كتاب عربي 21

عشان لو جه ما يتفاجئش .. (مصر)

1300x600
في زيارتي لإيران، لحضور مهرجان ثورات الشعوب الإسلامية، في 2012، التقى، وفد الشعراء، بـ "خامنئي" بناء على طلبه، زيارة مفاجئة، لنا طبعا، لم يجر الترتيب لها، طلب أن يلتقي بوفد الشعراء من كل البلاد، الشعراء تحديدا، قابلناه في الحوزة، وكان الحديث حول مفهوم الشعر !!

كنا قد سمعنا من بعض من قابلنا هناك عن ديكتاتورية الحكم الديني، وما يتمتع به خامنئي من حب لدى بعض الشرائح الاجتماعية يصل إلى درجة التقديس، وكراهية شديدة من البعض الآخر، أخبرونا أنه مستبد، وجدناه مثقفا، عالما بالشعر العربي، حافظا لعيونه، مستشهدا بأبيات الكبار دون خطأ نحوي واحد، وهو الفارسي ثقافة ولغة، ودون قراءة من ورقة، وحين أخطأ أحد المقدمين للحفل في بيت لشوقي رده من ذاكرته بشكل مبهر، وحين تحدث بالفارسية كتب وراءه زميلنا الناقد المصري المتميز أحمد حسن عوض، 4 صفحات من الملاحظات حول مفهوم الشعر الحديث، ودور الشاعر، المستبدون في بلادنا شكل ثان، لا علم ولا أدب ...

على هامش الحوار، التقينا ببعض الشباب ممن يحيطون به، وفيهم واحد قدم نفسه بوصفه مديرا لمكتبه، كنا أكثر من 5 جنسيات، مصريون، وسوريون، ويمنيون، وتونسيون، بحرانيون، وليبيون، ومع ذلك بادرنا الشباب بأن حلم حياتهم أن يزوروا مصر، أخبرنا مدير مكتبه أن السيد خامنئي لا يتحدث عن مصر إلا ويقول مصر شرف الأمة، انتهى اللقاء، وكان لدينا زيارة لقصر الشاه، حيث كانت تسكن الأميرة فوزية أخت الملك فاروق، بعد زواجها من شاه إيران، كل الوفود انبهرت بفخامة القصر الملكي إلانا، المقارنة بين بلاط شاه إيران ونظيره العلوي، لصالح مصر بفارق مئة سنة، الفخامة، الأناقة، الرقي، والذوق الرفيع، كل شيء، تخيلت "نازلي" وهي عائدة من طهران لتخبر فاروق أنها لا توافق على هذه الزيجة لأنهم ناس أصلهم واطي، هكذا قالت بالفعل، بحسب هيكل !!

في حديقة القصر الملكي، وجدت عجوزا يقرأ أمام نوافير المياه ذات البهجة، كان يقرأ شعر حافظ، اقتربنا، تحدثنا بالإنجليزية، أخبرني أنه قرأ موسوعة قصة الحضارة لول ديورانت كاملة، تعرف على الحضارات جميعا، ولم يزل من يومها يحلم بزيارة مصر، عمره 70 عاما، وأحواله المادية بسيطة، لكنه يتمنى، مكة للحج، ومصر للاستمتاع بحضارة لم يشهد التاريخ مثلها، بوصفه.

في المطار، كنت عائدا مع الوفد اليمني وحدي، سبقني إلى القاهرة زملائي كلهم بـ 24 ساعة، خطأ في التنظيم جعلني يمنيا لعشر ساعات، عمر الرحلة مضافا إليه الترانزيت، حيث تركتهم في الدوحة إلى القاهرة، اليمنيون طيبون، أحببتهم، كأنهم أهلي، وشاركت في  فض معركة كادت أن تتطور إلى اشتباك بالأيدي بين اثنين منهما، شعراء، تعاركا حول جمال عبد الناصر، هل هو أعظم شخص في تاريخ العرب بعد النبي محمد، أم مجرم قاتل، أهلك الحرث والنسل من أجل هوسه وطموحه؟!!، في وداعهم، لم يكن على ألسنتهم سوى: لا تنسانا، سلم على مصر، نتمنى لو نزورها، قالها من سبق له الزيارة، ومن لم يسبق !!

الشيء نفسه سمعته كثيرا في تركيا، ولبنان، والخليج، الجميع يريد الزيارة، والتمتع، يحدثوننا عن نيل عظيم، وقاهرة فاطمية وخديوية يرونها في صور الأربعينيات، ومسارح متخيلة، بعضهم في بيروت يتصور أنه سيرى عادل إمام وهو يتريض في ميدان التحرير، فيأخذه بالحضن، ثم يسأله عن موقفه من ثورة يناير !!

"عشان لو جه ما يتفاجئش" مجموعة صفحات على الفيس بوك دشنها نشطاء مصريون، تعليقا على "صدمة" رئيس وزراء مصر حين زار أحد المؤسسات الحكومية و"فوجئ" بمستوى الخدمات المتدني، كأنه من بلد آخر، ولا يعرف أن هذا هو حال كل مؤسسات الدولة التي تحولت طوال 60 عاما من الإهمال، وسوء الإدارة، إلى خرابة، بالمعنى الحرفي!

رئيس الحكومة، بدا كما لو أنه يعيش في بلد آخر، ولذلك أطلق الشباب صفحات مختلفة ومتنوعة تحمل العنوان "عشان لو جه ما يتفاجئش" ثم بين قوسين تصنيف للمكان الذي اختارته الصفحة لاستعراض جوانب فساده، وخروجه من التاريخ، على أيدي الباشوات، أصحاب الفخامة، والمعالي، المستشفيات، المصالح الحكومية، المدارس، السجون ... إلخ.

لم أشأ أن أصدم كل من تمنى أمامي، زيارة بلادنا المنكوبة بحكم عساكرها، لكنني فكرت استجابة لفكرة الشباب، الفذة، في توثيق ما آل إليه الحال من تخلف، واضمحلال، في صفحة تحمل بين قوسي التعريف اسم "مصر" نفسها، كيف يكون شكلها؟

لو لم نفعل شيئا سوى التقاط الصور الفوتوغرافية لنفس الأماكن التي تشكل الصورة الذهنية لمصر عند أصحاب الحضارات التي تحيط بنا؟

ماذا لو شاهدوا أكوام الزبالة في شوارعنا وحوارينا، شكل القطارات، الأتوبيسات، المترو، منظر محطة مصر، الأسفلت، الأرصفة، النيل، مقاهي وسط البلد، التي تحول اسمها إلى كافيهات، ووصفها إلى "غرز"، القاهرة الخديوية وما لحق بها من هدم للعمارات التي تحمل الطراز المعماري الفرنسي، ماذا لو رأوا وسمعوا، لو أخذناهم معنا في فيديو مدته 5 دقائق فقط، ومررنا على ميدان العتبة، القبح، والدمامة، والروائح الكريهة، التي ستخترق عدسة الكاميرا فتزكم أنوف المشاهدين، حاجة لها العجب – كما قال العسكري الأزرق – مصر التي كانت، قبل أن تتحول إلى نهيبة، سبوبة، بقرة حاحا التي يحلبها الفاسدون، فيما يعلموننا قواعد الوطنية الحقة، مفاهيمها وأصولها، من المصري، ومن الخائن؟!!
أرجوك، لو جئت، لا تتفاجأ، 60 عاما في عمر الشعوب، دقائق، تمر، يوم قريب، تنفض مصر عن نفسها ذل الهزيمة، وامتداد لحظة الاحتلال على أيدي من يحملون جنسياتها، وبعض من أسمائها وعناوينها، يوم قريب .. أليس الصبح بقريب؟!


للتواصل مع الكاتب عبر فيس بوك:
https://www.facebook.com/mohamed.t.radwan