مقابلات

الرميحي: إيران تريد الحوثيين شوكة في خاصرة الخليج

الرميحي: لا خيار أمام العرب سوى الاصطفاف خلف القيادة السعودية - عربي21
مع مطلع الثمانينيات حتى العام 1998؛ وصل صوت الكاتب الكويتي محمد غانم الرميحي، إلى معظم البيوت العربية؛ من خلال مجلة "العربي" الشهيرة التي ترأس تحريرها آنذاك، لينتقل بعدها إلى رئاسة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، ثم أصدر جريدة "فنون"، تلتها يومية "أوان" التي لم يطل عمرها.

وفي العام 1973 حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع السياسي من جامعة درهام البريطانية، وله عشرات الكتب ومئات الدراسات والمقالات المعمقة.

"عربي21" زارت الرميحي في منزله بالكويت، وأجرت معه حوارا موسعا، لمعرفة رأي واحد من أهم الشخصيات الخليجية في قضايا المنطقة الشائكة، من إيران التي توقع انفلاتها من قبضة رجال الدين، إلى اليمن التي تنبأ بأن تكون "أفغانستان العرب"، إلى أمريكا "الباحثة عن المال والمستقبل" كما يقول.

وفي ما يأتي نص الحوار: 

* هل بعد كل ما يجري في اليمن، وما أفرز من خلافات خليجية؛ لا يزال مجلس التعاون الخليجي متماسكا؟

- إذا انزلقت اليمن سيكون التهديد أكبر وأخطر، وما يحدث الآن هو محاولة لمنع الانزلاق.

إن على إخواننا الخليجيين أن ينظروا إلى المستقبل بجدية أكثر؛ لأن التغيرات التي حولنا سريعة وهيكلية، وكانت ردود الفعل في البدايات الأولى لما يسمى بـ"الربيع العربي" هي الاستجابة المادية "المالية"، من خلال رفع المرتبات ومنح بعض الامتيازات، لكن هذه الأشياء يمكن أن تفعل فعلها لفترة ثم تتراجع، وخاصة أننا ندخل في نهاية العقود الخمسة الذهبية، التي أسميها "مرحلة الدفء النفطي"، حيث بدأ النفط ينحسر.

وبرأيي؛ أن الموضوع اليمني 2011 عولج معالجة غير حصيفة من قبل مجلس التعاون الخليجي، الذي لم يكن لديه رؤية واضحة لما يحدث. ومن الخطأ وضع النار والزيت في سطح واحد.

وعندما تدخل الخليجيون؛ كان يفترض أن يقولوا للرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح: "شكرا لك، وكثر الله خيرك.. خذ امتيازاتك، وتفضل للعيش في فيلا كبيرة بأبوظبي أو جدة"، أما أن تسحب منه بعض الامتيازات، وتتركه على قمة السلطة المعنوية لليمنيين؛ فهذا خطأ، والخطأ الآخر أن الخليجيين وقفوا في الوقت ذاته ضد رغبة التيار اليمني الشعبي الواسع، الذي خرج إلى الشوارع مطالبا برحيل صالح.

أضف إلى ما سبق أن الخليجيين لم يحسبوا حساب التدخل الإيراني بشكل دقيق، ولم يتم الالتفات إلى العامل المشترك بين الزيدية في الشمال وبين الشيعة في إيران، وهو فكرة "الثورة الدائمة" و"الخروج على الحاكم"، ما أحد بينهما تناغما فكريا وأيديولوجيا ومصلحيا، فأصبحنا نواجه الطموحات الإيرانية التي تريد أن تكسب نفوذا في مناطق جديدة من المنطقة العربية، والحوثيون الزيديون الذين وصلوا إلى السلطة وأصبح تركها بالنسبة لهم عملية صعبة جدا.

* اليمن دفعت فاتورة إهمال صعدة 50 عاما، فهل ستدفع دول الخليج فاتورة إهمال اليمن خمسة عقود؟

- الملف اليمني ليس بعيدا عن الملفات العربية الأخرى في مصر وسوريا وليبيا، ونحن نعيش في مرحلة انتقالية سندفع ثمنها بأشكال مختلفة، فالشعب الخليجي يدفع ثمنها قلقا واستنزافا لموارده، واليمنيون يدفعون ثمنها دما، ولقد قلت من فترة طويلة إن اليمن سيتحول إلى أفغانستان العرب، وها هي في طريقها إلى ذلك.

* وماذا تتوقع بالنسبة للوضع الداخلي لدول الخليج؟

- لا يزال الخليج يعاني شيئا من الشحن، لكن في نهاية الأمر لا يمكن تحريك جماعات كبيرة في منطقة الخليج تكون مضادة للدولة القائمة؛ بسبب الوضع الاقتصادي شبه المريح. وهناك معادلة تقول "الراحة الاقتصادية تعطي رأسمال سياسيا للحاكم"، وكلما ضاق الوضع الاقتصادي أصبح رأسمال الحاكم شحيحا، ولهذا السبب يصعب قيام حركة مضادة للحكم في الخليج.

* يخشى مراقبون أن يكرر الخليج أخطاءه في اليمن للمرة الثالثة، كما حصل في ثورتي أيلول/ سبتمبر 1962 وشباط/ فبراير 2011، ما رأيك؟

* عاصفة الحزم مختلفة، فإخواننا في المملكة العربية السعودية غادروا كرسي الانتظار إلى مكان الفعل، ودخول حرب ليس عملية سهلة، وقد لفت نظري أن الأمير محمد بن سلمان في حديثه مع وكالة بلومبيرغ الأمريكية؛ قال إنه يقرأ كتاب "فن الحرب"، ولقد قرأته من سنوات، وهو كتاب مهم جدا، يقال إن أحد الفلاسفة الصينيين كتبه قبل 500 سنة من ميلاد المسيح، والكتاب لا يزال مهما رغم تقدم العصر، فهو يقول مثلا: "أن تضع جاسوسا في مكان العدو؛ خير من أن ترسل كتيبة". ويقول: "الحروب الطويلة لا يوجد فيها منتصر"، فالأمير محمد بن سلمان رجل واع لما يدور حوله، ويعرف أن الأمور اختلفت.

* ألا ترى أن إيران تلعب في اليمن دور الراعي والموجه من بعيد، وأنها لا تخسر شيئا، فالسلاح من معسكرات الدولة اليمنية، والمال كذلك، والمقاتلون جميعهم يمنيون؟

- إيران تمسك الخيط الرئيس للحوثيين من الناحية الأيديولوجية، وإن رغبة الإيرانيين الرئيسة هي إما أن يحكم الحوثي، أو أن يحصل على "الثلث المعطل"، على غرار حزب الله في لبنان، بمعنى أن تكون الحوثية شوكة في خاصرة الخليج، تتحرك عندما يُطلب منها ذلك.

الحوثيون عندهم مشكلة أيديولوجية بإعادة الإمامة بشكل مختلف، وعلي صالح يريد أن يبقى ممسكا بكثير من الخيوط، وهذه معضلة أخرى، والإيرانيون عندهم رغبة توسعية، وعندهم القول الفصل في سير الحركة الحوثية.

وأنا أريد من اليمنيين أن يبتسموا، ولكن وهم يحملون بأيديهم هراوة غليظة، وأؤيد ما قاله مؤخرا الناطق باسم قوات التحالف العربي العميد أحمد عسيري: "إذا فشلت مشاورات الكويت فسوف ندخل صنعاء".

* هناك من يرى أن اتفاق فيينا بين إيران والغرب بشأن برنامجها النووي؛ نص في ملحق الاتفاقية -وليس في الاتفاقية- على أن "تتولى أمريكا رعاية المصالح الإيرانية في المنطقة"!

- لست مع نظرية المؤامرة، وإذا لم يكن هناك نص مكتوب وواضح فلا تستطيع الحكم، واليوم لم يعد هناك شيء خافيا على نظر القارئ المتتبع، وأعتقد أن الموضوع الأمريكي له حسابات داخلية أخرى، ويؤمن بمقولة "كل السياسات هي سياسات داخلية"، فالأمريكان يتصرفون بحثا عن أموال ومستقبل، ولا يلتفتون لقتل البشر، حتى في تحرير الكويت جمعوا أموالا من خارج خزينتهم، وإذا اعتقدنا أن الأمريكان قادرون على فعل أشياء كثيرة؛ فنحن مخطئون بالتحليل.

* هل نجحت إيران في تسويق نفسها شرطيا للغرب في المنطقة؟

- نحن لدينا معركة لها عناوين متعددة، وإيران لديها عنوان واحد، ولا داعي للقلق حول هذه النقطة؛ لأن إيران لديها توليفة حكم من مجموعة عمائم مضادين للشاه بسبب استنارته، بصرف النظر عن فعله -وهم حاليا يتصرفون نفس تصرفه-، ولديها مجموعة مستنيرين (الليبراليون) من الذين كانوا ضد سلوك الشاه. بتقديري هذه التوليفة في وقت ما ستنفرط؛ لأن هذا النظام غير طبيعي، وهو نظام يرتكز على الخرافة الدينية، ونذكر حين قال الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، في الأمم المتحدة، أن الإمام الغائب يأتيه ليلا ويشرب معه الشاي!

* هل السعودية قادرة حاليا على لملمة الصف العربي، والسعي نحو "عنوان عربي واحد".. مبدئيا على الأقل؟

- يجب أن نكون واقعيين.. ليس أمامنا خيار سوى أن نصطف خلف القيادة السعودية، فهذه مرحلة نقفز فيها من التناقضات الفرعية إلى الأساسيات، وإذا لم نفعلها فسنقع في الكارثة.. تخيل أن الحوثي يحكم اليمن؛ ماذا سيحل بهذه الخاصرة الجنوبية الطويلة للخليج، وفيها مخزون بشري هائل، والناس في الغالب مع السلطة؟

* هل يشعر الخليج الآن بحرارة السلاح الإيراني تقترب منه؟

- بالتأكيد يشعر، وشعوره هذا فيه مخاطرة وخوف من الانزلاق في المشروع الطائفي، وأعتقد أن الصراع مع إيران قومي وليس طائفيا، فعندما تقرأ الدستور الإيراني؛ ستشعر أن عقلين وضعا هذا الدستور، عقل المعممين، وعقل الليبراليين الذين كانوا متواجدين في الغرب، والولايات المتحدة تحديدا. وهؤلاء الليبراليون هم من يحرك العمل الإيراني المنظم حاليا، وليس المعممين الذين هم واجهة فقط. وفي وقت ما؛ سيكتشف الايرانيون ذلك أنفسهم، وحتى يأتي ذلك اليوم؛ يجب أن نحصن أنفسنا بمجتمع متسامح واعٍ، بعيد عن التشدد، وقادر على أن يعبر عن وجهة نظره.