كتاب عربي 21

50 عاما على تأسيس الجماعة الإسلامية في لبنان: فاعلية الدور ووضوح الرؤية؟

1300x600
بدأت الجماعة الإسلامية في لبنان (وهي الامتداد اللبناني لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي) في الأيام القليلة الماضية، إحياء الذكرى الخمسين لتأسيس الجماعة الرسمي، وقد نالت الترخيص بالعمل العلني عام 1964، مع أن بدايات الجماعة في لبنان انطلقت مع نشاط جماعة عباد الرحمن، التي كانت تعتبر إحدى فروع الإخوان اللبنانية، وقد أسسها المرحوم محمد عمر الداعوق في بدايات الأربعينيات، ومن ثم استقل مؤسسو الجماعة الإسلامية وعلى رأسهم الداعية الراحل الدكتور فتحي يكن عن عباد الرحمن، وانطلقوا في عمل اسلامي سياسي مستقل في ظروف صعبة في لبنان والعالم العربي.

وتعتبر الجماعة الإسلامية، أول تنظيم إسلامي حركي عمل في كل المناطق اللبنانية، وهي خرّجت مئات الكوادر والعلماء، وبعضهم بقي في قيادة الجماعة فيما عمل الآخرون على تأسيس حركات وهيئات وجمعيات إسلامية من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية والحزبية.

ولا تزال الجماعة إلى اليوم، من أقوى التنظيمات الإسلامية الحركية، ولا سيما في الساحة السنية، وهي أقدم من حزب الله وحزب التحرير والتيار السلفي وحركة التوحيد، وإن كانت تربطها بمعظم هذه الحركات علاقات تعاون وتنسيق، رغم التباين الحاصل في السنوات الأخيرة مع حزب الله بسبب الموقف من الأزمة السورية.

وقد نجحت الجماعة عام 1992، في إيصال 3 نواب إلى البرلمان اللبناني، إضافة لإيصال مئات الأعضاء إلى المجالس البلدية والهيئات النقابية، وإن كانت لم تشارك في الحكم حتى الان، لكن حضور الجماعة النيابي والسياسي تراجع في السنوات الأخيرة، بسبب تعاظم دور تيار المستقبل، والمجموعات السلفية رغم محافظة الجماعة على دورها الشعبي والتنظيمي في معظم المناطق اللبنانية.

ولقد حاولت الجماعة الاستفادة في السنوات الثلاثة الماضية من تطورات الربيع العربي، ووصول الإخوان المسلمين إلى الحكم، وانطلاقة الثورة السورية لتعزيز دورها الشعبي والسياسي، لكن التطورات المصرية وإسقاط حكم الإخوان وعدم نجاح الثورة السورية، ومحاصرة حركة حماس في غزة ، كل ذلك أدى إلى عدم قدرة الجماعة على الاستفادة من هذه المتغيرات، وأدخلها ذلك في خلافات جذرية مع حليفيها السابقين حزب الله وتيار المستقبل، مما جعلها في أزمة شديدة على صعيد العلاقات السياسية، كذلك تعاظم دور المجموعات السلفية والاتجاهات المتشددة في الساحة الإسلامية، مما وضع الجماعة أمام خيارات صعبة، فمن ناحية هي غير قادرة على مجارة الاتجاهات المتشدّدة في الساحة الإسلامية، ولا يمكنها إبقاء علاقاتها الجيدة مع حزب الله وتيار المستقبل، الأول بسبب الخلاف حول الأزمة السورية، والثاني بسبب الموقف من الانقلاب على الإخوان المسلمين في مصر ومواقف السعودية المتشددة ضد الإخوان.

وفي ظل هذه الظروف الصعبة سياسيا وشعبيا، تحيي الجماعة الإسلامية الذكرى الخمسين لتأسيسها، وهي تحاول اتباع نهج سياسي يحفظ لها استقلاليتها ومواقفها المتمايزة داخليا وخارجيا، ولكن من الواضح للمراقب لأداء الجماعة السياسي أنها تعاني من أزمة كبيرة على مستوى الأداء والموقف، فهي لا تستطيع مجارة تيار المستقبل وقوى 14 آذار سياسيا وشعبيا، رغم أنها تلاقت معهما أحيانا مما أدخلها في إشكالات عديدة، وهي لا تستطيع أن تعود لنسج علاقة قوية مع حزب الله، بسبب الموقف من الأزمة السورية، كما أنها لا يمكن أن تجاري التيارات السلفية والمتشددة على الساحة الإسلامية، لأن ذلك يخالف نهجها الاعتدالي والوسطيأ وسيؤدي ذلك لإدخالها في صراعات ومشاكل هي في غنى عنها.

فهل تستطيع الجماعة استعادة شعبيتها وحضورها السياسي الفاعل والمستقل في هذه الظروف؟ وهل تستطيع تحويل قوتها التنظيمية والشعبية في مختلف المناطق إلى قوة سياسية فاعلة نيابيا، وعلى مستوى الحكم والقرار في لبنان؟

يبدو أن الجماعة تعيش مأزقا خطيرا اليوم، وهي تحتاج إلى إعادة مراجعة أدائها ووضع رؤية واضحة تجاه التطورات الداخلية والخارجية، وإلا ستبقى ترواح مكانها وتبقى قوى تابعة لبقية القوى السياسية، بدل أن تكون قوة فاعلة ومؤثرة في الساحة السياسية لبنانيا وعربيا وإسلاميا.