى نزار قبّاني عقدة من نجيب محفوظ، وهذه العقدة تنطوي في باطنها على غيرة وحسد، لكنها تظهر على صورة تعال من قبّاني "بنرجسيته الخرقاء"، على حدّ تعبير صاحبنا، على محفوظ. 

يرى صاحبنا أنّ قبّاني قد تطاول على محفوظ مرّتين: مرّة في التهنئة التي أرسلها إليه عقب فوزه بجائزة نوبل للآداب (1988)، ومرة ثانية في ردّه على النّقد الذي وجّهه محفوظ لقصيدته "المهرولون" التي كتبها بعد إعلان اتفاقية أوسلو (1993)، هاجيا من وقّعها من العرب كما يفصح عنوانها دون مواربة. 

ومن أجل إثبات هذا التطاول النزاريّ على محفوظ، يحشد صاحبنا طائفتين من الأدلّة النصّيّة: الطائفة الأولى عبارات "مهينة" يرى أنّ قبّاني تعمّد استعمالها للتقليل من شأن محفوظ، والطائفة الثانية تأويل لعبارات المديح التي كتبها قبّاني في حقّ محفوظ على أنّها عبارات خبيثة دسّ فيها قبّاني "السمّ في العسل".

أثارت أطروحة صاحبنا فضولي واستغرابي، فعُدتُ إلى نصّيْ التهنئة بنوبل والردّ على انتقاد "المهرولون"، ولكنّني وجدت على النقيض مما وصفه عبد الكريم، احتراما كبيرا يبديه الشاعر للروائيّ: ففي نصّ التهنئة نقرأ لقبّاني (وليعذرني القارئ الكريم على الاقتباسات الطويلة فالهدف هنا هو الكشف عمّا إذا كان في نبرة قبّاني في التهنئة تقليل من شأن محفوظ، وهو أمر لا يتمّ إلّا بقراءة الكلام كاملا)، يقول قبّاني:

"فوز الروائي الكبير "نجيب محفوظ" بجائزة نوبل هو أوّل فرحة ثقافية في حياة العرب، بعدما كسرت السياسة آمالهم، وأجهضت أحلامهم، ورمتهم في بئر من الأحزان! 

... 

"جائزة نوبل هي التي ربحت نجيب محفوظ لا العكس! وهذا يدفعني إلى التساؤل: من هو الأهم؟! من أخذ الجائزة؟ أم من أعطاها؟!

... 

"نجيب محفوظ واحد من "أولاد حارتنا" يقيم صداقات يومية مع بائع الجرائد، وبائع الحليب، وصبيّ المكوجي ويقف بالطابور أمام بائع الفول، ولديه بدلتا "سفاري" واحدة ينام فيها والثانية يستحم فيها!!

نجيب محفوظ، تلميذ مجتهد يكتب فروضه المدرسية بانتظام.. ناسك يؤدي الصلوات في أوقاتها، مجاور يجلس تحت أعمدة الأزهر، قدّيس يلبس جلابية بيضاء ويتجوّل في الشوارع الخلفية ويسجل على دفتر صغير آهات المتأوهين، وأنين المسحوقين ودموع المعذبين في الأرض.

... 

فيا من زرعتَ مآذن سيدنا الحسين على ضفاف بحر الشمال، ويا من جعلتَ حمائم الأزهر تحطّ على أبراج الكاتدرائيات السويدية، ويا من جعلتَ "الملاية اللف" زيّا قوميّا لعام 1988 ترتديه جميع النساء في العالم. كم نحن فخورون بك.. كم نحن كبيرون بك!".

انتهى كلام نزار قبّاني وعباراته التي تطفح بالتبجيل والتمجيد والفخر بنجيب محفوظ، الّتي لم يقرأ منها صاحبنا إلا عبارة "ولديه بدلتا «سفاري» واحدة ينام فيها والثانية يستحم فيها!!" ليقول إن قبّاني يستخدم "هذه العبارة المهينة" على نحو يجعل "الحطيئة نفسه يبدو أقلّ لؤما وخبثا من نزار، وهو يغلف هجاءه للزبرقان بن بدر التميمي بصيغة المديح..."! 

والحقيقة أنّ سياق كلام قبّاني شديد الوضوح على أنّه لم يقصد إلّا أن يصف بساطة نجيب محفوظ وتواضعه، ولا شيء في السياق يشير -ولو من بعيد- إلى أنه تقصّد إهانته بالإشارة إلى ملابسه المتواضعة. 

كذلك عبارة قبّاني حول أنّ جائزة نوبل هي من ربحت نجيب محفوظ، يرى فيها صاحبنا "تعبيرا ملتويا وخبيثا عن رأي نزار الحقيقي بأنّ محفوظ لا يستحق الجائزة". 

وعلى هذا النحو تستمرّ المقالة في قلب كلّ مدح إلى ذمّ، على نحو يذكّرنا بالكيفية التي قلب بها الرّواة كافوريات المتنبي من مدائح إلى هجائيات، لكن دون دلائل سياقيّة تؤيّد ذلك الانحراف عن الظاهر.

لقد انتقد نجيب محفوظ قصيدة نزار قبّاني "المهرولون" بقوله إنها "قصيدة قوية فنّيّا، لكنّها تدافع عن موقف ضعيف". والمقصود بالموقف الضعيف هنا موقف رفض توقيع اتّفاق سلام مع إسرائيل، وهو الموقف الذي تمسّك به قبّاني طوال حياته. يقول في القصيدة:

سقطتْ آخر جدران الحياءْ
وفرحنا.. 
ورقصنا..
وتباركنا بتوقيع سلام الجبناءْ
لم يعد يرعبنا شيءٌ
ولا يخجلنا شيءٌ
فقد يبست فينا عروق الكبرياءْ

وإذا كان لمحفوظ موقفه المعروف في رفض حالة اللاحرب واللاسلم بين العرب وإسرائيل، فإنّ قبّاني كان على النّقيض يرى أنّ موقفه هو: "موقف الشعر ممّا يجري على المسرح العربي، فإذا كان الأستاذ نجيب محفوظ يرى موقفي(ضعيفا).. ويطالبني بأن أصفّق لمسرحيّة اللامعقول التي يعرضونها علينا بقوّة السلاح، وقوّة الدولار، فإنّني أعتذر عن هذه المهمة المستحيلة، ربّما كنت في قصيدتي حادّا، وجارحا، ومتوحّش الكلمات.. وربّما جرحت عذرية كاتبنا الكبير، وكسرت زجاج نفسه الشفافة، ولكن ماذا أفعل؟ إذا كان قدره أن يكون من (حزب الحمام).. وقدري أن أكون من (حزب الصقور)؟!"

إنّ ردّ قبّاني قويّ بلا شكّ، فليس الموقف كلّه موقفا ناعما، لكنّه لا يتضمّن أيّ تقليل من شأن لمحفوظ، أو (شخصنة) للقضية كما يرى نبيل عبد الكريم، وإذا كان قبّاني يرى أنّ محفوظا "رجل السلام والسلامة، ولم يُعرف عنه أنه تشاجر ذات يوم مع أحد. وأنّه رجل اللاعنف الذي يمسك العصا من منتصفها"، فإنّ كثيرين ممّن عرفوا محفوظا الحكيم الهادئ ربّما يتّفقون مع هذا الوصف لشخصيّة الرّوائيّ الكبير، وليس في الوصف أية محاولة لإهانته أو استدراجه إلى معركة كلامية، كتلك التي يتخيّلها صاحبنا حين يرى أنّ محفوظ "ضرب صفحا عن الهجمة النزاريّة، لأنّه كان أذكى من نزار بمراحل"، وأنه -أي محفوظ- "لم يرغب في شخصنة الخلاف الموضوعيّ مع نزار، ولو أراد لَطَحَنَهُ طحْن الشعير"! 

تبدو عبارات صاحبنا بحقّ قبّاني شديدة قاسية، تنطوي على قدر كبير من الاستخفاف به، فليس الشّاعر بذلك النكرة المدّعي الذي لو أراد محفوظ لطحنه طحنا. ولكنه شاعر كبير دافع عن موقفه بطريقة أدبية وبأسلوبه الخاصّ من الرّسم بالكلمات، وهو أسلوب لا يعجب صاحبنا، ويرى فيه هوسا مَرَضيّا "بنمط حياة محفوظ، هوس يشمل ملابسه، وروتين حياته، وانشغالاته اليومية"، عبر عبارات "تنمّط شخصيته في قالب من صنع نرجسية نزار"، وفي الحقيقة يصعب جدّا الاتّفاق مع فكرة أنّه قد كانت لدى قبّاني كلّ هذه العقد والهوس المرضيّ بمحفوظ استنادا إلى أسلوب في الكتابة يستخدمه قبّاني في كلّ ما كتبه شعرا ونثرا. 

إنّ من اللافت في مقال صاحبنا أنّه حين يختصر اسم نجيب محفوظ يختصره مستخدما الاسم الأخير "محفوظ" (حوالي 35 مرّة)، وحين يختصر اسم نزار قبّاني يستعمل الاسم الأوّل "نزار" (حوالي 40 مرّة)، ولا يذكره أبدا باسم عائلته "قبّاني"، ولعلّ ذلك يكشف عن أنّ لدى الكاتب نفسه نزوعا لا واعيا للتقليل من شأن نزار قبّاني. 

لقد كان قبّاني ينطوي على تقدير حقيقيّ لمحفوظ، وحتّى حين ردّ على نقده لقصيدته اختتم ردّه قائلا: 
"شكرا لأستاذنا الروائي الكبير نجيب محفوظ الذي قرأ قصيدتي (المهرولون) فأعجبته شعريا.. ولم تعجبه أيديولوجيا.. وموقفا، وإذا كان الخطاب الشعري قد هزّ أعماقه، فهذا دليل على أنّ حساسيته الشعرية لا تزال بخير.. وقلبه الكبير لا يزال يفرح بالتماع البروق، وسقوط الأمطار. 

أمّا مواقفنا الأيديولوجية المتصادمة في قضية السلام، فهي بسيطة وهامشية، ولا تفسد للود قضية". 

ليست مجاملة لصديق إن أعلنت أنّني من أشدّ المعجبين بما يكتبه نبيل عبد الكريم، سواء في القصة القصيرة، أو في قراءاته النافذة وإضاءاته الكاشفة على كثير من السرد الحديث، لكنّ رأيي أنّ الصّواب قد جانبه هذه المرّة، حين وضع عربة التأويل أمام حصان الكلمات!

اقرأ أيضا: نزار قباني و"عقدة" نجيب محفوظ
التعليقات (1)
sandokan
الخميس، 10-09-2020 08:29 م
^^ الحضارة الإسلامية في الأندلس ^^ سبحان الله .. نرى أن الأندلس كدولة إسلامية كانت ضياء و نور للأمة لفترة طويلة نسبة المتعلمين فيها لنقاربها بأيامنا هذه لأننا بدون جدال في الحضيض حالياً ـ الأندلس في سنة واحدة ... و تذكروا أن هذا منذ زمن . لم يكن لديهم تكنولوجيا التي لدينا لم يكن لديهم طابعات أو كمبيوتر أو أنترنت في الأندلس في سنة واحدة تم ترجمة كتب للعربية أكثر من الشرق الأوسط كله اليوم . هذا يظهر لنا ارتفاع مستوى التعليم في الأندلس و يظهر لنا عن ارتفاع نسبة المتعلمين في الأمة و يظهر أننا في الحضيض حالياً.. هناك قصة جميلة من تاريخ الأندلس . كان هناك خليفة يريد أن يزوج إبنه لفتاة . و هو لا يريد أي فتاة لتتزوج إبنه ، بل يريد أفضل فتاة متاحة للزواج ، لذلك أصدر إعلان في مدينة قرطبة أنه أي عائلة لديها فتاة في عمر الزواج فليضعوا شمعة عند النافذة في الليل و عليها أن تكون حافظة للقرآن كاملاً ، يقال أن المدينة كلها كانت منيرة بالشموع تلك الليلة لأن أغلب الفتيات كن حافظات للقرآن الكريم فقال بالطبع إبني لن يستطيع الزواج بكل الفتيات . لذلك في الليلة اللاحقة قال من لديه إبنة في عمر الزواج و تحفظ القرآن و كتاب واحد من فقه المالكي فليضع شمعة على النافدة و قيل أيضاً أنه في تلك الليلة بشكل أقل هذه المرة كانت المدينة منيرة بالشموع أتجرأ و أقول أنه لو سألنا الأمة كلها عن فتاة تكون في سن الزواج و تحفظ القرآن و كتاب من فقه مالك أو أي فقه فلن تجد أي شمعة هذا هو حال الأمة حالياً و هذه إشارة نراها أنه عندما تكون المرأة متعلمة تكون الأمة قوية . يجب أن يحصل هذا ، لأنها هي من ستربي الأجيال ، لأنه في الغالب الأب لا يتواجد لتربية الأبناء بل الأم هي من تربي فإذا الأم لا تعرف شيء عن دينها فما الذي ستتمر فيه ؟ هذا يظهر مدى تقدمنا ، لكن الواقع الحالي نحن مريضون جداً ، النساء لا يعرفن شيء عن دينهن ، و الرجال غير متعلمون ، لذلك يجب أن نقلب الطاولة ، و نعود كما كنا في الأندلس ، إسبانيا لغاية الآن يستخدمون نفس أنابيب المياه التي بناها المسلمون من مئات السنين كانت لديهم قنوات تنقل الماء من الجبال إلى المدينة و مازالت تستخدم للأن و هذا شيء مدهش و السكان حالياً يقولون أنها أفضل من الأنابيب التي تصنع حالياً ، هذا يظهر لنا مدى عبقرية و علم مسلمي الأندلس ، كيف نصبح مثلهم ؟ طبعاً لن نستطيع أن نصل لمستواهم بليلة و ضحاها بل يجب أن يكون هناك خطوات للوصول إليهم .