كتاب عربي 21

اتفاق جنيف النووي بين إيران و5+1

1300x600
لقد تمّ التوقيع على اتفاق مؤقت، أو أوّلي، بين إيران والدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن زائد ألمانيا حول النووي الإيراني. وهو اتفاق تعثر طويلاً وسدّت في وجهه الأبواب، ومورست ألوان من العقوبات على إيران بعد كل جولة مفاوضات حوله، كما وضعت أمريكا والكيان الصهيوني استخدام القوّة العسكرية على الطاولة إذا ما فشلت المفاوضات في كف يد إيران عن أي إنتاج نووي حتى في الحدود السلمية التي تعترف بها الاتفاقية الدولية للطاقة النووية لجميع دول العالم. 

وبهذا دامت هذه المعادلة لسنوات وسنوات بلا التوصل إلى أي اتفاق، وبلا خضوع إيران للشروط التي فرضتها أمريكا، ومن أخذ برأيها ورأي الكيان الصهيوني، بحرمان إيران كلياً من امتلاك أدنى تعاطٍ مع النووي. وكثيراً ما وصلت الأمور إلى حافة استخدام القوة العسكرية من قبل الكيان الصهيوني وبغطاء أمريكي. ولكن ايران أثبتت على الدوام صموداً ورباطة جأش إزاء تهديدات استخدام العدوان العسكري، كما أثبتت الإصرار على مواصلة التخصيب النووي وتطويره مع موقف لا يتزعزع في الاستمساك بحقها في التخصيب النووي للأغراض السلمية. وقد عززت موقفها بفتوى من قبل الإمام السيد الخامنئي بتحريم إنتاج القنبلة النووية. 

اتفاق جنيف الذي وقعته إيران والدول الكبرى 5+1، في فجر 24/11/2013، حول النووي الإيراني، مثّل اختراقاً عميقاً للموقف الأميركي – الأوروبي – الصهيوني، حيث أقرّ الاتفاق، في ما أقرّ، بأن تواصل إيران التخصيب النووي في حد لا يتجاوز الخمسة بالمائة وترك ما تم تخصيبه في حدود 20% لإيران من أجل التصرف به للأغراض السلمية. هذا وتضمن الاتفاق رفع بعض العقوبات. وأُعطي مدّة ستة أشهر لتنفيذ كل بنود الاتفاق من قبل الأطراف الموقعة عليه، وصولاً إلى اتفاق شامل حول النووي الإيراني. أي كل ما يتعلق بحدود التخصيب ومراكزه، وبالمراقبة الدولية، وبرفع كل العقوبات.

لا ضرورة لمناقشة تفاصيل الاتفاق الحالي فهو مؤقت، أو أوّلي، لحين التوصل عبر مفاوضات ستكون شاقة وقاسية وصولاً إلى اتفاق شامل. وهو ما قد يتخلله تعطل المضي إلى آخر الشوط الذي يقتضيه الاتفاق. 

إذا كانت إيران قد اعتبرت، وبحق، أن اتفاق جنيف تضمن اعترافاً واقعياً بحق إيران في التخصيب النووي السلمي، وإذا كانت مصممة على المضي إلى آخر الشوط من أجل الوصول إلى الاتفاق الشامل ضمن الحدود والبنود التي أسّس لها الاتفاق الراهن، فإن أمريكا وكل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا قد تقع جميعها، أو بعضها، تحت تأثير النفوذ الصهيوني في بلادها، مما سيجعل مسار المفاوضات القادمة لتنفيذ الاتفاق قابلاً للتعطيل والتأزيم. علماً أن أمريكا لم تعتبر اتفاق جنيف قد تضمن اعترافاً بحق إيران في التخصيب النووي. لأن الاتفاق لم يتضمن اعترافاً صريحاً وإنما كان اعترافاً واقعياً حين أقرّ لإيران باستمرار عملها الجاري في التخصيب النووي. 
من هنا يجب أن يُعامَل اتفاق جنيف باعتباره مؤقتاً أو أوّليّاً، ولا ينبغي أن يُبنى عليه أحكام تصل إلى حد ما يشاع بأن أمريكا وإيران مقبلتان على صفقة شاملة، أو أن هذا الاتفاق جزء من صفقة شاملة، أو واسعة تم التفاهم حولها. 

الذين يشيعون حول وجود، صفقة، أو في الطريق إلى صفقة، يغلّبون أمانيهم لأغراض التحريض أو التخويف أو التشكيك. فما لدينا من وقائع يؤكد أن التوصل إلى هذا الاتفاق تمّ بشق النفس، وعبر صراع وقَفَ على شفير الهاوية، ولم يكن وليداً لاتفاق أشمل أو بداية لمسارٍ متفق على نهايته (السياسة تقوم على الوقائع وليس على تقارير سرية وأوهام).

ولكن من جهة أخرى ثمة ما استجدّ من تطوّرات ومتغيّرات جعل انتقال المفاوضات الحالية تميل إلى اتفاق بالحد الأدنى فيما كانت مثيلاتها السابقة قد أدخلت المفاوضات التي سبقتها في طريق مسدود، ومهدّد باللجوء إلى العمل العسكري في كل لحظة. ومن ثم فإن مسار المفاوضات اللاحقة غير مقرّر سلفاً، وإنما سيخضع لما سيحدث من تطورات ومتغيرات دولية وإقليمية. فالوضع العالمي كله يمرّ بمرحلة انتقالية ومعرّض في كل لحظة لمتغيرات جديدة، في توجهات الدول الكبرى، ولاختلالات في موازين القوى، فضلاً عما أشير إليه من ضغوط صهيونية لوضع شروط جديدة أمام الاتفاق الشامل يؤدي إلى عرقلته وعدم التوصل إليه.
السؤال: ما الذي جعل هذا الاتفاق المؤقت – الأولي يتحقق اليوم فيما كان إلى أمس القريب محالاً كما أثبتت الوقائع.

صحيح أن متغيرات في موازين القوى في غير مصلحة أمريكا والكيان الصهيوني قد حدثت خلال الثلاثة عشرة سنة الماضية، وصحيح أن أمريكا تقف أمام مفترق طرق في صوْغ استراتيجية عالمية تحدّد أولويتها على المستوى الكوني وسياستها على المستويات الإقليمية، كما بالنسبة إلى كل بلد وكل قضية. ومن ثم يجب توقع سياسات على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي تختلف عما كانت عليه في العقدين الماضيين. ولكن يمكن أن يُعطى عامل محدد بالنسبة إلى الموضوع النووي الإيراني سمح، بصورة خاصة، إلى التوصل إلى هذا الاتفاق من جانب أمريكا. وذلك بالرغم من الضغوط الهائلة التي مارستها الصهيونية الأميركية على الإدارة الأمريكية لعدم توقيع هكذا اتفاق.

كثرت التحليلات التي حاولت تفسير نجاح المفاوضات الراهنة التي كشفت تباشيرها منذ بدايتها خلال الثلاثة أشهر الأخيرة. وقد ذهب البعض إلى الحديث عن الصفقة التي تمت أو المتوقعة. ولكن راح بعض آخر بركز على ما أصاب أمريكا من ضعف وتراجع. وما حققته إيران من إنجازات جعلت استمرار السياسات الأميركية السابقة ضدها ضرباً من العبثية. ومن ثم كان لا بدّ من البحث عن تفاهم مع إيران من خلال لغة أخرى غير لغة العقوبات وقعقعة السلاح. 

هذا الرأي الأخير له وجاهته من حيث قراءته لموازين القوى المستجدة الآن عن المرحلة السابقة. ولكن مع ذلك ثمة سبب أكثر وجاهة ضمن ميزان القوى المستجد يمكن أن يُعزى له التغيير في الموقف الأمريكي – البريطاني إلى حد المغامرة بتحدي الضغط الصهيوني الخطر على إدارة أوباما.

هذا السبب، وهو ناجم عن تقدير للموقف، جاء مع نجاح الشيخ حسن روحاني المدعوم من الإصلاحيين في الإنتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة، وبنجاح من الدورة الأولى. ومن ثم تشكيل حكومته ونشوء وضع داخلي إيراني جديد يختلف، بلا شك، عن مرحلتي الرئاسة السابقة لأحمدي نجاد. علماً أن ميزان القوى الحقيقي على الأرض لا يعكس هذه النتيجة، ولا هي قادرة، تلقائياً، على خلخلته. فالبرلمان، مثلاً، بقي مركز قوّة موازية للرئاسة. فضلاً طبعاً عن المكانة القائدة الاستراتيجية التي يتمتع بها، عن جدارة، المرشد الإمام السيد الخامنئي. 

إن الإدارة الأمريكية والغرب عموماً رحبا بنجاح الشيخ حسن روحاني. وقد راحا، بلا شك، يبنيان آمالاً على تغيير ينشدانه في إيران. وهو ما يُفسّر المخاوف التي أبداها نتنياهو في خطابه في الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة. وقد جاء في معظمه طعناً بنيّات روحاني باعتباره متشدداً، ودعا إلى عدم الانخداع به وبخطابه المنفتح على الغرب.

طبعاً تقويم سياسات إيران في عهد رئاسة الشيخ روحاني لا تُبنى على مواقف الغرب ولا على موقف نتنياهو والصهيونية. ولكن أريد من الإشارة إلى الموقف الأمريكي – الأوروبي أن يُفسر التغيّر الذي حدث في الموقف الأمريكي – الأوروبي من الوصول إلى اتفاق جنيف حول النووي الإيراني، بل منذ بداية المفاوضات التي بدأت في عهد روحاني.

إن المفاوض الإيراني برئاسة وزير الخارجية محمد جواد ظريف من حيث ما يمكن أن تقبل به إيران في أي اتفاق حول النووي الإيراني هو نفسه الذي كان مطروحاً طوال الوقت في عهدي خاتمي ونجاد. فإيران في عهد روحاني لم تتراجع خطوة واحدة عما كان عليه موقفها دائماً وهو انتزاع حقها في تخصيب اليورانيوم بنسبة لا تزيد على 5 في المئة داخل أراضي إيران. أما الذي كان يرفض ذلك رفضاً قاطعاً وعزز رفضه بعقوبات قاسية متسلسلة فكان أمريكا والغرب. 

لعل التفسير الأقوى، والأرجح، في تراجع أمريكا وأوروبا وقبولهما بالحد الأدنى للتخصيب الذي طالبت به إيران دائماً، هو إعطاء فرصة نجاح كبرى للرئيس الشيخ حسن روحاني. مما يعزز موقفه داخلياً، ومن خلاله، تعزيز موقف الإصلاحيين، كما تراهن أمريكا وأوروبا. 
هذا الرهان إذا أصاب مراميه البعيدة يكون قد ضرب إسفيناً خطراً في الداخل الإيراني. ولكنه رهان مبني على تقدير موقف خاطئ للواقع الإيراني ومعادلاته الداخلية، بما في ذلك غلبة الخطأ في تقدير الموقف بالنسبة إلى روحاني نفسه وإلى أي مدى يمكن أن يكون تميّزه في الإطار السياسي الداخلي والخارجي عن الخط العام.  

يبدو أن الدولة الكبرى حين تأخذ في التراجع وتفقد مكانتها الآمرة الناهية في ميزان القوى تفقد قياداتها، ومراكز أبحاثها، القدرة على التقدير الصحيح للموقف، وتصبح أكثر عرضة للتخبط في رهاناتها وتقلب سياساتها وأحياناً التناقض في وضع إحدى القدمين هنا والأخرى هناك.

ومع ذلك إن إنجاز تفاهم أمريكي – إيراني في الإتفاق الأولي الراهن لا يعني تلقائياً أنه سائر في هذا الاتجاه، لا على المستوى النووي الإيراني إلى الاتفاق الشامل حوله، ولا على مستوى القضايا الأخرى. فكل المعادلات في حالة تغيّر، وقابلة لأكثر من غلبة احتمال، وليس لها حتى الآن من مسار "ثابت الخطوة يمشي ملكاً".