مقالات مختارة

انتصرت فلسطين

1300x600
كتب طلعت رميح: انتصرت المقاومة لأن عدوها لم يحقق أهدافه، وما الحديث عن هدف تدمير الأنفاق إلا محاولة لصناعة هدف غائم تخفي إدارة نتنياهو خلفه فشل حملتها وعدم قدرة جيشها وفق الخطة التي حددت للعدوان على تحقيق أهدافه..

وانتصرت المقاومة لأن الشعب الفلسطيني دخل المعركة وهو في وضع الانقسام بين قواه السياسية فضلا عن تبنى كل تيار لنمط وأهداف تختلف عن الآخر، وخرج من المعركة وهو على قلب رجل واحد، بما يمنع تلاعب بعض القوى بوحدة الشعب مجددا.


وانتصرت المقاومة لأنها منعت جيش الاحتلال من إنفاذ إستراتيجية الحرب الوقائية والحسم السريع ودفع عدوه إلى دائرة رد الفعل – كما حدث في الحروب السابقة بين هذا الجيش والجيوش العربية- ولأنها حولت العدوان الخاطف إلى حرب ممتدة متواصلة، أكرهت خلالها هذا الجيش على التحول إلى وضعية الدفاع بمفاجآتها الهجومية خلف خطوطه، فضلا عن منعها له من ممارسة هوايته الإستراتيجية الدائمة باحتلال الأرض ثم التفاوض على تركها بمقابل سياسي كبير.

وانتصرت المقاومة حين تمكنت باحترافية عسكرية – تخطيطا وإعدادا مسبقا- من شن هجمات مضادة عبورا من تحت الأرض ومن جوف البحر، بما أضعف الروح المعنوية لقادة وجنود الجيش الصهيوني وأربك خططهم ووسع حشدهم للقوات العسكرية على الحدود وفي القتال، بما أتاح فرصة أوسع للمقاومة لقتل عدد أكبر من الجنود..

وانتصرت المقاومة حين أجبرت القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية على تغيير قراراتها بشكل علني، فإذ أصرت إسرائيل والولايات المتحدة خلال مفاوضات الهدنة الأولى -72 ساعة-على استمرار قواتها في أعمال القصف والقتل واستمرار بقائها في تلك الأمتار الخالية التي توغلت فيها، فقد أجبرت وبدون اتفاق ولا إعلان مشترك على سحب قواتها مع بداية سريان الهدنة الأخيرة، إذ لم تبق أي جندي ولم يقصف مدفع واحد ولا طائرة واحدة.. والفضل هنا لتلك العملية التي جرت في رفح قبل بداية الهدنة السابقة التي أعلنت إسرائيل أنها ستجرى مع استمرار احتلال الأرض ومواصلة القصف.

بعد عملية رفح، أدرك الإسرائيلي أن المقاومة قادرة على مواصلة القتال وأنها لن تخدع وأنها لن تتركه يحتل شبرا من الأرض يفاوض على الانسحاب منه. وانتصرت المقاومة أخلاقيا وإعلاميا عدة مرات.. فهي لم تقتل إلا جنودا إسرائيليين فيما الجيش المعادى لها لم يقتل بالدرجة الأولى إلا مدنيين، وهي أوقفت العالم على أقدامه وأثبتت أن لا حيلة للجيش العدو أمام قدرتها، حين أعلنت عن موعد قصف تل أبيب، وطلبت من الإعلام العالمي متابعة ما سيجري ونفذت ما وعدت بما هز صورة ومكانة الجيش العدو أمام السكان وهز صورة القيادة السياسية.

صاروا عاجزين، فيما المقاومة باتت هي القادرة.. وانتصرت المقاومة حين تمكنت من نقل المعركة السياسية إلى داخل صفوف خصمها وعدوها، إذ كل المحللين الإسرائيليين تحدثوا عن أن لحظة وقف إطلاق النار على غزة، هي ذاتها لحظة إطلاق النار في القدس وتل أبيب بين الفرقاء السياسيين الذين يحملون بعضهم البعض أسباب فشل جيشهم وقيادتهم السياسية.

وانتصرت المقاومة حين أربكت خطوط العلاقات الإسرائيلية الأمريكية وأوصلتها إلى درجات التلاسن والهجمات، والهجمات المضادة علنا، بما جعل كيري يكشف عن نصر المقاومة، حين كشف النقاب عن أن نتنياهو هو من طلب منه التدخل لوقف إطلاق النار.. وانتصرت المقاومة بفعل ما حققته من مواقف رسمية دولية وشعبية عالمية تدين إسرائيل وتكشف حقيقة مواقفها وتنهى الصورة المزيفة التي أنفقت على نشرها في كل مكان.

وانتصرت المقاومة حين كشفت كل حلفاء الصهاينة، عربيا وإقليميا ودوليا وعرت صورتهم أمام شعوبهم، وهو أمر له ما بعده، بل أن المقاومة نجحت في كشف التحالفات الإقليمية والدولية المستترة وفضحها من خلال صمودها.. وانتصرت المقاومة حين أدى صمودها وقوتها ومفاجآتها العسكرية وقدراتها السياسية على نيل ثقة المواطن الفلسطيني وتعزيز ارتباطه بالمقاومة، وهدف تحرير الأرض عبرها.. كان صمود الشعب في هذه الجولة مرتبطا بكل المعاني التي صمد على أساسها في جولات العدوان السابقة وتحمل خلالها كل الآلام، وزاد عليها في هذه المرة، أن رأى الشعب قدرة المقاومة على منع العدو من الاحتلال وإجبار عدو الشعب الفلسطيني على دفع ثمن باهظ من دماء جنوده، فتحولت المقاومة بحق إلى جيش الشعب الفلسطيني.

وبانتصار المقاومة لم تنتصر هي ولا غزة وحدهما، بل انتصر الشعب الفلسطيني.. الشعب الفلسطيني هو من انتصر.. تلك حرب ممتدة منذ قرن من الزمان تتبدل فيها عناوين المقاومة وحركاتها ومناهجها والثابت هو هذا الشعب الذي لم يترك مكانا يتواجد فيه إلا وقاوم منه ومن خلاله، ونضاله هو من أنتج المقاومة ونصرها.

(عن صحيفة بوابة الشرق القطرية 8 آب/ أغسطس 2014)