مقالات مختارة

شناشيل بعد "اختطاف" جثمان طارق عزيز!

1300x600
كتب عدنان حسين: إذاً فهي قصة ملفّقة تماماً من ألفها إلى يائها، وقائعها لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة، والأرجح إن فبركتها كانت مقصودة لغرض معيّن، سياسي بالتأكيد، يستند إلى أحوال البلاد المتوترة للغاية والمتدهورة للغاية على كافة الصعد وفي كل المجالات.

ما أعنيها هي القصة التي زعمت أن جثمان نائب رئيس الوزراء في عهد النظام السابق طارق عزيز قد تعرّض للاختطاف قبل أن يصل إلى طائرة الخطوط الملكية الأردنية التي كانت ستنقله إلى عمّان حيث تقيم عائلته ويُوارى الثرى.. مفبرك القصة أخذ راحته إلى أبعد الحدود، فنسج حكاية مكتملة الأركان والعناصر درامياً، كأي فيلم من أفلام العصابات.

وإذ لم يراع المفبرك أي معيار أخلاقي في تلفيق حكايته، ولم يردعه وازع من ضمير، فإن الأمر الخطير في القضية برمتها هو أن وسائل إعلام محلية مضت بعيداً في تجاوز قواعد المهنة وأخلاقياتها وأحكام المسؤولية الاجتماعية، بإذاعة الحكاية وتداولها على أنها قصة حقيقية لا مجال للطعن في صدقيتها .. لم نقرأ في ما كُتب ولم نسمع مما أذيع على الهواء عبر الراديو والتلفزيون ما يتحفظ على الحكاية من قبيل "ولم تؤكد مصادر رسمية أو مستقلة هذه المعلومات"، مثلما لم يسع الكثير من هذه الوسائل إلى تقصّي صحة الخبر المتداول لدى الجهات الرسمية ذات العلاقة. 

مفبرك الحكاية أفاد كثيراً، وهو يؤلف قصته البوليسية، من واقع الحال في البلاد، واقع الفلتان الأمني وغياب القانون المتوارث من عهد الحكومتين السابقتين. على مدى السنين الاثنتي عشرة الماضية حدث العشرات وربما المئات من قصص الاختطاف المثيرة التي تراوح القائمون بها بين أفراد وعصابات جريمة منظمة ومليشيات، لم يُعدموا مَنْ يتواطأ معهم ويسهّل لهم أمورهم في ارتكاب جرائمهم. 

وقد بدت وقائع الاختطاف المزعوم لجثمان طارق عزيز كما لو أنها صحيحة لأنها تشبه وقائع حوادث حقيقية سابقة.. الفرق أن المخطوفين فيها كانوا أحياء وليسوا أمواتاً.

لكن قضية الاختطاف المزعوم لجثمان طارق عزيز ليست من النوادر في تداول الإعلام المحلي على نحو غير مسؤول الأخبار الملفّقة، عن قصد في أكثر الأحيان ودون قصد في أقلها. وهذا راجع إلى واقع أن الإعلام الوطني الجديد لم يبلغ سن الرشد بعد.. أغلب العاملين فيه لا دراية لهم بأخلاقيات المهنة، ولا معرفة بقواعد العمل فيها، والمؤسسات ذاتها لا تبدو معنية بإلزام العاملين فيها بمراعاة هذه الأخلاقيات والقواعد وعدم الحَيْدة عنها.

حرية التعبير، بما فيها حرية الصحافة والإعلام بالذات، لا تعني أبداً حرية نشر المعلومات الكاذبة مثلما لا تعني توجيه الاتهامات جزافاً والحرية في السبّ والقذف وانتهاك الخصوصيات. 

نحتاج الآن بالذات إلى هيئة مستقلة وظيفتها رصد ما يُبثّ عبر وسائل الإعلام وتحليل مضامينه وتنبيه، وحتى محاسبة، هذه الوسائل عن أي خروج على قواعد المهنة وانتهاك أخلاقياتها.. هيئة الإعلام والاتصالات محكومة بقانون (قرار سلطة الاحتلال) يحصر نطاق مسؤوليتها بمحطات الإذاعة وقنوات التلفزيون، وعملها على هذا الصعيد فيه تقصير. 

أظن أن هناك حاجة ماسّة لتوسيع هذا النطاق ليشمل الصحافة الورقية والإلكترونية.. ولكن، على أن لا يعني ذلك أن تجعل الهيئة من نفسها جهاز رقابة قمعياً على غرار ما كان يجري في العهود السابقة .. إنها جهاز للرصد والتنبيه مرة واثنتين، والإنذار مرة واثنتين أيضاً، قبل الإحالة إلى القضاء الذي يتعيّن أن تنحصر أحكامه في هذا الخصوص في فرض غرامات مالية، وليس تكميم أفواه الإعلاميين، وسائر المثقفين، وكسر معداتهم الكتابية، بملاحقتهم واعتقالهم وسجنهم وإغلاق مؤسساتهم، مع التأكيد على إنها هيئة مستقلة عن حق، استقلالها مؤمّن تشريعياً ومحترم عملياً، بالذات من الحكومة.

(جريدة المدى)