كتاب عربي 21

ماذا بعد أن أعلنت داعش الحرب على مصر؟

1300x600
يحمل الفيديو البشع لذبح 21 مصريا في ليبيا على يد داعش رسالة أساسية مفادها أن داعش قد أعلنت الحرب على مصر في كل مكان وأن معركتها في سيناء من خلال تنظيم أنصار بيت المقدس الذي بايع أبا بكر البغدادي وتحول إلى (ولاية سيناء) قد اتسعت دائرتها وصارت دائرة إقليمية. اصطياد داعش للمسيحيين المصريين العاملين في ليبيا ليس عبثا بل هو رسالة انتقام من النظام الحاكم في مصر الذى ترى داعش أن أهم مناصريه هم المسيحيون، لذلك فقد أرادت توجيه رسالة موجعة تشكك من ثقة المصريين عامة والمصريين المسيحيين خاصة في قدرة السلطة على حمايتهم.

الإخراج السينمائي لفيديو الذبح لعب على أوتار عدة حيث جاء حديث المتحدث بالإنجليزية وختم رسالته بالحديث عن فتح روما عاصمة ايطاليا تأسيا بالحديث النبوي الشهير، والمضمون النهائي لهذه الرسالة هو مضمون عالمي تخاطب به داعش الجميع وتفتخر بأنها تتمدد وتقوى وتنتقل من مكان لمكان لتمارس القتل وسفك الدماء التي تراها قربى إلى الله وتمهيدا لإقامة دولة الإسلام التي لا توجد إلا في خيالهم المريض.

تعتبر هذه العملية نقلة نوعية في إرهاب الدواعش الذين كانت فيديوهات قتلهم السابقة تخص خصوما محاربين لهم أو أسرى حرب. أما هذه العملية فهي لمدنيين لم يحملوا سلاحا وكل جريمتهم أنهم مسيحيون ومصريون !

اختيار شاطئ البحر لتنفيذ الذبح حمل رسالة إضافية للغربيين مدلولها أننا قادمون إليكم وأن سيوفنا ورصاصنا سيطالكم ولو بعد حين، بالإضافة للشكل التنظيمي الدقيق في اختيار مقاتلين ذوي قامات طويلة وأجساد شبه متماثلة الأحجام، لتوحي بقوة التنظيم وتعمق صورته التي يحرص عليها لرجاله كمقاتلين محترفين يشبهون أفراد الجيوش النظامية.

من المؤسف أن اختطاف العمال المصريين قد تم منذ ما يقرب من شهرين أو أكثر ولم تفلح التحركات الحكومية في منع المذبحة حتى أن مصدرا رسميا بالخارجية المصرية قال لأحد الصحف أول أمس إن الخارجية المصرية تتابع الأخبار الخاصة بالمختطفين عبر التليفزيون وما يستجد على صفحات التواصل الاجتماعي.

ووسط دعوات إدانة الإرهاب التي نشترك فيها جميعا لا يمكن أن نغفل سوء الأداء في التعامل مع الأزمة الذي عبرت عنه هتافات أهالي الضحايا في وقفتهم قبل عدة أيام أمام نقابة الصحفيين، حين هتفوا (لو كان فيهم ابن وزير كانت رقاب كتير هتطير)، فسيناريو الذبح لم يكن حتميا ولكن السلطة في مصر بكل أسف لم تتعامل مع الأزمة بالاهتمام الكافي.

ما فعلته داعش عمل خسيس بامتياز سيزيد من مشاعر السخط تجاهها لدى الشعوب العربية ولدى المصريين الذين يشعرون بإهانة بالغة وصدمة مروعة وغضب عارم يطلب الأخذ بالثأر مهما كان الثمن، دعوات التدخل العسكري ضد داعش لم تعد أحاديثا على ألسنة بعض الإعلاميين الموتورين ولا بعض النخب، بل صارت مطلبا شعبيا لدى قطاعات واسعة من المصريين ظلوا طوال ليلة أمس منذ إذاعة فيديو الذبح، يتداولون الخبر بمزيد من الغضب والرغبة في الانتقام.

السلطة في مصر في موقف لا تحسد عليه؛ فهي تواجه تحديات إقليمية متصاعدة الخطورة بدءا من الجوار الليبي وأزمة اليمن وفوضى العراق وسوريا. وأي تفكير في فتح جبهة للقتال خارج الحدود المصرية قد يكون باهظ الثمن، والتجارب البائسة لتدخل الجيش المصري في اليمن في الستينيات تسيطر على أذهان الجميع، ولكن في نفس الوقت فإن ترك داعش يتمدد على الحدود الغربية مع وجوده في سيناء البوابة الشرقية لمصر يعني أن الدائرة تضيق على المصريين الذين قد يجدون داعش في جنوب مصر والدلتا إذا استمر التمدد الداعشي على المحاور المذكورة.

لذلك لم يعد أمام مصر سوى أخذ قرار التحرك خارج الحدود ولكن بخطوات محسوبة لا تمثل استجابة للفخ والمصيدة الداعشية التي تهدف لاصطياد واستنزاف الجيش المصري في الصحراء الليبية الشاسعة، المطلوب الآن هو تحرك مدروس وليس عشوائيا يحقق الأهداف التالية:

أولا: قطع الإمدادات عن الملشيات التابعة لداعش في ليبيا بكل الطرق الممكنة مع استمرار مواجهة الخطر الموجود في سيناء وتضييق الخناق عليه بشكل موضوعي لا يضر أهل سيناء، والاستفادة من أخطاء المعالجات السابقة التي لم تستطع وأد الإرهاب في سيناء وكانت عمليات العريش الأخيرة دليلا على ذلك.

ثانيا: عمل حلف إقليمي عربي يضم الجزائر والسودان والسعودية ودول الخليج لمحاربة داعش وإيقاف زحفها المتواصل مع الاستفادة من الغطاء الدولي الذى بات يستشعر يوما بعد يوم خطورة هذا السرطان الإرهابي المسمى بداعش.

ثالثا: تفعيل الجهود السياسية والدبلوماسية في كل من العراق وسوريا وليبيا لإيجاد شركاء سياسيين معتدلين ينجحون في إنهاء الفوضى وتحقيق الوحدة الوطنية واستعادة ملامح الدولة في كل قطر من هذه الأقطار، وهذا سيكون مفتاحا أساسيا لمواجهة داعش، وعلى سبيل المثال لن يمكن القضاء على تنظيم داعش في ظل وجود السفاح السوري بشار الأسد وكل يوم يقضيه في السلطة هو لصالح هذا التنظيم.

رابعا: الانتباه للساحة الداخلية المصرية التي يمزقها الانقسام والاستقطاب الحالي الذي يخلق مساحات للتمدد الداعشي وهو تحد كبير أمام السلطة الحالية في مصر التي لا بد أن تعيد قراءة المشهد من زوايا أكبر تصل بها للنتيجة النهائية، وهي استحالة هزيمة الإرهاب قبل إنهاء المأساة السياسية الداخلية في مصر والتي تتعقد يوما بعد يوم، ولا مخرج منها سوى بتحقيق الديموقراطية وإنهاء انتهاكات حقوق الإنسان، والبدء في خطوات تحول ديموقراطي حقيقي يعيد لكل مؤسسة دورها ويحدد أولوياتها وتحقيق المصالحة مع المعارضين السلميين الذين لا يتبنون العنف ولا يمارسونه والتوقف عن إقصاء المخالفين.

مجزرة المصريين في ليبيا خط فاصل بين مرحلتين لا بد أن نميز بينهما وندرك أن التطبيل والهوس الإعلامي الحقير وخلط الأوراق لم يزدنا إلا بؤسا وفشلا. ولا بد من مواجهة مشاكلنا بصراحة وموضوعية مع تحديد العدو الحقيقي والاصطفاف لقتاله. بعض الشعوب تحتاج لهزات ضخمة لكي تستفيق ولا يوجد أشد مما حدث في ليبيا للمصريين لكي يستفيقوا ويزيلوا الغشاوة عن أعينهم ليدركوا الطريق إلى المستقبل.

نعزي أنفسنا ونعزي المصريين في المصاب الجلل وصبر الله أهالي الضحايا الأبرياء.