قضايا وآراء

التطبيع وإعادة تشكيل الوعي العربي

1300x600
لم نكُن نتوقع في يوم من الأيام أن يصل الحال بنا لهذا الحد من الانهيار الأخلاقي، والتبعية المُهينة، والاستهتار بمشاعر الجماهير العريضة العاشقة لفلسطين من قبل أُولئك المُراهقين اللاهثين وراء التطبيع مع الكيان الذي يغتصب أرضنا، وينتهك حُرماتنا، ويُدنس مُقدساتنا ليلا ونهارا.

حالة عربية من الهوان والضعف لم نشهد لها مثيلا مُنذ نكبة 1948، لقد بِتنا على أعتاب مرحلة جديدة تحمل في طياتِها مفاهيم ومُصطلحات كُنّا لا نعترف ولا نُؤمن بها من قبل.

القضية الفلسطينية لم تكن يوما عالة على أحد بل مصدر فخر واعتزاز وصورة زاهية رسمها الفلسطيني بنضاله وصموده وتضحياته، في سبيل الدفاع عن وطنه، وعن قدسه وأقصاه الذي هو وقف عربي وإسلامي وآية من كتاب الله.

وقف الفلسطيني في كل محطات نضاله درعا واقيا وسدا منيعا في وجه السرطان الصهيوني، الذي يسعى للتمدد والتوسع والسيطرة ليس على فلسطين فقط، وإنما على الجسد العربي بأكمله، العرب كانوا دوما حاميا ومساندا لمشروع التحرير وحضنا دافئا لإخوتهم وأبناء دينهم وعروبتهم وهذا واجبا وليس مِنة من أحد لأننا نواجه مشروعا استعماريا نيابة عنهم جميعا.

ولكن ما الذي تغير ليُستقبل القاتل والغاصب في عواصمنا العربية؟ انحدار غير طبيعي وغير مُبرر في الخطاب الإعلامي الذي أصبح يتقبل العدو ويتباهى بالعلاقة والتواصل معه في العلن والسر دون خجل، عدونا يستفرد بنا ويمارس ضدنا كل أشكال العنصرية والغطرسة والقرصنة ويُهدد وجودنا ويحاول اقتلاعنا من أرضنا بكل أساليبه القذرة وضغوطه المفضوحة بينما إخواننا العرب يتحدثون عن حق هذا الكيان في الوجود ويتمتعون بسماع نشيده النشاز في محافلهم النتنة.

على الشعوب العربية التي نراهن عليها الكثير أن تلفظ كل الأصوات الناعقة التي تعبر عن أصحابها فقط، والتي تطل علينا عبر الشاشات المشوهة تتحدث عن التطبيع والسلام الافتراضي الذي لا يؤمن به عدونا.

الشعب العربي بكل مكوناته وأطيافه وألوانه السياسية يؤمن إيمانا قاطعا لا شك فيه بمركزية قضيتنا وعدالتها وأنه لا مساومة أو تهاون في حق الشعب الفلسطيني في نيل حريته وإقامة دولته المستقلة وخلاصه من الاحتلال الذي يجثم على أرضه.

الاحتلال بدأ وعبر بعض المثقفين والكتاب المرتزقة ببث ونشر ثقافة دخيلة ومصطلحات غريبة على مجتمعاتنا العربية، يتسابقون في الحديث عن الحوار والتسامح وحق الجيرة وتقبل العدو كأمر واقع لا يمكن تجاوزه وهنا تكمن الخطورة والمؤامرة الكبرى، لأن تسويق مشاريعهم التوسعية يتطلب أرضية خصبة من الشعوب التي مطلوب منها أن ترضخ وتستسلم وتساند قادتها المُطبعين، وتكون النتيجة ضياع القضية الفلسطينية والقبول بأي صفقة قادمة وما فيها من ظلم وتعد وانتهاك لحقوق الشعب الفلسطيني وتسويات تُشرع الاحتلال وتُقدم له الأفضلية في كل القضايا المطروحة وتغلق هذا الملف الذي أزعجهم وأخر نهضتهم، كما يدّعي بعضهم، ومن ثم فتح ملف التطبيع الكامل وإقامة العلاقات الرسمية.

لكن ومع كل هذا المكر والتآمر لن يفلحوا، وستفشل كل مُخططاتهم، فالشعب الفلسطيني ومن ورائه كل الشعوب العربية الحية وملايين القلوب التي لا زالت تنبض بِحُب فلسطين ستكون لهم بالمرصاد والعِبرة في الخواتيم.