صحافة دولية

كتاب جديد لكيسنجر يعالج البؤر الملتهبة في المنطقة

هنري كيسنجر - أرشيفية
في فصل من فصول كتابه الجديد الذي سيصدر تحت عنوان "النظام العالمي: تأملات في شخصية الأمم ومسار التاريخ" قال وزير الخارجية الأمريكي الشهير هنري كيسنجر، في مقتطفات نشرتها صحيفة "صاندي تايمز" البريطانية إن نظاما أمنيا إقليميا أو دوليا فاعلا كان بإمكانه منع أو على الأقل احتواء الكارثة في سوريا. 

وقال، إن تدخلا خارجيا كبيرا كان يمكنه إحباط القوى المتنافسة في سوريا، ولكن هذا الحل كان يقتضي التزاما عسكريا طويل الأمد؛ للحفاظ على النظام، وفي ظل ما جرى في من تدخل في العراق وأفغانستان، فلم يكن هذا الخيار قابلا للتطبيق.

 كما أن إجماعا سياسيا في العراق كان كفيلا بوقف النزاع على الحدود السورية، لكن النزعة الطائفية لحكومة بغداد وتوابعها الإقليمية كانت تقف في طريق تحقيق ذلك. وكبديل عن ذلك كان يمكن للمجتمع الدولي فرض حظر لتصدير الأسلحة على سوريا والجماعات المسلحة، ولم يكن هذا ممكنا بسبب تضارب أهداف الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. وفي حالة عدم التمكن لحل عبر الإجماع أو فرضه بالقوة فسيتحقق بثمن كارثي.

مشهد تغيير

ويقول "كيسنجر": إن الثورة السورية بدأت كإعادة لمشهد الثورة في مصر. ومن هنا شددت الولايات المتحدة على أهمية الحل السياسي من خلال الأمم المتحدة القائم على رحيل بشار الأسد من السلطة وتشكيل حكومة ائتلافية. ولكن الخوف زاد عندما استخدمت الدول الأعضاء الدائمة العضوية الفيتو ورفضت دعم خطوات للعمل العسكري أو أية إجراءات أخرى عندما ظهر أن قلة من القوى المعارضة في داخل سوريا يمكن وصفها بالديمقراطية علاوة بكونها معتدلة. 

وهنا اكتشفت الدول الكبرى أن النزاع في سوريا لم يعد متعلقا بتنحية الأسد. فاللاعبون الرئيسيون، السوريون والإقليميون تعاملوا مع الحرب كلعبة لتحقيق النصر لا الديمقراطية. وكانوا مهتمين بالديمقراطية طالما انتهت بتنصيب الجماعة التي يدعمونها، ولم تحبذ نظاما يضمن التحكم بجماعتها.
فلم يهتم اللاعبون في حرب كان غرضها الرئيسي فرض المعايير الإنسانية دون اعتبار للمصالح الجيوستراتيجية والجيودينية. فالنزاع كما نظرت إليه تلك القوى لم يكن بين ديكتاتور وقوى ديمقراطية، ولكن بين طوائف سورية متنافسة وداعميها الإقليميين. وبناء على هذا الرأي فالحرب هي التي ستقرر أي من الطوائف السورية الكبرى ستنجح في السيطرة على الآخرين وتسيطر على ما تبقى من الدولة السورية.

وبناء على ذلك قامت القوى الإقليمية بإرسال الأسلحة والأموال والدعم اللوجيستي نيابة عن الجماعات والطوائف المفضلة لها، فالسعودية ودول الخليح دعمت الجماعات السنية، وإيران دعمت الأسد من خلال حزب الله. ومع دخول المعركة حالة من الجمود، مالت الكفة لصالح الجماعات الراديكالية التي تخوض معارك تتسم بالوحشية ولا تلقي بالا لحقوق الإنسان. وأدى النزاع إلى إعادة رسم الشكل السياسي في سوريا، وربما المنطقة. فقد قام الأكراد السوريين بإنشاء منطقة حكم ذاتي خاصة بهم على طول الحدود التركية والتي قد تندمج مع مرور الوقت مع حكومة إقليم كردستان في شمال العراق، فيما ترددت الأقليات الدرزية والمسيحية التي خشيت تكرارا لما حدث في مصر وتصرفات الإخوان المسلمين تجاه الأقليات بدعم إبقاء النظام. ويقوم "تنظيم الدولة" ببناء خلافة في المناطق التي سيطر عليها في كل من سوريا وغرب العراق، حيث أثبتت كل من بغداد ودمشق عجزا عن فرض هيبة الدولة. 

معركة بقاء

وتجد كل الأطراف نفسها في معركة بقاء أو كما في حالة الجماعات الجهادية في نزاع يسبق القيامة، عندما ترددت الولايات المتحدة في حرف الميزان العسكري، ربما كما ظنوا لهدف ذاتي وهو تحقيق صفقة مع إيران لأنها لم تعد مهتمة بقضايا وظروف الشرق الأوسط وميزان القوى فيه.

ففي الوقت الذي طالبت فيه الولايات المتحدة العالم الوفاء بوعود الديمقراطية وتطبيق المبادئ القانونية الدولية وحظر الأسلحة الكيماوية، قامت قوى كبرى أخرى مثل الصين وروسيا بالرفض مستندة إلى مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.

وتعاملت هذه القوى مع الانتفاضات في تونس وليبيا ومصر والبحرين وسوريا عبر عدسة الاستقرار الإقليمي الخاصة ومواقفها الخاصة المتعلقة بالمناطق المضطربة التي يعيش فيها المسلمون. فقد  كانت واعية لقوة ومهارة المقاتلين السنة، ولهذا خشيت من أن تحقق انتصارا ضد الأسد.

ومن هنا تحولت الانتفاضة السورية التي بدأت بالدعوة للقيم الديمقراطية، ثم حالة من تشظي المعارضة وانهيار الإجماع الدولي إلى أكبر كارثة إنسانية في القرن الحادي والعشرين وانتقلت لتؤثر على المنطقة كلها.

الربيع العربي

 ويقول إن الربيع العربي بدأ كانتفاضة جيل جديد يدعو لليبرالية الديمقراطية التي سريعا ما نحيت جانبا وعرقلت وسحقت. وأثبتت القوى المتجذرة في الجيش والدين في الأرياف أنها قوية وأكثر تنظيما من العناصر المنتمية للطبقة الوسطى التي كانت تتظاهر مطالبة بتحقيق الديمقراطية في ساحة التحرير.

ومع عودة النظام العسكري للحكم في القاهرة فقد عاد النقاش من جديد حول أهمية الحفاظ على المصالح الأمريكية وأهمية نشر الحكم الشرعي وحقوق الإنسان.

 السعودية

ويشير إلى أن السعودية كانت في ساعات حاسمة من خلف الأضواء شريكا للغرب في كل المغامرات الأمنية الإقليمية، ومنذ الحرب العالمية الثانية، عندما تحالفت مع دول الحلفاء. ولكنه يرى أن حكام المملكة أخطأوا خطأ إستراتيجيا فادحا عندما افترضوا من الفترة ما بين الستينيات من القرن الماضي وحتى عام 2003 أنهم يستطيعون دعم الراديكالية الإسلامية في الخارج بل والتحكم بها دون أن تهدد وضعهم في الداخل.

فالهجمات الخطيرة التي قام بها تنظيم القاعدة عام 2003 أظهرت القصور القاتل في الاستراتيجية التي حاولت العائلة التصدي لها من خلال عملية مكافحة التمرد. وبظهور الحركات الجهادية في سوريا والعراق فقد تم فحص هذه الإستراتيجة مرة ثانية.

لا عودة للسيادة

ويتوقع "كيسنجنر" أن كلا من العراق وسوريا البلدان اللذان كانا قاعدة القومية العربية لا يستطيعان العودة وتوحيد نفسيهما كما كانا في السابق دولا ذات سيادة.

ويرى كيسنجر أن الصراع في كل من سوريا والعراق والمناطق المحيطة بهما أصبح رمزا لظاهرة غير محمودة العواقب. ومن هنا تتفكك الدولة إلى وحدات طائفية وقبلية بعضهما يمتد فوق الحدود الوطنية تعيش حالة من النزاع العنيف فيما بينها وتتلاعب بها قوى وفصائل من الخارج، ولا تحترم قواعد عامة غير استخدام القوة.

فبعد الثورة أو تغيير النظام بدون قبول سلطة جديدة كسلطة شرعية من قبل الغالبية الساحقة فإن عددا من الفصائل المتنوعة ستظل تخوض نزاعا مفتوحا مع القوى المنافسة لها، مما يعني تحول أجزاء من البلد إلى مناطق تعيش فيها الفوضى  بشكل لن تكون فيه الحكومة المركزية قادرة أو لا تملك الاستعداد لفرض سيطرتها على حدودها الوطنية أو الكيانات غير- الدول مثل حزب الله والقاعدة وطالبان وتنظيم الدولة. وحدث هذا في العراق وليبيا وإلى حد كبير وخطير في باكستان. 

ويشير الكاتب إلى أن سياسات الولايات المتحدة  ودعواتها لتشكيل قوىً ديمقراطية عادة ما كانت تؤدي للفشل كما في حالة شاه إيران أو لا يلقى لها بالا كما في مصر التي أطاح فيها عبد الفتاح السيسي بالحكومة المنتخبة. وعلى ما يبدو لم يستمع لمطالب أمريكا بحثا عن تحالفات جديدة، مبتعدا عن الحلف التقليدي مع واشنطن. وفي حالات كهذه يجب على الولايات المتحدة أن تقرر بناء بناء على ما يمكن تحقيقه ويجمع ما بين الأمن والأخلاق.

 وفي العراق لم يؤد حل نظام صدام حسين القاسي إلى ديمقراطية بل انتقام، حيث عمل كل فصيل على تعزيز سلطته ضد الفصيل الآخر.

 وفي ليبيا فقد أدت الإطاحة بنظام معمر القذافي إلى نزع أي مظهر من مظاهر الحكم الوطني. وقامت الجماعات والقبائل بتسليح نفسها من أجل تحقيق الحكم الذاتي أو التسيد عبر الميليشيات المستقلة. وفي الوقت الذي حصلت فيه حكومة مؤقتة في طرابلس على اعتراف دولي إلا أنها لم تكن قادرة على فرض سيادة خارج العاصمة. وانتشرت الجماعات المتطرفة، مما أدى لاندلاع الجهاد في الدول الجارة مستخدمة السلاح الذي نهبته من ترسانة القذافي.

 ويقول "كيسنجر"، عندما لا تكون سلطة الدولة مفروضة على كل البلاد يتفكك معها النظام الإقليمي والدولي، وتصبح الخريطة معلمة بمناطق خارجة عن القانون والنظام. ومن هنا فانهيار الدولة قد يؤدي إلى تحويل أراضيها لقاعدة للإرهاب وتهريب السلاح والحقد الطائفي ضد الجيران.

محاور القتال

ويشير إلى أن المحاور التي أصبحت خارجة عن سيطرة الدولة أو الجماعات الجهادية تمتد على مساحة العالم الإسلامي من ليبيا إلى مصر واليمن وغزة وأفغانستان وسوريا والعراق ونيجيريا ومالي والسودان والصومال. بالإضافة للنزاعات الأخرى التي انتقلت للجوار مثل ما يجري في جمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان.

وفي ظل هذا الفراغ يقول "كيسنجر" إن الشرق الأوسط يعيش وسط نزاع يشبه ما واجهته أوروبا في القرن السابع عشر من حروب دينية. 

وفي الدول التي لم تستطع الدولة فيها الحفاظ على سلطتها فإنها تمارسها بدون قيد أو شرط وكوسيلة للبقاء. وفي الدول التي تتفكك فإنها تتحول لساحة منافسة بين القوى المحيطة بها والتي يتم فيها فرض السلطة دون اعتبار لحقوق الإنسان والكرامة البشرية.

ومن هنا فالنزاعات التي تتكشف اليوم هي دينية وجيوسياسية. وفيها كتلة سنية مكونة من السعودية ودول الخليج، وإلى حد ما مصر وتركيا في مواجهة مع إيران الشيعية التي تدعم حصة الأسد في سوريا وبغداد وعدد من الجماعات الشيعية وحزب الله في لبنان وحماس في غزة.

وتدعم الكتلة السنية الإنتفاضة في سوريا ضد الأسد وفي العراق ضد بغداد. وفيما تقوم إيران الطامحة لتوسيع نفوذها في المنطقة باستخدام كيانات غير دول مرتبطة بإيران وأيديولوجيتها حتى تؤثر على شرعية منافسيها. وفي هذه المعركة يحاول المشاركون في الحرب البحث عن دعم من الخارج مثل روسيا والولايات المتحدة.

ويرى أن أهداف روسيا في دعمها للنظام تظل إستراتيجية، ففي الحد الأدنى لمنع تحول انتقال الجماعات الجهادية في كل من العراق وسوريا للوصول إلى مناطقها المسلمة، وعلى قاعدة أوسع تطمح روسيا لتعزيز موقعها الدولي فيما يتعلق بالمنافسة مع الولايات المتحدة. 

وتحدث "كيسنجر" عن الطريقة التي تحولت فيها دعوة حسن البنا مؤسس الإخوان لبناء نظام عالمي لنزعة رافضة للعالم على يد من جاء بعده من مفكري الحركة الإسلامية خاصة سيد قطب.