مقالات مختارة

الربيع العربي بريء من الصوملة !

1300x600
كتب طلعت رميح: دخلنا عصر وزمن الميلشيات الأقوى من جيوش الدول، دخلنا عصر الصوملة أو الاقتتال الأهلي، الاقتتال يجري في كثير من الدول العربية بين مليشيات متصارعة صارت أقوى من جيوش الدول، وأصبحت تفرض إرادتها على الدول والجيوش والأخطر أن الاقتتال يجري لتحقيق مصالح واستراتيجيات دول خارجية داعمة ومتحفزة لتلك الحالات من الحرب الأهلية. والصوملة هي تلك الحالة: لا جيش وطني وإن وجد كانت الميلشيات في وضع أقوى منه، تتقاتل هي لتحقيق السيطرة على الأرض والبشر. وإذا كان الاقتتال والتفكك في الصومال قد جرى سابقا على الربيع العربي بأكثر من نحو 20 عاما، فهناك من يلعب لعبة الخداع والتضليل، ويتهم الربيع العربي بالمسؤولية عن حالة الصوملة الجارية الآن في الدول العربية. البعض يحلو له اتهام الربيع العربي وتحميله أسباب هذا الانفلات والتفكك والاقتتال والاحتراب الأهلي الجاري بضراوة في المنطقة العربية. البعض يقول: الربيع العربي انتهى إلى الصوملة.

لكن الربيع العربي بريء حقا وحقيقة. لم يكن الربيع العربي هو سبب الصوملة أو الاقتتال الأهلي، إذ وجود الميلشيات كان سابقا على الربيع بسنوات طوال، وقد فشلت نخب الحكم في بناء نظم سياسية ديمقراطية، فالميلشيات التي تتقاتل في العراق شيعية كانت أو كردية، جاء تشكيلها سابقا حتى على احتلال العراق، وكلها كانت في وضع القتال ضد جيش الدولة العراقية لسنوات طوال بدعم من إيران وإسرائيل، وميلشيا الحوثي التي وصلت حد السيطرة بالسلاح على الدولة والأرض في اليمن، تشكلت قبل الربيع بسنوات طوال، بل هي دخلت ستة حروب مع الجيش اليمني قبل موجة الربيع وهي حين تقاتل الآن فقتالها هو عملية انقلابية على الربيع. والحال كذلك في لبنان، الذي شهد تشكل الميلشيات كالفطر خلال الحرب الأهلية، وإذا بقي حزب الله بعد تلك الحرب وحيدا في ساحة امتلاك السلاح، فهو تشكل وخاض حروبه مع إسرائيل وانقلب من بعد ليظهر طائفيته ويشن حربه ضد طوائف أخرى في لبنان قبل انطلاق الربيع بسنوات أيضا.

وإن وجدت صلة بين الربيع العربي وتشكل الميلشيات واندلاع الحروب الداخلية والوصول إلى حالة الصوملة، فالحق أن دور هذه الميلشيات يتلخص في الانقلاب على الربيع العربي، أو لنقل إن هناك من طور دور الميلشيات التي شكلها قبل الربيع بسنوات طوال، لتصبح أداته في الانقلاب على الربيع، إذ معظم أعمال الانقلاب على الربيع العربي جرت بالقوة العسكرية وكانت ميلشياوية، كما هو الحال في اليمن وليبيا وسوريا.

لقد استخدمت إيران الميلشيات التي شكلتها ودعمتها في سنوات سابقة، لإنقاذ نظام بشار من الربيع العربي وفي ذلك جلبت حزب الله من لبنان وعشرات الميلشيات من العراق، وهي من مولت وحركت وقادت الميلشيات التي ساندت الاحتلال ومن بعده السلطة الطائفية في العراق، بما دفع تلك المنطقة إلى حالة الفوضى المتوسعة والمستديمة، التي هيأت ظروف وجود ونشأة تنظيم الدولة الإسلامية الذي احتاجت دول المنطقة إلى قوة الدولة العظمى الأولى في العالم مضافا إليها قوات من دول غربية وعربية لمواجهتها باعتبارها ميلشيا عابرة للدول، فضلا عن تسبب تلك الحالة في تعميق حاجة بقية المجموعات العراقية للبحث عن الحماية الذاتية المسلحة، فلم تعد الحالة الكردية حالة مجتمعية بل صار لكل من أكراد العراق وسوريا ميلشيات تدافع عنهم، وهو ما توسع باتجاه التدويل بطلب التسليح والحماية الجوية الأمريكية والغربية. والحال نفسه مع ميلشيات الحوثي التي حركتها إيران للانقلاب على ثورة الربيع اليمني وعلى الحوار والوفاق الوطني.

كان تشكيل الميلشيات سابقا على الربيع، بل إن الربيع العربي لم ينتج عنه ظهور أي من الميلشيات المتقاتلة الآن، فالثورة العراقية قبل الربيع أنتجت مقاومة وطنية ومظاهرات في ساحة العزة، ولم تنتج ميلشيا، فيما أنتج الاحتلال الميلشيات الشيعية والصحوات وكلها ميلشيات معادية للمقاومة الوطنية. وفي سوريا أنتج الربيع السوري تشكيل الجيش السوري الحر، ولم تذهب الأمور باتجاه المليشياوية إلا بعد دخول الميلشيات الإيرانية. وفي ليبيا وعقب انتصار الثورة ونهاية الحرب الوطنية لتحرير البلاد من حكم القذافي، انصرف الثوار الذين قاتلوا ميلشيات أو كتائب القذافي، ولم يعودوا للسلاح إلا بعد تدخل ميلشيا حفتر.

الحق إذن والواقع أن الربيع لم ينتج حالة ميلشياوية ولم يدفع أي من البلاد نحو الاقتتال الأهلي والصوملة، وأن الثورات المضادة هي التي واجهت الربيع العربي بالميليشيات التي كانت قائمة قبل الربيع وجرى تغيير مهامها لإجهاض الثورات.

والوقائع تؤكد براءة الربيع العربي كليا، لكن هناك من يحاول البناء على فكرة أن القارئ ذاكرته مثقوبة ويروج لمقولات اتهام للربيع العربي.


(بوابة الشرق)