قضايا وآراء

متى نخرج من عنق الزجاجة؟!

1300x600
منذ حرب أكتوبر، والشعب المصري يقبع في عنق زجاجة ضيقة خانقة، أو هكذا أوهمنا حكامنا المستبدون؛ لإيهامنا بأن موقعنا في عنق الزجاجة لن يستمر طويلا، فما علينا إلا الصبر على القهر والجوع حتى نعبر إلى بر الأمان ونخرج إلى أنهار العسل والمن والسلوى التي تنظرنا خارج الزجاجة عما قريب، وما هي إلا حجج واهية بطبيعة الحال؛ هروبا من المسؤولية، وتبريرا لفشل السلطة الذريع في التعاطي مع مشكلات البلاد الحقيقية. 

وتمر الأيام والأسابيع والشهور والسنوات الطويلة، ولا يحدث شيء ملموس على أرض الواقع، اللهم إلا مزيد من القهر والفقر والمعاناة.

أكثر من أربعة عقود عاشها المصريون -وما زالوا- في وهم الخروج من عنق الزجاجة، ولم يخرجوا بعد، بل والمطلوب منهم الآن أن يعيشوا على هذا الأمل وعلى هذا الوهم سنوات وسنوات، حبا في مصر وتفانيا في الانتماء للوطن العزيز، ومطلوب منهم أيضا أن يُحسنوا الظن بالقيادة السياسية الحكيمة التي تكفيهم عناء التفكير والقلق، فقط عليهم تحمل العناء والألم بنفوس راضية ووجوه ضاحكة، حتى لو أكلوا ورق الشجر جزاء ثقتهم العمياء في الزعيم الملهم، وكله عشان مصر تبقى أد الدنيا!

سمعناها أواخر حكم الرئيس أنور السادات نهاية سبعينيات القرن الماضي، وخلفه حسني مبارك؛ في الطنطنة على النغمة ذاتها، على طريقة "العين بصيرة والأيدي قصيرة"، وحكم بموجبها ثلاثين عاما.

وجاء السيسي ليكمل مشوار بيع الأوهام وتسويق الأحلام، وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، حيث يلعبون على الوتر ذاته الخبيث، بأننا خرجنا من أربع حروب طاحنة (1948- 1956- 1967- 1973)، وسنظل ندفع فاتورة تبعاتها أبد الدهر، وكأننا بدعة من الأمم والشعوب التي بُعثت من جديد من تحت الركام، وصعدت من الحضيض إلى الصعيد بالجهد والعمل والنزاهة والشفافية والعدالة، ولم يمن عليها حكامها الأشاوس بخوض حروب كانوا هم سبب اشتعالها فضلا عن خسارتها في الوقت ذاته.

فالحقيقة الساطعة الآن، التي يجب أن نُسلّم بها، هي أننا لم نعد في عنق الزجاجة كما أوهمونا لسنوات طويلة على أمل الخروج سريعا ليكسبوا مزيدا من الوقت، ويتفننوا في اختراع الأكاذيب والمُسكنات؛ لإسكاتنا وتثبيط عزائمنا، بل سقطنا إلى قاع الزجاجة "اللعينة" بمرور الوقت كلما صبرنا أكثر على هذا الوهم وصدّقنا وعود الحكام التي لن تتحقق أبدا ما داموا يحكموننا.

في بلد كمصر يُرجع الحكام المستبدون أسباب جمود الحالة الاقتصادية والسياسية "محلك سر" إلى عاملين هامين، أو إن شئت فقل تحت ذريعتين، أولاهما الزيادة السكانية الكبيرة التي تلتهم موارد البلاد المحدودة (وليست المنهوبة)، وثانيتهما هو التصدي للأخطار الداخلية والخارجية التي تهدد الأمن القومي للوطن، وبالتالي يتحتم الوقوف جميعا في وجه "أهل الشر" الذين يتآمرون على مصالح البلاد والعباد ليل نهار، وبذلك يصرفون الأنظار عن القضية الرئيسية، وهي فساد السلطة من رأسها، وتآمرها على مصالح شعبها.

لكن إذا ما نجح الشعب في اجتياز معركة الوعي بإدراكه أن من يحكمه هو أصل المشكلة، ولن يكون الحل بحال من الأحوال، ساعتها فقط سينفجر هذا الشعب من قاع الزجاجة التي حبسوه فيها عقودا طويلة لنور الحياة والحرية والرخاء.