صحافة دولية

كاتب أمريكي: لولا تسامح النهضة لما نجحت تونس

سيرتشانك: أثبت الإسلاميون أنهم مديرون مسؤولون في توجيه المجتمع الحر - الأناضول
كتب فانس سيرتشانك من مركز "القرن الأمريكي الجديد" (نيو أميريكان سينتشري)، معلقا على انتخابات الرئاسة التونسية وصعود الباجي قايد السبسي رئيسا جديدا لتونس في مرحلة ما بعد ديكتاتورية زين العابدين بن علي.

ويبين الكاتب أنه لولا إدارة حركة النهضة التونسية لما استمرت التجربة الديمقراطية في تونس، التي تعد من النقاط المضيئة بين الثورات العربية، حيث لا تزال بعض الدول تعاني من حروب أهلية، وأخرى عاد فيها الجيش للحكم من جديد، فيما تحولت دول إلى بلدان فاشلة تحكمها سلطات متعددة.

ويقول سيرتشانك إنه "تم مديح تونس، إنها وبحق قصة نجاح وحيدة بين الثورات العربية، فهي البلد الوحيد الذي نسج طريقا من انتفاضة 2011 قاد إلى ديمقراطية متعددة الأحزاب اليوم".

ويستدرك الكاتب بأنه "مع ذلك فإن مصير الديمقراطية في تونس ليس مؤكدا، فمع انتخاب برلمان ورئيس جديدين في الأسابيع الماضية، إلا أن أهم تجربة ديمقراطية عربية تدخل مرحلة صعبة، ومن المحتمل أن تكون مرحلة شائكة وتحتاج فيها تونس لدعم أمريكي عاجل".

ويشير سيرتشانك إلى أن التونسيين "يتحدثون عن عدد من التحديات التي قد تعيق عملية التحول، بينها الاقتصاد الذي لم تحل مشكلته، ولا يولد إلا فرص عمل قليلة، إضافة لتهديد الجماعات الإرهابية مثل جماعة أنصار الشريعة. وهناك إلى جانب تونس دولة فاشلة اسمها ليبيا، التي تشبه حالتها حال البركان المنفجر في سوريا، وتهدد بإثارة ضباب من عدم الاستقرار في دول الجوار".

ويضيف أن "هذا كله في جانب، أما الجانب الأهم الذي سيحدد التحول الديمقراطي في تونس، فهو التزام قيادة تونس الجديدة بالمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، ووجود حكومة تحتوي الجميع وتكون متسامحة".

ويعتقد الكاتب أن "هذه المبادئ هي التي جعلت تونس استثناء منذ ثورة 2011، والفضل يعود للأحزاب والشخصيات التي كانت على رأس عملية التحول الديمقراطي. والفضل الأكبر يعود لحركة النهضة، الحزب الإسلامي المعتدل، الذي حصد أكبر حصة من أصوات الناخبين في أول انتخابات حرة قبل ثلاثة أعوام".

ويوضح سيرتشانك أنه "في ذلك الوقت كانت هناك شكوك حول التزام الإسلاميين بقواعد الديمقراطية، وعلى خلاف الإخوان المسلمين نجح حزب النهضة في تونس بالامتحان وتفوق بعلامات عالية".

ويرى الباحث الأمريكي أن السبب هو أن "حزب النهضة بدلا من توسيع سلطته قام بمشاركة الآخرين فيها، وشكل تحالفا مع حزبين غير إسلاميين. وبدلا من أن يضرب بعرض الحائط مطالب منافسيه العلمانيين قام بكتابة دستور جديد، احتوى على تنازلات تتعلق باحترام المجتمع المدني وحرية الإعلام واستقلالية القضاء".

وأكثر من هذا فقد فعل حزب النهضة أمرا لم تفعله بقية الأحزاب الإسلامية، "فقد غادر السلطة بشكل سلمي".

ويجد الكاتب أن من الأساسيات التي يؤمن بها حزب النهضة اعتقاد زعيمه راشد الغنوشي بأن الديمقراطية لا تعني تفرد حزب في السلطة، مهما كانت شعبيته. ومن الضروري في هذه الحالة البحث عن قواعد مشتركة للعمل مع الخصوم المنافسين. والبديل عن هذا إما حرب أهلية أو عودة الحكم الديكتاتوري، وهو ما انتهت إليه بقية الدول.

ويردف سيرتشانك: "لكن حزب النهضة يجد نفسه الآن خارج السلطة، ويحكم البلاد حكم معادٍ للإسلاميين، وهو حزب (نداء تونس)، فقد فاز الأخير بالانتخابات، وأنزل النهضة للمرتبة الثانية في البرلمان. والسؤال الآن، هل سيسير علمانيو تونس على نهج الإسلاميين في ضبط النفس والتسامح وسعة الجميع؟".

ويجيب بأن "هذا ما سنراه، فمظاهر القلق لا تدور حول الرئيس التونسي الجديد باجي قايد السبسي، الذي قاد البلاد في الأشهر الفوضوية بعد الثورة، وقدم رسالة أمل حول الوحدة الوطنية في خطاب تسلمه الرئاسة هذا الأسبوع، لكن ما أكثر من مظاهر القلق هو (نداء تونس)، الذي لم تتطور قدراته الطبيعية المتعلقة بالديمقراطية بعد".

وينقل الكاتب مخاوف الكثير من مؤيدي النهضة، حيث يقول إن "هناك الكثيرين في داخل الطيف السياسي التونسي، بينهم المؤيدون للنهضة، أخبروني عن مخاوفهم من محاولة دول الخليج، التي تقوم بتمويل حملة معادية للإسلاميين في المنطقة، بالتوسع في هذه الحملة لتشمل تونس، حيث تقوم بتقديم المال مقابل عرقلة الديمقراطية، بما في ذلك محاولة تنظيم محاكمات سياسية لأعضاء في حركة النهضة".

ويستدرك سيرتشانك بأن "المتفائلين يرددون بأن التونسيين الذين أطاحوا بحكم ديكتاتوري لن يتسامحوا بالانزلاق مرة أخرى للحكم الشمولي. مع ذلك، فإن تاريخ الثورات شهد هذه المخاطر.. فقط انظر لمسار المرحلة ما بعد السوفييتية أو التجربة الجورجية الأخيرة".

ويرى الكاتب أن "مصير تونس في النهاية سيقرره التونسيون بأنفسهم، لكنّ هناك دورا مهما يجب أن تلعبه القوى الديمقراطية، ولديها مصلحة في تعزيز موطئ قدم واحد للديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وإن كان هناك إرث سياسي يوحي بأمل في التغيير في العالم العربي فإنه يمكن لإدارة باراك أوباما المساعدة فيه، فإنه هنا. والأشهر المقبلة ستكون حاسمة".

وبناء عليه فإن الكاتب يطالب - أولا - "المسؤولين الكبار وأعضاء الكونغرس بمنح تونس الأولوية رغم الأزمات المتعددة، والبداية تكون من تأكيد حضورهم وزيارة تونس، والتأكيد للحكومة التونسية أن الولايات المتحدة منفتحة على توسيع مهم للشراكة في ضوء إنجاز التونسيين الاستثنائي طالما أن البلاد تسير على الطريق الديمقراطي".

وبالسياق ذاته يذكر سيرتشانك أنه "يجب التحاور مع النهضة ومؤسسات العمل المدني، والتأكيد لهم أن الولايات المتحدة تعترف بإنجازهم التاريخي من أجل تقدم تونس، وأن الولايات المتحدة ستراقب عن كثب الطريقة التي سيعاملون فيها، وهو امتحان للحكومة الجديدة. وعلينا الضغط على حلفائنا الأوروبيين لتقديم الرسالة ذاتها".

ويتوصل الكاتب إلى أنه "في المحصلة، فإن الولايات المتحدة ملزمة بتقديم رزمة متعددة من المساعدات الاقتصادية والأمنية والتجارية ودعم الحكم في تونس، بما في ذلك استثمارات بميزانيات قليلة تؤدي لنتائج كبيرة في مؤسسات الديمقراطية مثل البرلمان".

ويفيد سيرتشانك بأنه "رغم أن الولايات المتحدة وجدت طرقا إبداعية لدعم تونس من عام 2011، إلا أن الجهود كانت على قاعدة صغيرة ولأغراض خاصة. وفي ميزانية الإدارة الأمريكية جاءت تونس في المرتبة التاسعة، من بين الدول التي تلقى مساعدات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أي في الموقع نفسه الذي كانت تحتله قبل الثورة، وهناك شيء خطأ في استمرار هذا الوضع".
 
ويختم الكاتب مقاله بالقول: "أثبت الإسلاميون وخلال ثلاث سنوات أنهم مديرون مسؤولون في توجيه دفة المجتمع الحر، وحان الآن دور العلمانيين الذي صعدوا للسلطة كي يفعلوا الأمر ذاته، ومسؤولية الولايات المتحدة والحلفاء الديمقراطيين هي مساعدة التونسيين كي ينجحوا".