قضايا وآراء

الديمقراطية الإسلامية: الواجب المُلحّ

1300x600
يبدو الصراع الذي أججته الدعوة إلى تجاوز النص القرآني المحكم الخاص بالإرث؛ كمرآة انعكست على سطحها الشروخ العميقة التي أحدثها أكثر من قرن من الإلحاق الثقافي للمجتمع التونسي خلال فترتي الاستعمار والدكتاتورية.

وبقطع النظر عن الحسابات السياسية الظرفية والضغوط الأوروبية الرامية إلى تسريع عملية الإلحاق والهضم، فإن هذه الدعوة كشفت من جديد منسوب الاحتقار الذي تكنه النخب المتغربة للشعب ولمقدساته، وحقدها الأسود على كل من يحمل لواءه، ويدافع عنه. وقد بلغ الأمر ببعضها إلى الدعوة علنا لطرد من يعارض مزاعمها من تونس.

كما أن هذه الدعوة كانت مناسبة لارتهان المسار الديمقراطي والدولة المدنية بالموافقة الكاملة على شروط الكفيل الأوروبي بالمساواة في الإرث، وبرفع التجريم القانوني عن فاحشة قوم لوط، في انتظار سلخ المجتمع التونسي تماما عن دينه وتاريخه. والعجب، كل العجب، أن يحدث ذلك في بلد شهد ثورة عارمة كان عنوانها الكرامة والحرية.
  
لقد بات من الضروري، بل من الحيوي تخليص آلية الديمقراطية من أوهام ومزاعم "الانسلاخسلاميين"، ومن شروط الاتحاد الأوروبي والغرب عموما، وذلك عبر بلورة وتحرير فكرة "الديمقراطية الإسلامية" نظريا من جهة، ومن جهة أخرى نشوء كيان اجتماعي ينشر هذه الفكرة ويقارع بها الذين يريدون حشر شعوبنا بين "خياري" الانسلاخ والتفسخ القيمي، أو الخضوع مجددا للدكتاتورية ولحكم العصابات.

فالديمقراطية ليست إلا آلية للممارسة السياسية السلمية، غايتها تنظيم عملية تسلم مقاليد السلطة، ومنع الاستبداد بها، ومراقبتها، وتأمين التداول عليها.

وهي آلية أمكن استعمالها في بيئات حضارية وثقافية متعددة، لأنها تفرض على جميع الأطراف احترام أرضية مشتركة قامة على المعايير والقيم السادة في المجتمع والتي تحفظ له تماسكه ووحدته وسلامه الأهلي. فالديمقراطية في أوروبا لا شأن لها بتجريم الاقترلب من محرقة اليهود ومن تابوهات "الحقيقة المطلقة" المفروضة حول الهولوكوست مثلا، كنا أن الديموقراطية الهندية، الحائزة على لقب أكبر ديموقراطيات الدنيا لا تستنكف من إضفاء القداسة والاحترام البالغ لجنس البقر، تساوقا مع معتقدات الأغلبية، وتسن القوانين الحامية لهذا الصنف من الأنعام.

أما الديموقراطيات الغربية فهي لا تشعر بأي نوع من الحرج ولا بالتناقض حين تقوم بإصدار تشريعات معادية لحقوق الإنسان، تشرع لتدخل البوليس في ملابس النساء وتمارس عنفا وقهرا على الفتيات في مراحل الدراسة بسبب زيهن...
 
ليس أكثر وضوحا في شان العلاقة بين الديموقراطية والانماط المجتمعية من القول أن  المعايير والقيم الحاكمة للمجتمع، التي تشكل لحمته وسداه، وروح قوانينه وتشريعاته، والموجّه لسلوكه الداخلي والخارجي هي شأن لا دخل فيه للديمقراطية، إلا من حيث أنها آلية تسمح بالحوار محل التنافي والتدابر.

فلا مجال إذن للقبول بربط هذه الآلية الديموقراطية بالنموذج الاستعماري الغربي، فالديمقراطيات الغربية كانت ولا تزال المسؤولة الأولى عن أفظع الجرائم ضد الشعوب، سواء مباشرة أو عبر الدكتاتوريات الدموية التي تدعمها. كما أنها كانت من أبرز أعداء محاولات التغيير الديموقراطي في بلداننا، وسعت "بكل حزم" لتدميرها، وتأبيد حكم الدكتاتوريات والمافيات الموالية والتابعة، وذلك قبل الثورات العربية وبعدها، لضمان تواصل علاقات التبعية ونهب الثروات الوطنية لشعوبنا.

وفي المقابل، تقوم الديمقراطية الاسلامية على احترام ثوابت الدين والنسيج القيمي المستقر في عقل ووجدان المجتمع، والتوافق التام على احترامه، وإخراجه من دائرة التدافع السياسي، دون الوصول بذلك إلى درجة تابوهات الديمقراطيات الغربية التي تمنع مجرد تناول محرقة اليهود بالنقاش مثلا.

لقد حان الوقت كي تخرج الديمقراطية الاسلامية إلى حيز الوجود الفعلي عبر كيان مدني غايته تحصين المجتمع وحماية العقول من المحاولات المستمرة للاختراق وتزييف الوعي وتأبيد التبعية والإلحاق.
الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع