مقالات مختارة

الفلسطينيون: مجتمع مختطف

1300x600
كتب أفراهام بورغ: ليس لدينا القدرة على فهم معاناة مجتمع، ولا سماع آهاته، ولا إدراك مستقبل أمة بأسرها تم اختطافها من قبلنا.
 
تعتصر قلوبنا ألماً على الفتيان الثلاثة الذين لم نكن نعرف هوياتهم قبل فترة قصيرة، ولكنهم باتوا الآن ينتمون إلينا جميعاً، فكل واحد منهم يشبه واحداً من أبنائي، ويشبه ابن كل واحد من أصدقائي وأصدقاء أصدقائي.
 
مثل كل الناس، أتمنى من كل قلبي أن تأتي اللحظة التي نراهم فيها بيننا على قيد الحياة، وأن يتلاشى كل هذا التوتر ليحل محله شعور بالارتياح. آمل، وأنا أرتعش حقيقة، ولكني لا أستطيع ولا أريد أن أتجاهل الحقيقة المكتومة التي تحيط باختطافهم.
 
هؤلاء الأولاد الثلاثة في الحقيقة غير محظوظين، إنهم غير محظوظين بسبب مصيدة الخوف التي تم اصطيادهم بها، بسبب عدم اليقين، وبسبب أن حياتهم معرضة لخطر عظيم. قلوبنا تتألم، ومشاعرنا معهم ومع عائلاتهم، وذلك أنهم، وخلال ومضة عين، ألجئوا إلى مواجهة الناس تحت الأضواء. وهؤلاء المراهقون غير محظوظين بسبب الكذبة التي عاشوا فيها حياتهم - حياة يفترض فيها أنها طبيعية، حياة قامت على قواعد أعظم المظالم الإسرائيلية: ألا هو الاحتلال.
 
والآن، دعونا نتحول من بؤسهم إلى بؤسنا. بالنسبة لنا، الحدث الدراماتيكي أو المؤلم يشكل على الدوام لحظة في غاية الوضوح والدقة والشفافية. كل الخطط، وكل الفشل، وكل المخاوف وكل الآمال، تنفجر.
 
لدينا هنا رئيس وزراء إسرائيل الضحل وشرطة إسرائيل الخرقاء، والجماهير التي تتعلق بصلوات لا طائل منها بدلاً من أن تمسك بلحظة سلام إنساني. ولدينا هنا كبار حاخامات البلد المنافقون، الذين طالبوا البابا قبل شهر واحد فقط بوعود تتعلق بمستقبل الشعب اليهودي ولكنهم في حياتهم اليومية يمارسون الصمت بشأن مصير شعب جار لنا يدك تحت وطأة الاحتلال والعنصرية التي تمارسها قيادة حاخامات يتلقون أموالاً طائلة على هيئة رواتب وبدلات. 
 
وفجأة تقوم الدنيا ولا تقعد، وفجأة يتحول الظلام إلى ضياء شمس، هذه هي اللحظة التي يصلح أن تختبر فيها النوايا، لأنه - وكما يقال - كل شيء بات في العراء.
 
أولاً، فيما يتعلق بشخصية نتنياهو الجوفاء، لسنا بحاجة إلى قول الكثير بشأنها. ففي نهاية المطاف هو الذي قاد كافة المحادثات الإسرائيلية - الفلسطينية وحشرها في زاوية ضيقة تتعلق بقضية إطلاق سراح السجناء. وهو أيضاً، وباعترافه هو، الذي انتهك التزام إسرائيل بإطلاق سراح آخر مجموعة من السجناء الفلسطينيين، وهو أيضاً الذي أجبر السلطة الفلسطينية على أن تنحشر في زاوية التصالح مع حماس.
 
إذن، فما الذي يشكو منه بالضبط من خلال تعليقاته وحركاته الدراماتيكية والانفعالية؟ رده المباشر والمكيف والمتسرع يعطي الانطباع أنه كان ينتظر هذه اللحظة، ولو فقط من أجل أن يقول لنا “قلت لكم إن هذا سيحدث”. بعد أن قال لنا ذلك، يطفو على السطح السؤال التالي: “ما الذي يحاول إخبارنا به بالضبط؟” الإجابة المؤلمة: لا شيء على الإطلاق.
 
واليسار الإسرائيلي أيضاً، الذي كان من المفترض أن يرتقي في مستوى أدائه، أصبح كالسمكة الممدة بفيها المفتوح والمحشو بنوع من الخلطة الرمادية على طبق التيار اليميني الشره في مائدة عشاء عيد الفصح. وهذا التيار اليميني أيضاً منهمك في اقتتال على قطعة من فطيرة الشرعية المنتسبة إلى الإجماع اللزج.
 
كيف يتسنى ألا يقف أحدهم ليقول: كل من يقف على هذا الجانب من الخط الأسود يتحمل المسؤولية. ليس ذلك لطيفاً، ولكن تلك هي الحقيقة. ليست لطيفة بتاتاً، في نهاية المطاف.
 
لماذا الحديث قبل أن تحصل عملية اختطاف؟ لا أحد يستمع على كل حال لأن الأمور هادئة. ثم في اللحظة التي يخطفون فيها، يتوجد علينا ألا نتحدث (كما قال المدير التنفيذي لمنظمة “السلام الآن”)، نظراً لفقدان أبنائنا المختطفين. وحينما ينتهي كل شيء (فيما يمكن، لا سمح الله، أن يكون مأساة شخصية أو مأساة جماعية لا يأبه بها أحد)، فلماذا يتوجب علينا أن نتكلم؟ تارة أخرى، ينهمك الجميع في متابعة أخبار عارضة الأزياء الإسرائيلية بار رافائيل، أو أحداث مباريات كأس العالم أو تفاصيل فضيحة جديدة.
 
إذن، هذه أيضاً لحظة نقية من العزل، ليس عزل المساكن التي تعودنا عليها وإنما عزل القلوب. عدد قليل من الناس في تيار اليمين وفي تيار اليسار - فيما عدا جدعون ليفي ويوري ميسغاف وقلة أخرى من المعلقين الحذرين والخائفين - يحاولون استيعاب الجذور العميقة للاختطاف.
 
نعفي أنفسنا من المسؤولية حين نقول: “لقد وزعوا الحلوى” بعد سماع خبر الاختطاف. سعادتهم تسرنا وذلك لأنهم كلما ازدادوا سعادة بسبب معاناتنا ازددنا شعوراً بأننا معفيون من الاهتمام بهم وبمعاناتهم. ولكن لا يوجد مهرب من ذلك: إنه نوع من السعادة التي تتطلب دراسة وفهماً أعمق.
 
المجتمع الفلسطيني بأسره مجتمع مخطوف. كالعديد من الإسرائيليين الذين أدوا “خدمة متميزة” في الجيش، العديد من قراء هذه المقالة، أو أبناؤهم، دخلوا بيت عائلة فلسطينية في منتصف الليل بشكل مباغت وبعنف ليجروا معهم الأب أو الأخ أو العم بكل إصرار وبلا إحساس. ذلك اختطاف، ويكاد يحصل كل يوم. وماذا عن معتقليهم الإداريين؟
 
ماذا عسانا نعتبر هذا كله إن لم يكن خطفاً رسمياً، وشريراً، وظالماً، نشارك فيه جميعا دون أن ندفع له ثمناً؟ هذا هو مصير عشرات الآلاف من المعتقلين ومصير غيرهم ممن يوقفون ويمكثون في سجون إسرائيل - عدد كبير منهم بلا مبرر إذ يسجنون بالخطأ أو بحجج باطلة. والغالبية العظمى من هؤلاء يتعرضون لممارسات “العدالة العسكرية”، ولا تجد فينا من يأبه لذلك.
 
كل هذه الأشياء حولت موضوع السجناء إلى قضية أساسية باتت محور حياة الناس في المجتمع القابع تحت الاحتلال، إذ لا يكاد يوجد بيت واحد دون أن يكون أحد أفراده معتقلاً أو سجيناً. إذن، لماذا يبدو في غاية الصعوبة أن نفهم لماذا يفرحون لآلامنا، رغم ما يكتنفهم في نفس الوقت من مخاوف ومن قلق؟ لم يكن الأمر كذلك من قبل، ويمكن أن يعود كما كان.
 
ولكن، وطالما استمرت الحكومة الإسرائيلية في إغلاق كافة أبواب الحرية، وتتهرب من كافة المفاوضات الحقيقية التي بإمكانها أن تسهم في حل الصراع، وترفض عمل أي بادرة حسن نية، وطالما استمرت في الكذب وفي الانتهاك الصارخ لكل ما قطعته على نفسها من التزامات - فلن يكون أمام الفلسطينيين سوى اللجوء إلى العنف.
 
لقد ثبت بالدليل العملي مراراً وتكراراً أن الخطف يحرر المرء. وتثبت إسرائيل تارة أخرى أنها لا تفهم سوى العنف. ما الذي يحكيه هذا عنا؟ ردودنا، والتي تتراوح ما بين “إنهم يستحقون ذلك” و “جميعهم إرهابيون”  إلى “إنما كنت أنفذ الأوامر” و “لم أكن أعلم حقيقة ما يجري” - تحكي عنا أكثر مما تحكي عنهم.
 
بالرغم من النجاح الكبير والمبهر لمجموعة “كسر الصمت” (وهي منظمة غير حكومية تجمع شهادات من الجنود الذين خدموا في الضفة الغربية)، إلا أن صمتنا الجمعي ما يزال هو الأعلى ضجيجاً من حولنا، وذلك أننا على استعداد لأن نفقد عقولنا تعاطفاً مع فرد مشاغب مثل بولارد، أو بسبب شخص واحد أو ثلاثة أشخاص وقعوا ضحية اختطاف، ولكن ليس لدينا القدرة على فهم معاناة مجتمع بأسره، ونعجز عن سماع صرخات استغاثته، ولا نعبأ بمستقبل أمة مخطوفة بأسرها من قبلنا.
 
كان لابد من قول ذلك، ولابد من سماعه، في هذه اللحظة من الوضوح، ولابد من البوح به بأعلى صوت ممكن.

* كاتب المقال الرئيس السابق للكنيست الإسرائيلي
 
(عن صحيفة هآرتز)