مقالات مختارة

بانتظار عودة الجزائر إلى دائرة الفعل العربي

عبد الحميد صيام
1300x600
1300x600

طال غياب الجزائر المشغولة بترتيب بيتها الداخلي. دخلت الجزائر منذ العشرية السوداء مرحلة الغياب والابتعاد عن التفاعل المؤثر في القضايا العربية. لقد جربت الأنظمة العربية كثيرا، وأصيبت بخيبة كبرى، سواء في حرب حزيران/يونيو عندما أرسلت وحداتها المقاتلة، وانتهت الحرب قبل أن تصل قواتها الميدان، لكن بومدين أبقى قوات اللواء الثالث في منطقة القناة، حتى 1969 للمشاركة في حرب الاستنزاف. كما أرسلت الجزائر قواتها البرية وثلاثة أسراب من طائرات الميغ للقتال في حرب أكتوبر1973، وبعد انتهاء الحرب طلب منها أن تعود، ثم أصيبت بخيبة ثالثة عند تشكيل جبهة الصمود والتصدي عام 1977، بعد انحراف الرئيس أنور السادات وخروجه على الإجماع العربي، لكنها تحولت بسرعة إلى جبهة الجمود والتصدع بسبب تنافس حافظ الأسد وصدام حسين.


بعد غياب الرئيس العروبي، وأحد قادة حرب التحرير الجزائرية، هواري بومدين، في ظروف غامضة لم تتكشف كليا لغاية الآن، تراجع دور الجزائر في الشؤون العربية، باستثناء القضية الفلسطينية، التي ظلت موضوعا فوق الخلافات، ولا يتغير التأييد لها بتغير الرؤساء والحكومات. بعد بومدين جاء طاقم من الرؤساء أساء للجزائر ودورها القيادي، وأدى إلى قيام انتفاضات جماهيرية كبرى مثل، ثورة الخبز وانتفاضة القبائل. انتشرت في الثمانينيات التيارات الدينية المتطرفة، تأثرا بثورة الخميني وعودة المقاتلين من أفغانستان، وقيام دول البئر النفطية، بدعم تلك التيارات بناء على تعليمات أمريكية، ليدخلوا الجزائر في حرب أهلية لعشر سنوات حصدت مئات الألوف.


انتخب الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة عام 1999، وطرح فكرة المصالحة الوطنية، ما أدى إلى ذوبان التيارات الإسلامية المتطرفة، وعودة البلاد إلى حالة شبه طبيعية، إلا أن ثلاث ظواهر تركت ظلها في البلاد أولها، انتشار الفساد بشكل غير مسبوق لدى الطبقة النافذة من ضباط ورجال مخابرات ورجال أعمال مرتبطين بالمجموعتين السابقتين. والظاهرة الثانية، انكفاء الجزائر على ذاتها وابتعادها عن التدخل في القضايا العربية، والنأي بنفسها عن التجاذبات الإقليمية، سواء في الحرب العراقية الإيرانية، أو حروب الولايات المتحدة الأولى والثانية على العراق وغيرها. والظاهرة الثالثة، تقبل الشعب الجزائري الاستقرار على الانفتاح الديمقراطي. تحمل الجزائريون كثيرا ولم يكترثوا بهبات الربيع العربي، بل فضلوا ألا ينجروا وراء تلك الموجة من الاحتجاجات الشعبية، التي ترتكز على مخزون كبير من ظلم الأنظمة وفسادها، ومحاولات التوريث والانصياع للإملاءات الأمريكية الإسرائيلية.


تفكيك النظام لا تجميله


كان إعلان ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يوم 10 شباط/فبراير 2019 لدورة رئاسية خامسة، القشة التي قصمت ظهر البعير، والشرارة التي أطلقت الحركة الاحتجاجية العارمة ابتداء من يوم 22 من الشهر نفسه. تدفقت الملايين في مسيرات عظيمة، منظمة سلمية حضارية، للمطالبة بتفكيك النظام وتأسيس نظام ديمقراطي مدني حقيقي. وما كان خيار أمام الجيش، الحاكم الفعلي للبلاد، إلا أن ينحني أمام قوة الجماهير الهادرة، فأزاح بوتفليقة يوم 2 نيسان/إبريل، وقام بعدد من الإجراءات المنقوصة أو الإصلاحات الشكلية التي لم تقنع الحراك الجماهيري. لقد أفضت سنوات بوتفليقة العشرين إلى حكم سلطوي فاسد غنائمي، أدى إلى تصدّع حقيقي للعقد الاجتماعي، وما عاد الشعب الجزائري قابلا بإصلاحات شكلية أو تغيير بعض الوجوه في القمة، وإبقاء النظام على طبيعته.


حاول نائب الرئيس ورئيس هيئة أركان الجيش المرحوم أحمد قايد صالح، تعيين رئيس يؤمّن واجهة مَدنية للجيش، بغية المحافظة على النظام نفسه. لكن الحراك نجح في إجبار النظام على إلغاء عمليّتين انتخابيتين كان من المخطّط إجراؤهما في إبريل وتموز/يوليو. تمكّن صالح من فرض 12 كانون الأول/ديسمبر، تاريخا جديدا للانتخابات، من دون أخذ رغبة الشعب بعين الاعتبار. وجرت الانتخابات حتى مع اعتراض الملايين من الجزائريين في البلاد وخارجها، وفاز رئيس الوزراء السابق عبد المجيد تبون، أحد المرشّحين الخمسة (كلّهم من النظام السابق) بنسبة 58% من الأصوات، وأصبح الرئيس المنتخب بفضل الحراك الجماهيري. صحيح أن الانتخابات لم تخمد الحراك، ولم تخفف من مطالب المحتجين. لكن تبون أصبح أول مدنيّ يتولى منصب وزير الدفاع، وقائدا أعلى للقوّات المسلحة. وبدأ تبون بعملية إصلاحية وتصفية للقيادات الفاسدة في الجيش والمخابرات والوزراء السابقين، شملت العديد من القادة والضباط الكبار ونحو 30 وزيرا في محاولة من الجيش لإقناع الشعب بأنه في مواجهة مع الفساد لا مع الحراك. الأمور لم تحسم نهائيا والحراك ما زال قائما.


مثلث الشر على الأبواب


اتبعت الجزائر سياسة النأي بالنفس عن الأوضاع العربية المعقدة، كما أسلفنا، وظلت على علاقة عادية أو فاترة مع الأنظمة العربية، لكن هذه السياسة الآن قد ترتد وبالا على الجزائر، لأن هناك مثلث شر على الأبواب لا يريد أن يهادن أي نظام فيه نوع من التمثيل الجماهيري، حتى لو لم يكن كاملا. هذا الثالوث الذي تقوده دولة الإمارات لصالح إسرائيل، يقود مسلسل الثورات المضادة منذ 2011 وتقوم مهماته الموكلة له على أربع: إجهاض كافة التحركات الشعبية الجماهيرية، التطبيع مع إسرائيل، تثبيت حكام طغاة فاسدين، وتهميش القضية الفلسطينية.

وما فتئ هذا الثالوث يزداد ضراوة وعدوانية، إذ إنه مدعوم بشكل مطلق من مراكز صنع القرار الصهيونية. وكما أجهض الثورة المصرية والليبية واليمنية والسورية والبحرينية، توج مرحلة الردة في الثورة السودانية، بارتكاب مجزرة يوم 3 حزيران/يونيو 2019 واستطاع أن يجهض الثورة من نصف الطريق، وأن يعين جنرالا من اختياره، ويدفع ملايين الدولارات لإنهاء الحراك الجماهيري العظيم، ويعيد إنتاج نظام البشير بطبعة منقحة، وقد تثبت الأيام أنها أكثر بشاعة من نظام البشير. وخطوات البرهان وحميدتي نحو التطبيع مع إسرائيل ليست بحاجة إلى إثبات فالوصول إلى قلب واشنطن لا بد من المرور بالبوابة الإسرائيلية.


مثلث الشر هذا يعمل منذ خمس سنوات على تدمير ما تبقى من ليبيا، وفرض قائد عسكري فاشل دموي محاط بمجموعة من مجرمي الحرب، وممول تماما من هذا المحور بالمال والسلاح والمرتزقة والحرب الإعلامية. هذا التيار الرهيب بدأ يزرع القلاقل في تونس، ويحاول بكل ما أوتي من مال وعلاقات أن يزعزع الأمن القومي لشمال أفريقيا كلها، كما أن هذه الثالوث زرع قواعد عسكرية له في إرتيريا والصومال واليمن وشرق ليبيا، ويساهم في بناء قاعدة كبيرة على البحر الأحمر لمصر. مكافحة الإرهاب واحتواء إيران حجته السخيفة، فعلاقات الإمارات مع إيران جيدة ومع نظام بشار الأسد متينة جدا، بل أصبحت الإمارات تمول التدخل الروسي في سوريا وفي ليبيا، كي تبقى كل دول المنطقة محكومة من قبل الطغاة والمستبدين.


من هنا نود أن نحذر الجزائر، البلد العزيز على قلوبنا، وخط الدفاع الأخير عن الأمة، بأن انتصار حفتر في ليبيا سيعني تهديدا لأمن الجزائر القومي، لأن زعزعة أمن واستقرار تونس سيكون أمرا سهلا، وقد بدأت بوادره في تونس بمسلسل الحرائق والاعتصامات، وصرف ملايين الدولارات على فلول بن علي، والثورة المضادة تحت حجة محاربة الإخوان المسلمين. لقد أوكلت إسرائيل مهمة زعزعة الوطن العربي كله لهذا النظام الشرير. وإذا ترك على غاربه سيستفحل ويصل خطره كل بلدة وقرية ومدينة في الوطن العربي بما فيها الجزائر. نتمنى على الجزائر ألا تبقى تدفن رأسها في الرمال تحت سياسة النأي بالنفس، ونتمنى القيام بما يلي وبسرعة:


أولا: القيام بزيارة دولة إلى تونس وتوقيع اتفاقيات تعاون في كل المجالات، خاصة في القطاعين الأمني والعسكري.


ثانيا: دعوة رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج إلى الجزائر، وتوقيع عدد من الاتفاقيات، واعتبار أمن ليبيا من أمن الجزائر، ورفض التدخل العسكري لفرض إرادة خارجية على الشعب الليبي، ونتمنى بكل بساطة أن يستبدل الدور التركي بالجزائري حتى تسد الأفواه، التي تتباكى على التدخل العثماني، بينما لا تنطق بكلمة عن التدخل الإماراتي ـ المصري ـ الروسي ـ الفرنسي- الإسرائيلي.


ثالثا: دعوة إلى قمة طارئة في عاصمة الشهداء بالجزائر، لمناقشة صفقة القرن ومشروع إسرائيل، لضم المستوطنات وغور الأردن واتخاذ موقف حازم من الصفقة ومن عمليات التطبيع المجانية، التي يقودها محور الشر… فإسرائيل لا تحسب لأحد حساب إلا الجزائر، بعد تدمير مصر والعراق وسوريا، لأنها لم تستطع أن تخترقها لغاية الآن.


رابعا: وأخيرا، وهذا أمر سأعود إليه بالتفصيل في مجال آخر، هو إطلاق مبادرة مصالحة مع المغرب، وتطبيع العلاقات بدون أن يكون ذلك على حساب حق تقرير المصير للشعب الصحراوي. فإذا اتفق البلدان وحسنت النوايا ووضع كل شيء على الطاولة لا بد من إيجاد حل للمشكلة المعقدة.
وأعتقد أنني أتكلم باسم ملايين العرب، عندما أتمنى على الجزائر أن تخرج من عزلتها وتلعب هذا الدور الذي يذكرنا بالدور العظيم الذي لعبه بومدين في السبعينيات، ووضع الجزائر على قمة دول العالم الثالث بلا منازع.


(القدس العربي)

1
التعليقات (1)
اسماعيل
الجمعة، 18-12-2020 01:47 م
من هم هؤلاء الملايين من العرب الذين تتكلم باسمهم استاذي الكريم الذين يؤيدون حق تقرير المصير للشعب الصحراوي ، ولا دولة عربية واحدة تعترف بها كدولة و لديها سفارة بإستثناء جزائرك التي تدافع عنها ، و للعلم لست ضد اشقائنا في الجزائر