كتاب عربي 21

حرب الكلمات الكونية على الدولة الإسلامية

1300x600
هل بقي من أحد في هذا العالم المتخم بالعدالة والانصاف، لم يشجب سلوك تنظيم الدولة "الإسلامية" العنيف، وتكتيكاته القتالية المرعبة، أولستم من أنصار "حق التدخل الإنساني"، بادروا  إذن بالانضمام إلى نادي الكلمات الجوفاء، علّ الدولة تزول وتختفي، لكن تنظيم "داعش" لا يحفل بفاشية الحشود الرثة، ويفضح الموت بالفرجة، لعلكم تتساءلون، هل طرائق قتل الأسد لمئات آلاف السوريين من السنة وغيرهم قليل رحيمة، أم أن ضحايا المالكي ومليشيات قاسم سليماني الشيعية من السنة يستحقون القتل بأثر رجعي لتصحيح مسار التاريخ في انتظار مهدي آخر الزمان، وهل قتلى السيسي من  المصريين السنة من السنن المستحبة، أم أن قتلى الولايات المتحدة من السنة في طول العالم وعرضه، أضرار جانبية ضرورية لحلول العصر العولمي السعيد، وضمان استقرار عالم الأخيار المصطفين في الديانة النيوليبرالية الجديدة.

 لا يزال تنظيم الدولة الإسلامية يدهشني في إدارة التوحش، وكيف تمكن من توحيد العالم المنقسم إيديولوجيا وسياسيا وثقافيا ودينيا، قبل الحرب العالمية الباردة وبعدها، وقبل الحرب الإقليمية الباردة وما بعدها، كيف جمع محور الممانعة ومحور الاعتدال سياسيا، والسنة والشيعة مذهبيا والإيديولوجية والبرامجية مصلحيا، هل ترياق "الإرهاب" هو السر والسحر في الديانة ما بعد الحداثية.

أخيرا أنهى حلف شمال الأطلسي أعمال قمته في نيوبورت بمقاطعة ويلز البريطانية بالمملكة المتحدة وسط إجراءات أمنية مشددة، (لعله كان يخشى من وحوش البغدادي)، فقد كان الموضوع الأهم على جدول أعمال "الناتو" في اجتماعه الاستثنائي، هو البحث في سبل مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، ووضع استراتيجية للقضاء عليه عبر بناء تحالف دولي إقليمي محلي، ولكن السؤال الذي يمتلك الإجابة عليه سدنة نظرية المؤامرة وحدهم، ألم يتبادل الجمع الكوني الاتهامات بكون التنظيم صنيعة لأحد المجتمعين أو حتى الغائبين، أليس هو منتج إمبريالي أمريكي، أو لعله صهيوني إسرائيلي، أم أنه صناعة إيرانية فارسية مجوسية شيعية، وقد يكون لعبة أسدية سورية، أم أنه أداة خليجية وهابية، لماذا الاجتماع إذن فليأمروا الكفيل بسحب الكفالة وكفى الله شر القتال.  

يجب أن لا نغضب من أنصار نظرية المؤامرة في العالم العربي، فهم ضحايا الأجهزة الإيديولوجية للدولة الـ "ما بعد- كولونيالية الناعمة"، فضلا عن أجهزتها القمعية الصلبة، فعلى مدى عقود من البؤس والشقاء عملت آلة الدعاية عملها بأن "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، وأن القوة الأمريكية كحليفتها الصهيونية لا يمكن قهرها، إذ يقع ذلك في باب "المستحيلات" من مسائل الإلهيات، ضمن مبحث القدرات، وعقب أكثر من ثلاث سنوات من بداية الثورات، وإفسادها بالانقلابات والتخريب والعسكرة والتجويع والافقار والفساد والافساد، ترسخت لدى ضجايا نظرية المؤامرة مفاهيم العجز والعطالة عن الفعل، فما حدث كان مؤامرة وثورات ملونة هدفها تخليصه من عبوديته القهرية وإسترقاقه عبر آليات العبودية الطوعية، وحرمانه من ديانة الاستقرار الكونية الأمريكية.

لا يستطيع ضحايا نظرية المؤامرة تصديق أن الولايات المتحدة الأمريكية يمكن أن تهزم، فما حدث في فيتنام والعراق وأفغانستان من هزائم مذلة، من عالم "اللا مفكر فيه"، بل من عالم "المستحيل التفكير به"، إذ صفات الإله الذاتية والفعلية كالعلم والقدرة حاضرة ومجسدة في "العم سام"، وما حدث من ثورات في العالم العربي لم يكن غائبا عن علمها وقدرتها بل تحت إشرافها وإدارتها لتحقيق هدفها البعيد وهو تقسيم وإضعاف العالمين العربي والإسلامي.

ضحايا نظرية المؤامرة غير قادرين على تفهم فشل مباحثات قمة حلف شمال الاطلسي، وفضها دون الإعلان عن خطة واضحة لمواجهة تهديد الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وعدم امتلاك الولايات المتحدة استراتيجية للقضاء على التنظيم، بل مجرد إدارة واحتواء، من خلال الضربات الجوية ودعم وتسليح حلفائها الموثوقين، ويفسرون ذلك باعتباره أحد أجزاء المؤامرة، إذ أفاد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي شارك في قمة الناتو بأن الخطوط الحمراء للحلف تقول بأن لا يرسلوا جنودا إلى الجبهة لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، لكنه أعلن أنهم شكلوا تحالفا يتكون من 10 دول، ويتألف من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا والدنمارك وكندا والنمسا، وتركيا، ويعتمد على جيوش دول المنطقة، وأموالهم السخية. 

ويبدو أن الاستراتيجية  الكونية سوف تقضي على تنظيم الدولة الإسلامية بالكلمات والدعايات، أخذا بنصيحة أوجين هاداموفسكي أحد منظري الحزب النازي، الذي عزا سبب هزيمة الجيش الإمبراطوري وأسرارها بالبروباغاندا بالدرحة الأولى فالشعب الألماني: "لم يخسر في ساحة المعركة، وإنما هزم في معركة الكلمات"،  وبهذا توعد الرئيس الامريكي باراك أوباما في مؤتمر صحفي في ختام القمة بالحاق الهزيمة بهذا التنظيم الإرهابي قائلا: سنهزم داعش مثلما هزمنا تنظيم القاعدة، لكن أوباما يدعو سدنة نظرية المؤامرة للصبر، فهو يضيف: إن الأمر لن يحصل بين عشية وضحاها الا أننا نتقدم في الاتجاه الصحيح فسنضعف التنظيم، وفي النهاية سنهزمه موضحا أن هناك اجماعا على أن التنظيم الإرهابي خطر داهم وتهديد على المدى الطويل.‏

لا أحد يود التصديق بأن الولايات المتحدة لا تتوافر على استراتيجية ناجزة للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، وإنما إدارة واحتواء بالاعتماد على مزيد من الضربات الجوية، والمساعدات عسكرية للحلفاء المحليين على الأرض، لكن الحلفاء في المنطقة يتقلصون ويكتفون بالكلمات، ولديهم أجندة مغايرة للمصالح الأمريكية، فالقوى الإقليمية تدرك تردد الولايات المتحدة وارتباكها، فإيران بعثت رسالتها من خلال رقصات قاسم سليماني في العراق، وتركيا أردوغان لم تصب بعد بالزهايمر والثورة المضادة على قدم وساق، أما السعودية فالمال لم يعد كافيا لأشباع النهم الأمريكي، أما البقية الباقية فلديها ما يشغلها لسنوات، إذن الاعتماد على بيشمركة الأكراد ومليشيات الشيعة في العراق، يفي بالغرض لإدارة الاحتواء، فالولايات المتحدة لديها حاليا غرفتان للعمليات والقيادة في بغداد وأربيل لتنسيق الموقف العسكري ضد تنظيم الدولة، أما على الجانب السوري فإن مطالبة نظام الممانعة والمقاومة للتعاون مع الإمبريالية، ضد فاشية داعش الإرهابوية تبدو سوريالية، أما رجاء قوى الائتلاف السوري الثوري فلم يفلح مع الأصدقاء الأمريكان، فالعم سام لم يعثر على معارضة مسلحة معتدلة موثوقة، أما جماعة الإخوان فأمينة لمبدأ المساواة الليبرالي وطالبت بضرب داعش والأسد.  

لماذا لا يريد أحد أن يصدق الرئيس أوباما رغم تكراره للقول أنه لا يوجد حل عسكري في العراق أو سوريا، وأنه من الصعب تصوّر قيام حل سياسي قابل للاستمرار دون حدوث تحسن في الوضع العسكري، أوباما أخرج القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان على طريق الخروج، ولا يرغب في العودة إليهما، تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر اليوم على مساحات شاسعة من الأراضي في مختلف أنحاء العراق وسوريا، ولديه حاضنة شعبية كفرت بتجربة الصحوات وجدوى العملية السياسية، مع وجود فتاوى الوجوب الكفائي وفرق الموت ومليشيات الشيعة الطائفية والحرس الثوري الإيراني، وأفغانستان على موعد مع عودة حركة طالبان وحاضنتها الشعبية الإسلامية وقوميتها البشتونية بالانتظار.

خلاصة الأمر أن سدنة نظرية المؤامرة لا يرغبون في قراءة كلمات زارا نيتشة، الذي أعلن "موت الإله" الأمريكي، ولم يدركوا بعد أن آلة الدولة السلطوية في العقول، ولا رغبة لديها باختبار بأس جنودها أمام "وحوش" دولة البغدادي، وتبدوا خشيتها في محلها فجنودها لم يخوضوا حروبا إلا على شعوبهم العراة السلميين البائسين، ولا يتقنون سوى الرقص فوق الجثث العارية، أما جنود البغدادي فقد فضحو أسس الفلسفة بقهر الموت، ألم تقم الفلسفة اليونانية برمتها على أساس تعلم الموت أو التدرب على مواجهته، ألم يجهر سقراط في يومــه الأخيــر بــأن "الفلاسفة الحقيقيين يجعلون الموت مهنة لهم"، أولم يقل جاك دريدا في أيامه الأخيرة: "كل كتاباتي عن الموت، فإذا لم أصل إلى المكان الذي أستطيع فيه أن أتصالح مع الموت سأكون قد فشلت، وإذا كان لي هدف واحد، فهو أن أتقبل الموت والاحتضار"، إذن تموت الاستراتيجيات كافة أمام الموت فانتبهوا وابدأوا البحث عن أسباب تمرد البشر، ولا تنسوا أن لا سلام بدون عدالة.