مقالات مختارة

الحكومة العراقية.. اختناق سياسي دائم

1300x600

عندما أعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر قبل أسابيع، اتفاقه مع زعيم كتلة "البناء" في البرلمان هادي العامري على إنهاء الاختناق السياسي حول مرشح رئاسة الحكومة بالاتفاق على اسم عادل عبد المهدي، كان ثمة ارتياح عام إلى أن انتكاسة كبرى لن تحدث على خلفية الصراع المستميت حول تعريف "الكتلة الأكبر".

لكن الاتفاق المذكور لم يكن أكثر من مبادرة فردية لم تكن تنقصها النيات الحسنة، بقدر الآليات السياسية، والثانية أكثر خطورة، ولهذا سرعان ما عاد الصراع إلى نقطة الصفر، على أسماء الوزراء وخلفياتهم، وعلى آليات عمل الحكومة وترتيباتها.

والصورة التي ظهرت في خضم هذا الصراع، تكشف أن خللاً جوهرياً أصاب آليات تشكيل الحكومة على قاعدة غامضة وغير واضحة لاتفاق الصدر - العامري، فالقوى التي تصدرها الصدر، دافعت عن تمكين رئيس الوزراء نفسه من اختيار وزرائه، وفعل عبد المهدي ذلك بحصة قوى مثل "سائرون" و"الحكمة" و"النصر" و"الوطنية" وجميعها ضمن كتلة "الإصلاح"، فيما تمسكت كتلة "البناء" التي ضمت بالإضافة إلى "الفتح" قوى سنية مثل "المحور" وكردية مثل "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بترشيح ممثلين عنها للوزارات وكان لها ذلك. وهنا تحديداً، وبغياب القاعدة الواضحة لتشكيل الحكومة منذ تجاوز الإعلان عن "الكتلة الأكبر" ومن ثم تضارب المعايير لاختيار الوزراء، بان يكونوا مستقلين أم حزبيين، تكنوقراط أم سياسيين، يختارهم ويتحمل مسؤوليتهم رئيس الحكومة أم تتحمل مسؤوليتهم الأحزاب التي رشحتهم، سقطت حكومة عبد المهدي في دوامة التأويل والصراع غير محدد الدوافع والأطراف حتى قبل أن تبدأ أعمالها.

الأزمة الكبرى لا تتعلق بالحكومة بحد ذاتها، ولا الصراع الذي من المتوقع أن يندلع في اليوم التالي لإنهاء تشكيلها، بعد تفكك التحالفات غير الواضحة التي قادت إليها، بل لأن الحرب السياسية المتوقعة بين كل القوى مع بعضها وداخلها ومع الحكومة ودفاعاً عنها، ستنعكس سريعاً على الشارع الملتهب وغير الواثق من أن تلك الأحزاب السياسية التي اطلعت على مخاطر انفلات الجمهور، قد فهمت بشكل حقيقي الرسائل التي وجهتها الاحتجاجات الشعبية، التي من المفترض أنها ساهمت بشكل وآخر في رسم ملامح الحكومة الحالية.

اللعبة التي ستنخرط فيها القوى السياسية المدركة لضعفها وتفككها أكثر خطورة مما سبقها، حيث ستحاول إشراك الشارع في الصراع السياسي بديلاً عن محاولة تجنب الاحتجاجات، وهذا الخيار لو نفذ فعلاً، على ما تكشف المؤشرات اليوم والطريقة التي تم اختيارها لإدارة العملية السياسية، فانه سيكون خطيراً بحسب أكثر القراءات تفاؤلاً، وقد نجد قريباً، ومع أول فشل متوقع في توفير الخدمات، أو مواجهة أزمة الانهيار في أسعار النفط، نزول القوى السياسية إلى الشارع لمحاولة اقتسامه، وتسييره، واستخدامه في فوضى عارمة ومميتة، سيكون بديلها الوحيد إجبار الشعب العراقي على القبول بالحمى الدائمة.

ألا يتبنى أحد حكومة عبد المهدي، سيعني أولا أن البرلمان العراقي سيكون مشهداً درامياً لمعارضين لا يعرفون على من يعترضون، وبماذا يطالبون، وسيعني ثانياً أن المشهد الشعبي سيكون نسخة مقحمة عن الصورة البرلمانية الشاذة، وهو الخيار الأكثر أمنا الذي اختارته الأحزاب العراقية لحماية نفسها عبر تقاسم الشارع بديلاً عن الاستجابة لمطالبه.

الحل الوحيد الممكن لدى الحكماء أو ما تبقى منهم، هو فصل الجبهات اليوم وليس في أي وقت آخر، وتكوين جبهة معارضة صريحة ومعلنة وواضحة المعالم والأطراف والأسماء وغير مشاركة في الحكومة بأي شكل من الأشكال، في مقابل جبهة حكومية معلنة وواضحة بدورها، والبديل المستحيل لذلك أن تقوم القوى السياسية مجتمعة التي اتفقت على تشكيل الحكومة الحالية بتأسيس ائتلاف حكومي واسع وواحد لدعمها.

كتلتا "الإصلاح" و"البناء" كان يمكن أن تكونا بداية شفاء للعملية السياسية المريضة، لو كانتا التزمتا بناء قاعدة الاختلاف السياسي الصحية التي تعبر هذه المرة اعتبارات المذهب والقومية، إلى المسارات والخيارات الخاصة بالدولة واستعادتها، لكنهما لم تفعلا ذلك، واختارتا الطريق المحفوف بالمخاطر الذي نسير فيه اليوم.

عن صحيفة الحياة اللندنية