مقالات مختارة

"القاعدة" و"داعش" أصبحتا أكبر حزبَيْن شعبيّيْن عربيّيْن؟

1300x600
كتب جهاد الزين: واحدة من السمات الكبيرة للمرحلة الانهيارية الجديدة في العالم العربي هي تحوّل التنظيمات الإسلاميّة المتشدّدة من شبكات أمنية سرية إلى قوى شعبية أو ذات امتداد شعبي في العديد من دول المنطقة. ينطبق هذا التحوّل على منظّمّتي "القاعدة" (أو المتفرعة عنها) و"داعش". فكيف نفهم هذه الظاهرة؟ وإلى أين ستصل؟

التحوّل الجاري يعني أن هذه التنظيمات المتشددة والعنفية تصبح بشكلٍ واضح أحزابا ذات حضور شعبي تستمد منه كوادرَ وعناصرَ للعمل القتالي وربما لاحقاً السياسي. يحصل هذا رغم كل الممارسات البشعة التي تقوم بها من تفجير وذبح وتنكيل وخطف ورِق.

شهد العراق مع هجوم "داعش" الكاسح في غرب العراق وشمال سوريا هذه الحالة الشعبية التي يتماهى فيها التنظيم مع العصبية السنية العراقية الغاضبة كذلك في اليمن الذي يتجه ليشهد بدوره، حسب شهادات يمنيين مقيمين، تمثيل "القاعدة" عبر "أنصار الشريعة" للعصبية السنية الشافعية في العديد من مناطق الوسط والجنوب في مواجهة تمدّد الحوثيين الحاملين لاسم "أنصار الله" وفي ليبيا بعض العصبيات المناطقية مع بعض الظهور المستجد لـ"داعش".

بهذا المعنى هل بدأ السلفيون العنفيون يرثون مكان حركة "الإخوان المسلمين" التي شكلت عبر تيارها العام تقليديا الحركة الأهم بين الحركات الإسلامية الأصولية؟ يحدث شيء من هذا بل يتجاوزه إلى مستوى تمثيل العصبية الشعبية التي لم يتمكن "الإخوان" دائما من تحقيقها سوى في بعض الحالات كما في اليمن وسوريا وتونس وبقوا تنظيماتٍ واسعةَ الكوادرِ  أكثر مما هم حالات جماهيرية.

النقطة الأخرى التي لا يمكن مقاربة تعقيد الموضوع المطروح وتجلّياته من دون ذِكرها، هي أن الصعوبات بل الهزائم التي مُنِيَ بها "الإخوان" بعد صعودهم السريع، إثر موجات "الربيع العربي" التي بدت في السنة الأولى لاندلاعها وكأنها "لحظة الإخوان المسلمين" في المنطقة، هذه الهزائم التي مُنوا بها دفعتهم إلى التواطؤ مع الحركات الإسلامية المتطرّفة انتقاماً من الأنظمة والقوى التي أسقطتهم أو أَبْعَدَتْهم. هذا ما قاموا ويقومون به في مصر عبر تهريب الأسلحة والعناصر عبر الحدود الليبية  للصدام مع الجيش المصري ومحاولة استنزافه في الداخل ولاسيما في سيناء. كذلك في اليمن مجدّدا مع انهيار سيطرة جمعيّتهم "الإصلاح" في العاصمة صنعاء. فقط في تونس وبسبب المسار التوافقي الذي سار به إسلاميّو "حركة النهضة" بقيادة الشيخ راشد الغنوشي تحت الضغط الديموقراطي للكتلة العلمانيّة "البورقيبيّة" فإن هؤلاء الإسلاميين انخرطوا في المسار الوطني  لمحاربة السلفيين المتشددين والحد من إرهابهم. طبعاً يُشار هنا أيضاً إلى السياق السلمي الديموقراطي لحكومة برئاسة "العدالة والتنمية" الإسلامي في المغرب التي تمارس دورها ضمن النظام الملكي وضوابطه.

من المهم التذكير أن هذا التحوّلَ من الأمني السري إلى الشعبي في المرحلة الأولى لمواجهة الاحتلال الأميركي في العراق بعد 2003 ظهر نسبيا في الانتشار الذي شهدته منظمة "القاعدة" في المناطق السنية العراقية إلى حد أنه كان لـ"القاعدة" حواجز علنية في بعض أحياء بغداد في تلك الفترة. كل هذا تغيّر باتجاه مختلف عندما أسفرت ما سُمّي "الجراحة" في الاستراتيجية الأميركية في العراق عام 2006 وفقا للخطة التي قادها يومها الرئيس جورج دبليو بوش عن توجيه ديناميكية الغضب السُنّي نحو الشيعة، مما خفّف الضغط على القوات الأميركية إن لم يكن قد همّشه. وقد ترافقت تلك الإستراتيجية الأميركية مع تركيز على التعاون مع القيادات العشائرية السنية في ما سُمِّي "الصحوات" عبر إغرائها المالي والسياسي مما أدى إلى توجيه ضربة قاصمة للبحر الشعبي الذي كانت تسبح فيه "القاعدة" إلى أن ظهرت "داعش" المنشقة عن "القاعدة" والمنافسة لها هذا العام ضمن عملية إسقاط الموصل، ظهرت في غطاء شعبي.

لا شك أن اتساع الحساسية السُنّية الشيعيّة، التي تحوّلت إلى حرب أهلية من البصرة شرقا إلى طرابلس اللبنانية غربا وصنعاء اليمنية جنوباً بقيادة إيران والمملكة العربية السعودية، قد ساهم في شكلٍ مباشر في انتقال التنظيمات السنية المتشدّدة إلى حالات شعبية تمثل العصبية السنية مثلما هو حال "القاعدة" حرفيا في اليمن ومثلما تتحوّل "داعش" تدريجيا في مناطق السُنّة في لبنان كنموذج قتالي يعتقد مؤيِّدوه أنه قادرٌ على مواجهة السمعة القتالية لـ"حزب الله".

في أفغانستان وبعد سنوات من الصراع مع "طالبان" انتجت الولايات المتحدة الأميركية سياسة مفاوضة جدّية معها.

أين ستصل هذه الظاهرة المستجدة، وهل سنشهد بعد سنوات ما يبدو الآن من المخيّلة، وهو تفاوضُ واشنطن مع"داعش" أو "القاعدة" على مستقبل أنظمة بعض دول المنطقة. أليس من الممكن أن تكون تلك نتيجة محتملة لتحوُّلِ المتشددين إلى حزب شعبي في بعض هذه الدول؟

في الإسلام السياسي الشيعي أصبحت تنظيمات مثل حزب الدعوة والصدريين والمجلس الأعلى في العراق وحزب الله في لبنان والحركة الحوثية في اليمن جزءا من بنى سلطات هذه البلدان أي جزءاً من النظام السياسي في كلّ منها بينما تنظيمات الإسلام السياسي السُنّي المتشدّدة المقاتلة لا تزال، بمن فيها "طالبان" الأفغانية والباكستانية و"بوكو حرام" النيجيرية ومتشدّدو شمال مالي، خارج أي نوع من العلاقة مع بنى السلطات الرسمية. لقد بدا لفترة في السنوات القليلة الأخيرة أن دخول " الإخوان المسلمين" إلى الحياة السياسية الشرعية قد يعبِّئ الفراغ المزمن بين النظم السياسية وبين "الإسلام السياسي" الأيديولوجي. الآن الفراغ أكبر نتيجة أخطاء "الإخوان" وما ظهر من نزوعهم التسلّطي بل الفئوي الذي ساهم في سقوطهم إلى جانب نقص الخبرة في الحكم مثلما تخبّطت الأحزاب الأصولية الشيعية العراقية في تجربة الحكم في السنوات العشر الأخيرة ولم تستطع، بالنتيجة، إدارة عراق موحّد ودولة غير فاسدة. هذا يعني أن الفراغ أخطر من أي وقت سابق لأن التنظيمات المتشددة السنّية التي تحتل الساحات الشعبية في بعض المجتمعات لا تحمل أيَّ مشروعٍ بنّاءٍ وتوافقيٍّ حتى اليوم. لذلك يحصل ضدها هذا الإئتلاف الدولي رغم كل الشبهات حول غض نظر الغرب وبعض دول المنطقة عن ولادتها فصعودها.
فهل علينا أن ننتظر جيلاً آخر لكي يحصل التغيير في مجتمعات دخلت ودولها طور الانهيار؟!


(النهار اللبنانية)