كتاب عربي 21

قطر دولة لا ولاية

إسماعيل ياشا
1300x600
1300x600
لا يمكن علاج أي مرض أو حل أي مشكلة دون تشخيص المرض وتحديد أسباب المشكلة. وبالتالي، كل تحليل أو اقتراح للحل في الأزمة التي اندلعت في الخليج مع إعلان السعودية والإمارات والبحرين قطع علاقاتها مع قطر لا يمكن فهمها، ولا معالجتها، ولا التعامل معها بشكل صحيح، دون وضع النقاط على الحروف التي، والمصارحة بالحقائق، والتخلي عن المداراة والمجاملة. ويجب أن يقول أحد إن الملك عريان!

الأزمة الأخيرة كشفت أن المملكة العربية السعودية تريد من قطر أن تكون مثل البحرين، مستقلة في شؤونها الداخلية إلى حد ما، وتابعة للرياض في سياستها الخارجية، وأن لا تغرد خارج السرب، كما يقولون، من خلال تبني سياسة خارجية مستقلة قد تتعارض مع سياسة الرياض.

المطلوب من الدوحة، أن تدعم الانقلاب العسكري الذي قام به الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي، لأن السعودية تدعمه، كما أن المطلوب منها أن تعتبر جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية وأن لا تدعم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وقطاع غزة التي تحكمها الحركة، وأن تغلق قناة الجزيرة، لأن هذا ما تريده الرياض.

ليس سرا أن السعودية تمارس مثل هذه الضغوط على الجميع في مجلس التعاون، وأن دولة الكويت هي أيضا منزعجة منها. ولذات السبب لا أحد يرغب في إعلان الاتحاد الخليجي غير مملكة البحرين التي تدور في فلك الرياض. ولذات السبب أيضا قالت سلطنة عمان إن أردتم الاتحاد الخليجي فبإمكانكم أن تعلنوه بدون مسقط لأننا لن ننضم إليه.

كانت قطر تمارس حتى انفجار الأزمة الأخيرة سياسة المداراة والمجاملة تجاه السعودية باعتبارها "الأخ الأكبر" في مجلس التعاون، إلا أن الواقع أثبت عدم جدوى هذه السياسة، في ظل انجرار "الأخ الكبير" وراء شهوات "الولد المدلل" وتصرفاته الصبيانية التي لم تعد تُحتمل. ونسي "الأخ الكبير" أنه إن كان يريد أن يحترمه أشقاؤه فعليه أن يحترم أولا هو نفسه، ولا يبدي حركات وتصرفات ومواقف لا تليق بمكانته.

الأزمة الحالية تعطي قطر فرصة ثمينة لترسيخ سيادتها، والتخلص من الضغوط التي تمارس عليها. وما عليها إلا أن تصمد، وأن لا تقدم تنازلات من سيادتها لإنهاء الأزمة. لأنها منذ بداية الأزمة حتى الآن أثبتت قدرتها على الصمود وكسر الحصار، كما أن الرياح تهب لصالحها وأن السحر بدأ ينقلب على الساحر.

إن كانت قطر تريد الحفاظ على استقلاليتها، ولا تريد التنازل عن سيادتها، فلها دروس وعبر في سلطنة عمان التي على الرغم من تغريدها خارج السرب، كما يقولون، واختلاف سياستها الخارجية عن سياسة خارجية السعودية، لم تتعرض لما تعرضت له قطر من ضغوط وإساءات، ولا يجرؤون على تعاملها كما يتعاملون مع قطر.

ما تعرضت له قطر أميرا وحكومة وشعبا من الدول التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع الدوحة لفرض الحصار عليها، لم تتعرض له ألد أعداء تلك الدول. خلال أيام معدودة، وفي شهر رمضان المبارك، رأينا كمًّا هائلا من العداوة، والكراهية، والشتائم، والفجور في الخصومة، وقطع الرحم، والتطاول على الأعراض والأنساب، واستغلال الدين والفتوى لتبرير الظلم وأغراض سياسية باطلة. 

مشكلة القوم أنهم يعيشون في الأوهام، ويظنون أنهم يقودون العالم الإسلامي، وأن العالم يدور حولهم. ولذلك يتوهمون أن قطر ستركع أمامهم، عاجلا أو آجلا، وستعود إليهم صاغرة، لتعود علاقاتهم مع الدوحة إلى طبيعتها، بعد أن تخضع الأخيرة لرغباتهم وشهواتهم، وتستمر العلاقات ضمن مجلس التعاون الخليجي، كأن لم يحدث أي شيء، وكأن الشعب القطري لا كرامة له، ويمكن أن ينسى كل تلك الشتائم والفجور والإهانات في ليلة واحدة.

"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم. وبعد أزمة سحب السفراء ها هي أزمة جديدة أشد من سابقتها. وإن لم تستخلص منها قطر دروسا وعبر، ولم تتخذ تدابير لازمة لضمان عدم تكرار هذه المهزلة، فمن المؤكد أن الأزمة القادمة ستكون أشد من الحالية وأنكى، فحينئذ لا تلومَنَّ إلا نفسها.  

* كاتب تركي
التعليقات (0)