كتاب عربي 21

السيسي.. زعيم قبائل البشتون!

1300x600

كأنه أقام صلحاً بين الأوس والخزرج، ليبدو سعيداً بهذا الإنجاز التاريخي، وتروج وسائل إعلامه لقيامه بالصلح بين مرتضى منصور، وأحمد شوبير. عن السيسي أتحدث!.

قديما قالت العرب: "الفاضي يعمل قاضي"، ويبدو، والله أعلم، أن عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع المستقيل، والمرشح الرئاسي، يشعر بالفراغ القاتل. وقد قال قائلهم: "إن الشباب والفراغ والجدة، مفسدة للمرء أي مفسدة". والعسكريون لديهم مشكلة تلازمهم بعد إحالتهم للتقاعد، إنهم ينامون مبكراً، ويستيقظون "من النجمة"، لذا فإن التكدير الحقيقي للعسكري أن يحال للتقاعد، فماذا يفعل عندما يستيقظ من نومه؟!.

قبل سنوات قرأت للمشير عبد الغني الجمسي، أحد قادة حرب أكتوبر، حواراً في إحدى الصحف، ووجدت الرجل لا يزال بالرغم من مرور كل هذه السنوات يحمل بداخله مرارة طازجة ضد الرئيس السادات، لأنه أقاله من منصب وزير الدفاع، وهو الذي وعده السادات بأنه سيبقى في منصبه أبداً. لكن الرجل الذي فض انتفاضة الخبز الشهيرة في سنة 1977، وذهب للسادات في استراحته بأسوان يتمطى، والسادات يستعد للهروب للسودان، ليخبره أنه "كله تمام"، فوجئ بأن الرئيس الراحل يقيله بعد أن شكره على جهوده. وهي إقالة من طبائع الأشياء، التي عمل ضدها الرئيس محمد مرسي، فأبقى على الرجل الذي وشي عنده بعدد من قادة الجيش بأنهم يخططون ضده، فأقالهم مرسي وأبقى عليه هو، إلى أن كان ما كان. 

أقصد بذلك عبد الفتاح السيسي الذي وشى بقائد الحرس الجمهوري، وقاد الشرطة العسكرية، ورئيس المخابرات العامة. ويقال إنه تحدث مع الرئيس عن مؤامرات تحاك ضده يقوم ينسج خيوطها المشير محمد حسين طنطاوي وقائد أركانه الفريق سامي عنان، فأقالهم مرسي جميعاً.

مرارة الجمسي كانت طافحة على الورق في الحوار الصحفي، بعد أكثر من ثلاثين سنة، ومردهاً أنه منذ أن أقاله السادات وهو لا يعرف ماذا يفعل عندما يستيقظ من نومه في الساعة الخامسة صباحاً، وقد اعتاد على ذلك منذ نعومة أظافره، ومنذ أن التحق بالكلية الحربية.. ويبدو أن السيسي يعاني من نفس الأزمة.. أزمة الاستيقاظ مبكراً.

في المقابلة الصحفية، ربما شعر الصحفي الذي يحاور الجمسي بأزمته فأقترح عليه أن يبدد وقته في النادي. ورد الجمسي: وهل سأذهب إلى النادي كل يوم؟!.. وما لم يقله: وهل تفتح الأندية في هذا الوقت المبكر من الصباح؟!

السيسي قدم استقالته من منصبه وزيراً للدفاع، وليس عندي معلومات إن كان لا يزال إلى الآن يذهب إلى مكتبه بالوزارة أم لا؟.. فقد تردد أن المشير طنطاوي ظل أياماً يذهب إلى مكتبه، بعد إقالته، إلى أن استوعب الموقف.

مهما يكن، فإن السيسي وإن ذهب إلى مكتبه في الأيام الأولى لتقديم استقالته فليس معقولاً أن يشغل المكتب إلى الآن، ووزير الدفاع الحالي ليس بالشخص الذي يمكن أن يقبل وضعاً كهذا. ويزيد الطين بلة، أن صاحبنا هو المرشح الذي لا يقوم بما يقوم به المرشحون، فلا حملات انتخابية، ولا مؤتمرات. وهو رجل لا ينتقل للناخبين وإنما يتم شحن من يقومون بدور رموز قبلية إليه حيث يوجد. ومكان تواجده لا يزال سرياً إلى الآن، وربما توضع عصابة علي أعين المحمولين جواً للقائه، حتى لا يعرفوا أين يوجد!.

وهذه ليست لقاءات يومية، وان كانت تحدث كل يوم، فإنها لن تستمر أكثر من ساعة وإن تخللها غداء عمل، ولا أظن أن صاحبنا بحكم النشأة والتكوين كريماً إلى هذا الحد، فهو يعتمد من وجهة نظري على قاعدة "لاقيني ولا تغديني". فالمهم هو البشاشة في اللقاء، وهي المقدمة لدى شعبنا الطيب على الاستقبال "بالمحمر والمشمر" مع وجه غير مرحب بالضيوف. وقد فطنت حملته لذلك، فجاء خطابه لأبناء الشعب المصري كل على حدة، علي هذه القاعدة: "لاقيني ولا تغديني".

لقد حصلت قناة "الشرق" التلفزيونية على تسريب مهم هو الخاص بوثيقة سرية عن رؤية الحملة في كيفية تعامل السيسي مع المشهد، وقد حصلت على نسخة منها لأنني استدعيت للتعليق عليها، وهالني خطابه المعد لكل أبناء المحافظات المصرية، كل محافظة على حدة، فهو يطلب من أبناء كل محافظة أن يقفوا معه، بعد أن يعترف بمعاناتهم، دون أن يلزم نفسه بحلول لها.

لا بأس، يعقد السيسي لقاء يومياً، لكن لا أظن أنه يكون مبكراً، لأنه إذا كان قد اعتاد على الاستيقاظ مبكراً، فان المرتب لهم أن يلتقوه، ليسوا باعة لبن، ليكونوا عنده في هذا الوقت المبكر الذي ليس رومانسياً في استقبال الضيوف. واللقاءات العاطفية تصلح في "المساء والسهرة"، أو في "ساعة العصارى".

وإزاء هذا الفراغ القاتل، ذهب السيسي بعيداً، وتصرف على القاعدة القديمة "الفاضي يعمل قاضي"، فقرر أن يكون قاضياً على طريقته، في الصلح بين المتخاصمين. وهناك قضاة شعبيون يفصلون في الخصومات، ويقومون بتوقيع العقوبات، لكن لأن الرجل حديث عهد بهذه المهنة، فهو ينهي الخصومات على طريقة: "قم قبل رأس أخيك". وربما ألهب وجدانه للقيام بهذا الدور منذ أن منحه أحفاد "شيخ العرب همام"، سيف جدهم، ليثبت بهذا اللقاء وغيره، أنه حديث عهد بالتعامل مع المجتمع المصري، ذلك لأنه عندما يلتقي برموز من قبيلة معينة، فالأصل في ظل التنافس القبلي، أن يخسر القبائل الأخرى. 

ويُذكر للسيسي أنه سيعمل بجهله في هذا الجانب على إذكاء النعرات القبلية، وهو الذي استدعى فقه القبيلة في الانتخابات الرئاسية، لأول مرة في تاريخ منصب رئيس الجمهورية، لأنه يبحث عن جماهير تؤيده خارج السياسة، على عكس اتجاه العالم الحديث. ففكرة الدولة تجاوزت مرحلة القبيلة، والعالم المتحضر قفز قفزات هائلة إلى الأمام بينما يعود بنا هو إلى زمن المجتمعات التي لم تشكل دولة.

ربما راق للسيسي أن يقوم بدور زعماء البشتون، لكن بدلاً من أن يتدخل للصلح في القضايا الكبرى وبين النوبة والهلالية مثلاً، ذهب ليقيم صلحاً بين رئيس نادي الزمالك مرتضي منصور، والمعلق الرياضي أحمد شوبير، لتلتقط الصور له ويبدو سعيداً كما لو كان أقام صلحاً بين السنة والشيعة.

ما علينا، فالرجل يتمرن على أعمال وجهاء القبائل، وهو الآن في مرحلة التدريب على ذلك، وإلى أن يقوم بالمصالحات الكبرى بين العائلات والقبائل، وبين السلطة والفصائل الفلسطينية.. بحاجة إلى أن يبدأ من هذه النزاعات البسيطة بين الأفراد. والمرحلة القادمة سيتدرب على الصلح بين الأزواج، قبل اللجوء لمحكمة "الزنانيري" للأحوال الشخصية، وهي مهمة -لو تعلمون- صعبة للغاية، وتحتاج إلى رجل هادئ، يفيض حباً وحناناً، فينثره على الجالسين في حضرته. ولا أخفي سراً أنني قمت بهذا الدور في مرحلة سابقة من عمري، ولأنني أفتقد للياقة السيسي وخصاله سالفة الذكر، فقد انتهت جميع الحالات للطلاق بلا رجعة.

ولعل المهم هنا أنه بفوز عبد الفتاح السيسي ستكون مصر قد كسبت رئيساً، وزعيماً لقبائل البشتون.. "تحت التمرين" في خبطة واحدة.

في الوثيقة السرية تعمل حملة السيسي حسابها على أنه باق معنا حتى  سنة 2050، حينها يكون قد انتقل من مرحلة "تحت التمرين" إلى مرحلة الاحتراف. ليحل محل الأخضر الابراهيمي. مع فارق بسيط!.

فالإبراهيمي يعمل مبعوثاً دولياً في المناطق الملتهبة، والسيسي مبعوثاً عاطفياً في رأب النزاعات الأسرية.