قضايا وآراء

المتدينون في الجيش الإسرائيلي إلى أين؟!

1300x600
جاء الإعلان عن تعيين مئير بن شبات رئيسا جديدا لمجلس الأمن القومي، ليسلط الضوء على التعيينات في المناصب العليا في الجيش الإسرائيلي. هذه المرة لن يكون التركيز على اختيار مئير بن شبات لكونه كان مسؤولا عن ملف حماس في جهاز الشباك، بالرغم من أن هذا السبب يحتاج إلى تمحيص، لكن الاهتمام هنا في هذا المقال سيركز على هذا الاختيار من زاوية التوجهات الدينية، والتي لها انعكاسات سياسية خاصة في المجتمع الإسرائيلي. فطبيعة التيار الديني الصهيوني في المجتمع الإسرائيلي هو التشدد السياسي.

صعود شخصية دينية إلى موقع أمني يجعل من الضرورة بمكان الاهتمام بهذا التعيين لمعرفة طبيعة التداعيات السياسية لهذا الاختيار، في ظل التزايد الملحوظ في الحضور الواسع من الرتب العسكرية العليا في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، والذي لا يمكن التغافل عنه. فمن نائب رئيس الأركان يائير غولان، ورئيس الموساد يوسي كوهين، إلى رئيس الشاباك نداف أرغمان، ومدير عام الشرطة روني الشيخ.. كلهم متدينون ويلبسون القبعة السوداء كمؤشر على تدينهم وانتمائهم لتوجه ديني صهيوني، والذي يتبنى أطروحات سياسية يمينية متطرفة.

عند الغوص في أعماق المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن معدلات حضور الضباط المتدينين الصهيونيين آخذ بالزيادة وبشكل كبير خاصة في الوحدات القتالية، الأمر الذي يفتح لهم الطريق لتقلد أعلى المناصب في الجيش في المراحل اللاحقة. وبحسب المعطيات أيضا، فإن نصف عدد أفراد القوات المظلية هم من المتدينين، لذلك فإن هذا الحضور للعناصر المتدينة في المؤسسة العسكرية بات أمرا لافتا؛ نظرا لأن هذا الحضور الكبير لا يتناسب مع نسبة حضورهم في المجتمع الإسرائيلي، بالرغم من أن نسبة المتدينين في المجتمع الإسرائيلي آخذة بالزيادة، ومن المتوقع أن تصل خلال العقدين القادمين إلى حوالي 22 في المئة من سكان إسرائيل. فإن هذا التغير في بنية المجتمع الإسرائيلي يبعث على التساؤل؟

المؤسسة الرسمية الإسرائيلية والتي تدعي أنها علمانية هي التي تذكي هذه الروح الدينية في المجتمع الإسرائيلي، من خلال الدعم الذي توفره للمؤسسات التعليمية الدينية للأجيال، مما أدى إلى حدوث تغير في بنية المجتمع الإسرائيلي على مدى السنوات الماضية. وبحسب المعطيات من وزارة التعليم الإسرائيلية منذ عام 2012، فإنه في الوزراء جدعون سعر وشاي فيرون ونفتلي بنيت؛ عملوا على زيادة الدعم للمدارس الدينية اليهودية في جميع المراحل خاصة الثانوية وبصورة كبيرة. فقد وصل حجم إنفاق الحكومة على الطالب في المدارس الدينية الثانوية اليهودية "للمتدينين الصهيونيين"؛ مبلغ 33 ألف شيكل، أي ما يزيد عن 9000 دولار للطالب الواحد سنويا، مقابل 27 ألف شيكل للطلاب في المدارس الحكومية الرسمية. هذا التحيز لهذه الفئة في المجتمع الإسرائيلي في مراحل التعليم المختلفة أدى إلى تبلور شخصية الطالب الإسرائيلي اليهودي كشخص أكثر يهودية وأكثر تدينا، مما ساهم بحضور خريجي هذه المدارس للخدمة في الجيش الإسرائيلي في الوحدات القتالية بسبب التعبئة الدينية. أما المتفوقون دراسيا فيذهبون إلى العمل في وحدات التكنولوجيا، مثل الوحدة 8200 خاصة، ووحدات السايبر التابعة لجهاز الاستخبارات العسكرية "أمان"، مما يعطيهم قدرا أكبر من العمل في مجال التكنولوجيا بعد الانتهاء من الخدمة العسكرية، مما يساهم بشكل كبير في رفع مستواهم المعيشي مقارنة مع باقي فئات المجتمع الإسرائيلي، وبالتالي يترجم هذا إلى تعاظم قوتهم السياسية في المجتمع الإسرائيلي.

وبنظرة إلى المعطيات حول الإقبال على الخدمة العسكرية في الوحدات القتالية، فهناك تراجع واضح في إقبال الشبان اليهود على الانضمام إلى هذه الوحدات وبحسب بيانات تموز/ يوليو 2010 كانت النسبة 80 في المئة، لكنها تراجعت إلى 67 في المئة في تموز/ يوليو 2017. ومع ملاحظة تزايد نسبة اليهود المتدينين في الوحدات القتالية كما أشرنا سابقا، يتضح أن التراجع يحدث في قطاعات المجتمع اليهودي العلماني غير المتدين لصالح الجماعات الدينية، مما يشير إلى أننا في طريقنا إلى الوصول إلى جيش إسرائيلي من المتدينين الصهيونيين، سواء على مستوى القيادة أو الأفراد. في ظل المعطيات الحالية، فإننا لسنا بعيدين عن أن يأتي اليوم الذي تتشكل فيه القيادة العسكرية الإسرائيلية بأكثريتها، إن لم يكن بكاملها، من جنرالات متدينين متعصبين للأفكار الصهيونية لتحقيق حلم دولة إسرائيل الكاملة.

هذه المعطيات تطرح تساؤلات خطيرة حول مستقبل المنطقة في ظل قيادة عسكرية إسرائيلية من هذا الطراز، وأين ستكون مسيرة السلام والحلول السلمية، وهل سيكون الرد على هذه التوجهات المتطرفة في المجتمع والدولة الإسرائيلية بالدعوة لتحويل الدول العربية إلى دول علمانية في وجه هذا التحدي الديني القادم.