قضايا وآراء

عندما تنضم بوليفيا والأرجنتين لجامعة الدول العربية!

1300x600
يبدو أن الدم العربى قد بات بارداً بفعل طعنات التغريب والأمركة وانصهار الحكام والأنظمة العربية فى المنظومة الصهيونية العالمية  حتى صاروا لا يدورون سوى فى فلك الغرب بعيداً عن محيطنا العربى الإسلامى، فى الوقت الذى تساقطت على فضاءنا العربى نسمات عليلة من دماءٍ عربيةٍ أصيلة تحمل فى طياتها رائحة إسلامية عطرة تفوح بالنخوة والمروءة لطالما افتقدناها فى نظامنا العربى الرسمى لأنها للأسف ليست عربية فى حقيقتها أو هويتها بل تطايرت علينا من الجنوب اللاتينى (أمريكا الجنوبية) على خلفية الحرب الصهيونية الهمجية الأخيرة على أهالينا فى قطاع غزة الصامدة.

فى الأزمات والملمات والحروب والنكبات تظهر معادن الرجال والنفوس وتفرز الغث من الثمين، فكما يُعرف الخبيث نكتشف الطيب من مواقفه.. وهذا لما لمسناه على أرض الواقع من مواقف دول أمريكا اللاتينية لاسيما بوليفيا والأرجنتين والسلفادور وبيرو وشيلى ، فها هى بوليفيا تعلن على لسان رئيسها (إيفو موراليس) وضع الدولة الصهيونية على قائمة الدول الداعمة للإرهاب وتطرد السفير الاسرائيلى وكانت قد سحبت دول السلفادور وشيلى وبيرو والإكوادور سفراءها من تل أبيب واستدعت رئيسة البرازيل "ديما روسيف" سفيرها من تل أبيب ، بينما دعت كل من الأرجنتين وكوستاريكا اللتان لديهما نسبة كبيرة من السكان اليهود ، سفراء إسرائيل لديها إلى اجتماعات عاجلة بوزارات الخارجية لكل منهما ، وكل ذلك احتجاجاً على جرائم الحرب التى ترتكب بحق الشعب الفلسطينى فى غزة وتضامنا مع معاناة الشعب الفلسطينى ، وكانت بوليفيا وفنزويلا قد قطعت علاقاتهما مع الدولة الصهيونية إبان عدوان (2008 – 2009) أيضاً ، فى الوقت الذى  سمعنا وقرأنا ورأينا رأى العين على الجانب الآخر دعماً إعلامياً وسياسياً واستخباراتياً عربياً رسميا للعدو الصهيونى فى مهمته للقضاء على حركة حماس خاصةً والمقاومة عامةً من تعمد إحكام حصار خانق لتجويع شعب عقاباً له على احتضان المقاومة فى تواطؤٍ لا تنكره عين عاقل على الدين وحق الأخوة وحقائق الجغرافيا والتاريخ! ، فلم يحدث أن تم سحب سفير الكيان الصهيونى أو إبلاغه احتجاجنا الرسمى على العدوان فى كلٍ من مصر والأردن اللتين تجمعهما علاقات دبلوماسية ورسمية طبقاً لاتفاقيتى (كامب ديفيد ووادى عربة) مع المحتل فضلاً عن دول وأنظمة عربية أخرى تجمعها علاقات سرية وعلنية سياسية واقتصادية وتنسيق أمنى على أعلى مستوى وتماهياً مع السياسة والمصالح الصهيونية ، ذلك إنه من المحزن معاداة أمريكا اللاتينية للكيان الصهيونى علناً حكومة وشعوباً فى الوقت الذى يعلن فيه (شمعون بيريز) أنه لم يعد هناك دولة عربية معادية لإسرائيل وكأن الأمر لا يعنينا وكأن غزة فى جزر البهاما !.

وفى خطابها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها ال69(24 سبتمبر) الماضى فاجئت رئيسة الأرجنتين(كريستينا فرنانديز دى كيرشنر) الجميع وانتقدت النظام العالمى الغربى الذى تقوده الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن تقطع وسائل الإعلام بث الكلمة فى سابقة لم تحدث من قبل مع قادة ومسئولين دوليين . وانتقدت الطريقة التى تتبعها الأمم المتحدة فى التعامل مع "الإرهاب" مشيرة إلى أن هناك إرهاباً اقتصادياً يوازى فى خطورته الإرهاب العسكرى (فى إشارة واضحة لسياسات الإدارة الأمريكية ) وقالت إن" الإرهاب ليس بالقنابل والتفجيرات والقتل ، بل هناك إرهاب اقتصادى أيضاً تمارسه الدول فى تجويع الشعوب ، اجتمعنا منذ عام عندما كنتم تعتبرون نظام الأسد ارهابى ، وتدعمون المحاربين الذين كنا نعتبرهم ثوار، أما اليوم فنحن نجتمع لمحاربة تصرفات الثوار الذين أصبحوا أعضاء فى تنظيم داعش. وتابعت متسائلةً " من أين تحصل داعش والقاعدة على أسلحتها؟! " واستنكرت الرئيسة الأرجنتينية الحرب العنيفة على ما يسمى بالإرهاب على خلفية أحداث 11 سبتمبر 2001 واستباحة بلاد كالعراق وأفغانستان وقتل أهلها تحت هذا العذر ومازالت هاتان الدولتان تعانيان من الإرهاب بالدرجة الأولى. وعن الربيع العربى قالت دى كيرشنر " كان هناك الربيع العربى ، والذى انتهى (على حد قولها) بأن كان خريفاً لا ربيعاً بل شتاءً ، وتحولوا من مقاتلين من أجل الحرية إلى مضطهدين ، أو أشخاص يجب أن يلقوا فى السجون." وأضافت فى نصيحةٍ حكيمة لن تجد بالطبع آذاناً صاغية من عالَمٍ يتعامل بازدواجية فى المعايير والكيل بألف مكيال " علينا أن نجد وسيلة لمحاربة الإرهاب لا تتعارض مع حقوق الإنسان ، إنها مهمة الأمم المتحدة ، هذه هى الطريقة الوحيدة التى يمكننا ترك عالم أفضل لأطفالنا."

 وشددت كريستينا على دعمها قيام دولة فلسطينية مستقلة ، وعن العدوان الصهيونى على غزة قالت بحسٍ إنسانىٍّ نفتقده فى حكامنا المنشغلين بالحفاظ على عروشهم ونبرة تقريع للنظام العالمى الغربى الصهيونى" شاهدنا هول ما ارتكبته إسرائيل فى غزة وكم سقط من قتلى، وكل ما همكم من الأمر هو الصواريخ التى سقطت على إسرائيل والتى لم تحدث خسائر ، علينا مراعاة حقوق الفلسطينيين أيضاً.

من جملة المواقف المشرفة لدول أمريكا اللاتينية والتى تتسق مع نبض الشعوب الحرة الحيّة ينبغى أن نشير هنا إلى أمرٍ هام قد يفسر لنا لماذا تصدر تلك المواقف المشرفة من قادة هذه الدول وهو أن هؤلاء الحكام جاءوا إلى الحكم بإرادة شعبية شرعية حرة عبر عملية ديمقراطية شفافة ونزيهة ، لذا جاءت المواقف متسقة إلى حدٍ كبير مع إرادة شعوبها بل ونبض الأحرار على مستوى العالم أيضاً ، ومنتصرةً لقضايا المعذبين والمظلومين ، ورغم التقارب الواضح بين شعوب أمريكا اللاتينية وشعوب منطقتنا العربية والإسلامية كشعوب عالم ثالث ، لكنهم تميزوا عنا فى العقد الأخير مع بدايات القرن 21 أنهم تمردوا على التبعية للقرار الأمريكى (حيث كانت أمريكا اللاتينية الفناء الخلفى للولايات المتحدة فى أدبيات السياسة الأمريكية) وتحرروا من أسر النفوذ والاحتلال الأمريكى السياسى والاقتصادى  واستعادوا حريتهم واختاروا من يمثلهم ويلبى طموحاتهم فكانت المواقف على قدر حسن الاختيار القائم بالأساس على الإنعتاق من أى تبعية أجنبية وبالتالى يتحقق الاستقلال الوطنى فكانت النتيجة الطبيعية لاسترداد الحرية أن حدثت طفرة اقتصادية ملموسة خاصة فى البرازيل والنمو الملفت فى الأرجنتين بعد أن كانتا على شفا الإفلاس، الأمر الذى يجعلنا نغبط تلك الدول على قادتها ورؤساءها ونأمل ألّو كانوا أعضاءً فى جامعة الدول العربية التى لم يلمس لها المواطن العربى أى دور مؤثر ملموس ينتصر لهمومه وقضاياه العادلة.!.