مدونات

لماذا لم ينتصر التيار الإسلامي

حسن التركي - عربي21
مما شاع في الفترة الأخيرة على صفحات المواقع الاجتماعية أنه "إذا كان الإخوان المسلمون على حق وعلى صلة بالله فلماذا تركهم الله ليحدث الانقلاب ولم يمكّن لهم في الأرض، فلو علم فيهم خيرا لمكّنهم في الأرض".

 وحرص كل شخص يكتب هذه العبارة أن يضع في مكان ليس ببعيد عنها "أنا ولا إخوان ولا سيسى" وهى جملة صارت مصكوكة لأغلب المندسين أو من لا يعي شيئا, لأن أصحاب العقول المتميعة التي ليس لها رؤية ولا مبدأ من الحياة هم أجدر الناس بعدم الاحترام، وهم أكثر فئة يعانى منها أي مجتمع في حالة بناء وهو ما يستدعى في أذهاننا قول مارتن لوثر كنج " أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يبقون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة".

وعندما بحثت عن مرد هذه الجملة وجدتها على بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مثل صفحة "الشرطة المصرية" و "الجيش المصري" وهى صفحة غير رسمية للجيش -على ما أعتقد- وصفحة أحمد شفيق والعقيدة المسيحية "Christian Dogma" مما يعنى أنها جملة –كما ظننت- لم تدرج على لسان هؤلاء بطريقة عفوية أو تحليلية ولكنها تدبير عقل أراد الفتنة بالترويج لهذه الفكرة أيا كان من أطلقها. 

وهو عقل سطحي في التفكير ولكنه يعتمد على غباء المرددين دون وعى معتمدين على الضغط الإعلامي وفزاعة الإخوان المسلمين وتلك الهالة من الإرهابية والتفجيرات التي ألصقها بهم الإعلام المصري.

إن الدين – أى دين- له جانبان هما "الصحة والصلاحية" والصحة تعني مجمل الشروط التي تثبت صحة هذا الدين من عوامل الإعجاز تارة والمنطق تارة أخرى وغيرها. 

والصلاحية تعني صلاحية أتباع هذا الدين في حمل الرسالة ومدى مطابقة حركاتهم الحياتية لأوامر الدين وهو ما عبرت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن رسول الله فأجابت: "كان قرآنا يمشى على الأرض". والحكم على هزيمة الإخوان المسلمين – وهم من أكثر الناس التزاما وتدينا وفهما صحيحا للدين كما علمناهم علم اليقين ولم نُحدث عنهم - لا يقدح فقط في صلاحيتهم لحمل أمانة الدين أو في تدينهم بالمعنى البسيط والتزامهم أوامر الله ونهجه فحسب, بل ويقدح كذلك فى صحة الدين.

لأننا لو اتخذنا الهزيمة في صراع ما أو حرب كمقياس للصلاحية لكان أولى بنا أن نقول أن الرسول ليس من الدين على شئ لأنهم هزموا في أحد ولكان المشركون وقتها هم حملة لواء الله ولكان هُبل أجدر بالعبادة من الله في حين أن الهزيمة أتت من مخالفة الأوامر وليس اتباعها بمعنى أن فقدان صلاحية البعض يتحمله الرسول, كما يحملون الإخوان الآن فقدان صلاحية غير المنتمين لهم الذين تحالفوا مع العسكر والدولة العميقة لهزيمة الإخوان.

ولو طبقناها على سيدنا على بن أبى طالب وهو أقرب الأمثلة إلى الحال القائم في مصر وكيف "لم يُمكّن له في الأرض" بمقياسهم وكيف ضاعت منه الخلافة وهى هزيمة في وجهة نظرهم وأن الله قد تركه وتخلى عنه في أفهامهم المضللة كما ضاعت الرئاسة من الإخوان وقتل من التيار الإسلامي 9913 – وهم من عثروا على جثثهم وفقا لأحد أصدقائي الأطباء الذين شاركوا في عملية الفض- يصبح عليا هنا ليس من الدين على شئ وهو ما يناقض جل الأحاديث التي جاءت في فضله وكونه من المبشرين بالجنة. 

وإذا ما قالوا إن عليا على شئ, أوليس يقدح هذا في ذات الله. كيف تخلى الله هنا عن أولياءه وهو قدح في صحة الدين فضلا عن صلاحيته وصلاحيتهم له. والأمثلة كثيرة هنا تفوق الوصف مثل هزيمة الحسين بن علي ومقتله وعبدالله بن الزبير وهل كان هتلر عندما غزا أوربا وروسيا ولي من أولياء الله الصالحين ومن الأربعة المبشرين بالجنة على رأى إحدى الممثلات!.

إذن لماذا هُزم التيار الإسلامي وعلى الرأس منهم الإخوان المسلمون؟

لابد قبل الإجابة على هذا السؤال أن يحدد كل منا المنظور أو وجهة النظر (Perspective/s) التي سيعالج منها القضية وهناك وجهتان نظر لا غير لتحديد محاور الإجابة على هذا السؤال وهما وجهة نظرنا كمسلمين / مؤمنين أو وجهة نظرنا من الناحية الإنسانية البحتة وبعيدا عن عامل الدين وعن قناعاتنا الإيمانية:

ذكرنا فى مقال لنا سابق على صفحات جريدة الصفوة تحت عنوان "الانقلاب العسكري نقمة أم نعمة؟" أن الانقلاب العسكري ورغم المجازر التي أحدثها قد شكّل محاور القضية الإسلامية وبعثها من مكمنها, وهو ما يردنا إلى فلسفة هيجل وتفسيره لحركة التاريخ, فكل حركة تاريخ عند هيجل يحكمها مبدأ التعارض الذي يتكون من القضية ونقيضها, فحركة التاريخ لديه لا تتوقف عند القضية ذاتها ولكن تمتد هذه الحركة وفقا للفعل ورد الفعل إلى أن تنبثق عنها نقيض القضية بصورة واضحة وتتكون أبعادها وصولا إلى الغاية, وهو ما لم يدركه قادة الانقلاب العسكري واعتقدوا عن جهل بفلسفة التاريخ أن مصر لقمة سائغة ليست عصية فجميعهم لديه عقدة "عبد الناصر" وهو تمثيل دور الزعيم وشعب النعاج الذي يصدق كل أكاذيبه وخرافاته.

وعليه فواجبي كمؤمن أن أعتقد قبل العمل بأن هذا من تدبير الله ليمهد السبيل والرأي العام المصري وهو ما رأيناه من حجم المقاطعة في مهزلة الانتخابات وكذلك الرأي الدولي وتعاطف الشعوب مع التيار الإسلامي في محنته وليميز الخبيث من الطيب ولا شك فالتيار الإسلامي عائد لا محالة لأنه مرتبط بفكرة دينية وهى أقوى أنواع الأفكار لأنها تمس عقيدة الفرد وانتمائه وهو ما يمثل حاجة ضرورية من حاجات الإنسان السوي وهى الانتماء والكل مجتمع حولها وليس يجتمعون حول شخص زائل لا محالة أو الإنسان الإله كما يسمى أو حول عجل بني إسرائيل في حقيقة الأمر.

إن الأدعى ألا نقول كلمة هزيمة إذا ولكن قد نقول عثرة التيار الإسلامي أو عدم انتصاره نتيجة عوامل كثيرة معظمها خارج التيار الإسلامي كخديعة العسكر لكل التيارات وكونهم الطرف الثالث في كل الأحداث المبهمة التي حدثت, وكذلك الخيانة التي مُنى بها التيار الإسلامي سواء من التيارات الليبرالية أو من بني جلدتهم من التيار السلفي (الذراع السياسي لأمن الدولة كما تبيّن), وكذلك في الخروج على الحاكم وعدم النصرة من الشعب المشحون ضد الإخوان المسلمين من قبل الإعلام.

أما عن خطأ التيار الإسلامي ذاته فيتمثل في الصمت الثوري وهو ما تحدث عنه فيلسوف النهضة والحضارة الإسلامية –مالك بن نبي- من أن أكثر ما يضيع الثورات هو الصمت, فهم لم يخرجوا ليصارحوا الشعب بحقيقة الأزمات والتحديات والتنصت على رئاسة الجمهورية وغيرها من الأشياء والأسرار التي يعرفونها, والتي سُجن بسببها الصيرفي وأودعت ابنته كريمة الصيرفي السجون بسبب الأوراق السرية التي كانت بحوزته والتي تدين بعض التيارات في مصر وبعض أصحاب المراكز الهامة ويعد أيضا من أخطاء التيار الإسلامي هي تلك المثالية في التعامل مع قطيع الذئاب وهو ما لخصه للدكتور الكتاتني أحد أصدقائه في قوله: "دولة مبارك سقطت وهم يتوقعون منكم أن تقطعوا رقابهم أو تضعونهم على أعواد المشانق فإن ترفقتم بهم سيلتفون من ورائكم ويقطعون هم رقابكم". وعما إذا كان البعض يتفق مع هذا أو لا يتفق ولكن يتبقى أن هذا ما حدث نصا من الإعلام والدولة العميقة.

وأما عن نظرتنا الإنسانية للأمر – وهى نظرة غير صائبة- يرى أصحابها أن التيار الإسلامي سقط بغير رجعة وهي نظرة توهمها البعض وفقا لمصالحهم وتتبعا لمساقط الدولار والريال والدرهم وأوهموا بها الشعب المسكين في كل الأحوال.

الخلاصة أن ما يسمونه هم "هزيمة الإخوان" بمنظورهم الإنساني البحت بعيدا عن عامل الدين وما نسميه نحن بالعثرة لأننا نثق في الله وصدق وعده بالتمكين في الأرض, لا يكمن في عدم صلاحية الإخوان المسلمين أو التيار الإسلامي في حمل الرسالة الإسلام المتمثلة في الدين والدولة كما لم يهزم على بن أبى طالب لعدم صلاحيته.

 ولكن السبب الرئيس هو ما لخصه لنا حوار ذلك الرجل الذي جاء إلى أمير المؤمنين على بن أبى طالب وقال له: "إن حكم عمر كان خيرا من حكمك. فرد عليه على: إن أمير المؤمنين عمر كان يحكم أمثالي أما أنا فأحكم أمثالك". 

تلك هي الخلاصة لأن الخلل ليس في حكم الإخوان ولكن مكمنه الذي أراه -بعين الباحث في علم الاجتماع- في المجتمع, وهو ما رأيناه جليا في مناداة الكثيرين بعزل النائب العام ولما تم عزله هاج نفس الأشخاص وماجوا مطالبين بعودة النائب العام ومن طالبوا بالديمقراطية كفروا بها بعد أول استحقاق لأنها ببساطة لم تأت بهم على سدة الحكم فهم كبني إسرائيل لم تجف أقدامهم من ماء البحر وقد نجاهم الله وأغرق فرعون حتى قالوا لموسى اتخذ لنا إلها كما لهم آلهة وعبدوا العجل.