قضايا وآراء

السيسي وإيرادات قناة السويس

1300x600
خلال كلمته يوم الخميس 5 أيار/ مايو في الاحتفال بإعطاء إشارة البدء لما سماه بحصاد القمح في مشروع زراعة 1.5 مليون فدان الذي يدخل ضمن المشروعات التخديرية للنظام الانقلابي في مصر، والذي رفض تمويله البنك الدولي لعدم وجود دراسات جدوى كافية له، خرج علينا عبد الفتاح السيسي في خطابه ليقول: "سمعت ناس بتقول إن إيرادات قناة السويس قلت..لأ طبعا..إنما زادت..وأنا لما بقول كده ده كلام مسؤول".

ويأتي هذا التصريح للسيسي ليكشف عن مدى سياسة (لا أريكم إلا ما أرى) التي ينتهجها السيسي، فلم ينطق بكلمة واحدة عن قيمة إيرادات قناة السويس أو نسبة الزيادة التي تحققت فيها. وادعاؤه بزيادة إيرادات قناة السويس يناقض الأرقام الرسمية التي خرجت من رحم حكومته ومؤسساته المسؤولة، فقد أعلنت هيئة قناة السويس في كانون الثاني/ يناير الماضي، انخفاض إيرادات القناة في عام 2015 إلى 5.175 مليار دولار مقابل 5.465 مليار دولار في العام 2014، بانخفاض 290 مليون دولار، ونسبة انخفاض 5.3 في المائة.

 كما تشير بيانات البنك المركزي إلى انخفاض إيرادات قناة السويس خلال النصف الأول من العام المالي 2015/2016 (تموز- يوليو / كانون أول- ديسمبر 2015) إلى 2.646 مليار دولار مقابل 2.857 مليار دولار لنفس الفترة من العام السابق، بانخفاض 211 مليون دولار، ونسبة انخفاض 7.4 في المائة. بل إن بيانات هيئة قناة السويس أظهرت تراجع إيرادات القناة كذلك خلال أول شهرين من العام الجاري، إضافة إلى انخفاض حصيلة قناة السويس منذ افتتاح تلك التفريعة في شهر آب/ أغسطس 2015 حتى يومنا هذا. وقد تراجعت إيرادات قناة السويس في أول شهرين فقط من عام 2016 إلى 411.8 مليون دولار و401.4 مليون دولار على التوالي، مقابل 429 مليون دولار في كانون أول/ ديسمبر 2015.

إن الواقع يكشف أن قناة السويس منذ افتتاح التفريعة الجديدة باتت تحل بها النكبات الاقتصادية، فقد نشرت صحيفة "الصين ديلي" الرسمية، تقريرا ذكرت فيه أن الصين طالبت هيئة قناة السويس بخفض تكلفة عبور الشاحنات بنسبة 50 في المائة، معربة عن اعتزامها استخدام طريق القطب الشمالي في حال عدم الاستجابة لطلبها. كما أن الكيان الصهيوني بدأ خطواته لربط الميناء الجديد في أشدود المطلة على البحر المتوسط بميناء إيلات على البحر الأحمر، بخط سكك حديدي سريع، لنقل الأفراد والبضائع ليكون مشروعا منافسا لقناة السويس. كما أن الكيان الصهيوني بدأ أيضا في تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع قناة بديلة لقناة السويس تربط البحر الميت بالبحر الأحمر.

كما شهدت الشهور القليلة الماضية توجه السفن لطريق رأس الرجاء الصالح بحثا عن تخفيض التكلفة بعد انخفاض أسعار النفط. وهذا ما كشفته بيانات هيئة قناة السويس ذاتها في كانون الثاني/ يناير 2016، حيث أشارت إلى أن إجمالي عدد السفن التي مرت عبر القناة في عام 2015 ارتفع بنسبة 2 في المائة فقط، مقارنة بالعام السابق له، فيما انخفض عدد ناقلات البضائع السائبة بنسبة 5.7 في المائة، وسفن الحاويات بنسبة 3.1 في المائة.

ورغم أن السيد مهاب مميش، رئيس هيئة قناة السويس، يسير على نهج رئيسه عبد الفتاح السيسي ليس في إخفاء الحقائق فقط بل في قلبها والقول بعكسها إلا السيد/ ناجي أمين، مدير إدارة التخطيط بهيئة قناة السويس، ذكر في مؤتمر صحفي عقدته الهيئة للإعلان عن إيرادات القناة عن عام 2015، ونقلته وكالة رويترز، أن انخفاض إيرادات القناة خلال العام الماضي يرجع إلى أسباب متعددة تتعلق بوحدة حقوق السحب الخاصة (SDR) وتتعلق أيضا بانخفاض سعر البترول عالميا.

كما طالب محمد الحداد، الرئيس التنفيذي للمجلس العربي لحكماء النقل والتجارة البحرية، هيئة قناة السويس بتغيير سياستها التسويقية لمواجهة انخفاض سعر البترول، وتقلبات حركة التجارة العالمية، فضلا عن مواجهة المنافسة في حالة استخدام الممر الشمالي الغربي بالقطب الشمالي في الملاحة العالمية من جانب السفن التجارية الصينية.

إن تلك النكبات وتصريحات السيسي المخالفة للواقع تكشف مدى الجرم الذي ارتكبه في إنشاء تفريعة جديدة للقناة افتقدت إلى وجود دراسات الجدوى، واقتطعت من السيولة في سوق المال المصري نحو 64 مليار جنيه بفائدة 12 في المائة سنويا، مما ضاعف من الأزمة الاقتصادية بمصر نتيجة لتقليص السيولة أمام القطاع الخاص، وتحميل ميزانية الدولة فوائد بدون مقتضى، فضلا عن سداد مصاريف تكريك التفريعة بالدولار بقيمة تعدت 2.2 مليار دولار، وهو ما زاد من الضغط على طلب الدولار وأدى لارتفاع سعره في ظل انخفاض عرضه.

إن هذه التطورات تعكس أن السيسي يبيع الوهم للمصريين ويخدرهم بالأكاذيب، وأن القادم أسوأ في ظل انخفاض أكبر متوقع لإيرادات قناة السويس، وهو المورد الحقيقي والوحيد من العملة الصعبة الذي تمتلكه الحكومة واقعيا، والذي يقدر بنحو 431 مليون دولار شهريا، في حين أن احتياجاتها الشهرية لتوفير العملة الصعبة اللازمة للواردات المصرية نحو 5 مليار دولار شهريا. لذا، فلا مناص من أن أزمة الدولار ستزداد اشتعالا، والوضع الاقتصادي سيزداد انهيارا.