صحافة إسرائيلية

نشر وثائق عن "كامب ديفيد" تكشف لأول مرة

اتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل برعاية أمريكية - (أرشيفة)
نشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية وثائق عن اتفاقية "كامب ديفيد" التي وقعت في 17 أيلول/ سبتمبر 1978 بين الجانب المصري والإسرائيلي.

وقال الصحفي الإسرائيلي عوفر أديرت، الأربعاء، في مقال له إن الوثائق تنشر لأول مرة بعد 35 سنة على توقيع الإتفاقية.

يذكر أن اتفاقية "كامب ديفيد" وقع عليها الرئيس المصري آن ذاك محمد أنور السادات ورئيس وزراء إسرائيل الأسبق مناحيم بيغن برعاية الرئيس الأمريكي حينها جيمي كارتر في ولاية ميريلاند القريبة من عاصمة الولايات المتحدة واشنطن بمنتجع كامب ديفيد.

و"كامب ديفيد" عبارة عن اتفاقية تسوية اعتبرها كثيرون سببًا رئيسًا في فقدان مصر دورها الإقليمي والدولي، ووضع سيناء "رهينةً" في يد إسرائيل، يمكنها أن تعيد احتلالها متى شاءت بمساعدة أمريكا.

وفيما يلي نص المقال تحت عنوان "بيغن: سيأتي يوم وتسمى هذه دولة فلسطينية":

وزير الخارجية، موشيه دايان، بدأ يائسا في حديثه مع نائب الرئيس الأمريكي، وولتر مونديل، الذي جرى في فندق الملك داود في القدس في 2 تموز 1978. "أنا مجرب في المفاوضات مع العرب منذ 30 سنة، بدون نتائج، باستثناء ان بعض أولئك الذين أدرنا معهم المفاوضات قتلوا"، قال.  

محضر الحديث بين الرجلين ينشر اليوم في موقع أرشيف الدولة، إلى جانب نحو 70 وثيقة من مئات الصفحات توثق محادثات السلام المباشرة بين إسرائيل ومصر، التي بدأت بعد زيارة الرئيس أنور السادات إلى إسرائيل في تشرين الثاني 1977. النشر الكامل، تحت عنوان "بقلب أليم ولكن برأس مرفوع – من كامب ديفيد إلى اتفاق السلام"، رفع على الأنترنت بمناسبة 35 سنة على التوقيع على اتفاق سلام بين إسرائيل ومصر، في 26 آذار 1979. 

ويتضمن النشر وثائق من الغرف المغلقة للمباحثات السرية بين الطرفين، بما فيها البرقيات، الرسائل، تسجيلات المحادثات ومحاضر جلسات الحكومة وطواقم المفاوضات. وضمن أمور أخرى تكشف لأول مرة سجلات محادثات أعضاء الوفد الإسرائيلي التي سجلها بخط يده البروفيسور أهرون باراك، الذي كان في حينه المستشار القانوني للفريق الإسرائيلي المفاوض. ووثق باراك بعضا من اللقاءات الأهم، والتي لم يحضرها مسجل المحاضر. في قسم من الوثائق توجد مقاطع كاملة لا تزال محظورة النشر وخضعت للرقابة. "لهذه المحاضر، أهمية كبرى، كونها حتى الآن لم تنشر وثائق أصلية من مؤتمر كامب ديفيد"، قالوا في أرشيف الدولة. 
 
الاطلاع على الوثائق، المكتوبة بالعبرية وبالإنجليزية، بخط يد وبآلة طباعة، يبين ما الذي أدى برئيس الوزراء مناحيم بيغن الذي قضى في بداية الطريق بانه لا يمكن تصور أخلاء المستوطنات الإسرائيلية في سيناء، إلى الموافقة على أخلاء المستوطنين حتى آخرهم والقول: "كل شيء سيكون على رأسي. اطلب من عيزر أن يحميني من غيئولا كوهين".
 
وتبين الوثائق أيضا كيف نجح الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في نقل بيغن والسادات من تبادل الاتهامات إلى الصداقة والثقة المتبادلتين؛ كيف وجد وزير الخارجية دايان، رجل "العمل" سابقا صعوبة في الموافقة على أخلاء المستوطنات من سيناء، ولكنه في النهاية صرح في الكنيست: "خير السلام بدون شرم الشيخ من شرم الشيخ بدون السلام"؛ وكيف أن زميله بالذات عيزر وايزمن، رجل الليكود صرح: "اذا كان بوسعي أن اصل اليوم إلى اتفاق سلام، فاني مستعد لان أذهب إلى بتحات رفيح وأن أقول لهم غادروا".
 
وتوثق الوثائق أيضا مساهمة اريئيل شارون في المفاوضات، الذي صرح بانه "من أجل السلام"، فانه "مع إزالة المستوطنات". ومن الجهة الأخرى فأنها تكشف كيف تملص السياسيون الإسرائيليون من طلب تجميد بناء المستوطنات في أثناء المفاوضات وكيف وجدوا "صيغة" ساعدتهم على التملص من الحسم في مسألة مكانة القدس وكيف "حلوا" مسألة مستقبل يهودا، السامرة وقطاع غزة. مراجعة للمادة تساعد أيضا في الفهم لماذا تنفس الرئيس كارتر الصعداء في نهاية المسيرة وقال: "ما حققناه حتى الآن ليس اقل من معجزة. يد الرب كانت في ما تحقق".

بعد بضع ساعات من اللقاء بين دايان ومونديل، في 2 تموز 1978، جرى لقاء على مستوى اعلى، شارك فيه رئيس الوزراء بيغن  أيضا. في هذا اللقاء حضر أيضا اريئيل شارون، الذي كان في حينه وزير الزراعة. 

 "لا أدري، غريب أن يكون المرء ينتمي الى الدولة الوحيدة في العالم التي تحتاج إلى الإقناع بحقها في الوجود وبحقها في الأمن، قال شارون. وفي تناوله للطلب العربي أن تنسحب إسرائيل من المناطق التي احتلتها في حرب الأيام الستة، أعرب "أبو الاستيطان" عن معارضة قاطعة. "لست خبيرا في قرار 242. أنا مزارع. وللدقة – فلاح. أريد أن أقول هذا بكلمات بسيطة: اذا سألتني اذا كان يمكن لإسرائيل أن تنسحب من الضفة الغربية، فجوابي هو لا". 
 
وأضاف شارون قائلا: "قاتلت في كل حروب هذه الدولة على مدى 30 سنة. رأيت كل الخوف والأمور الأكثر فظاعة في الحرب. صدقني، من رأى هذه الأمور يريد السلام أكثر من أي شخص آخر: ولكني أريد ألا اقل من أهمية شيء واحد: مع أننا نريد السلام، نحن أمة مستعدة للقتال. ويمكنني أن أقول لك اني رغم مشاركتي في كل الحروب، وصدقني، أريد السلام. أنا مستعد لان أقاتل مرة أخرى في عشر حروب أخرى كي اضمن وجود هذه البلاد".
 
          في نهاية ذاك الشهر، في 25 تموز 1978، عقدت جلسة لجنة الخارجية والأمن، قدم فيها وزير الدفاع، عيزر وايزمن، تقريرا عن لقائه مع الرئيس المصري السادات، في 13 تموز في سالسبرغ في النمسا.
 
ووصف وايزمن تجربته وانطباعاته بطريقته المميزة: "توجد عدة أمور هي جد إنسانية، حميمية. انت تجلس مع إنسان. هو ابن 60. هو زعيم امه. هو هاجمنا. هو قاتلنا. هو مع  النازينن... أنت تجلس مع شخص كهذا هو زعيم 40 مليون نسمة".
 
ولاحقا أضاف وايزمن: "لن أتحرر من حقيقة أنه العربي الأول الذي يقوم بخطوة مجنونة كهذه، من زاوية نظرنا. أعترف بان قسما على الأقل من أصدقائي، الذين عملوا في معظمهم في الأمن من عمر 18، قسم من فهمنا ان في جيلنا لن نرى عربيا يعترف بنا... أنا تربيت في مثل هذه الأجواء. لا أقول اني توقفت عن الخوف منها. إذن أنا أجلس مع مثل هذا الغير سبعة اشهر... لا أدري كيف سيحاكم التاريخ هذا"
 
ولاحقا وصف وايزمن لا عضاء اللجنة لقائه مع السادات: "عندما دخلت هذه المرة إلى غرفته... منذ زمن بعيد لم أجده ينفعل هكذا. عانقني وقبلني قبلتين. وقد فوجئت. قلت له: "أنت تبدو حسنا وقد زدت وزنا". وعندها قال: "كل شيء سينزل في رمضان". الحديث بيننا استغرق ثلاث ساعات ونصف وبعد ذلك نصف ساعة أخرى مع زوجته".
 
وفي موقفه من اللقاء مع زوجة السادات جيهان، نفى وايزمن الشائعات عن أنه قبلها. "كل الأقاويل عن القبلات هي هراء وترهات. لو كنت قبلتها لألقى السادات بي من النافذة إلى الخارج. الكتابة اني قبلت مسلمة هي هراء تام".
 
عندما أجل وايزمن استنتاجاته من اللقاء قال: "... يجب الجلوس مع هذا الغير والسماع ما يقول. لسنا ملزمين بقبول ما يقول ولكن أن نفهم ما يقوله واجب بالتأكيد... علينا أن نرى من حولنا العالم الذي نعيش فيه وان نتذكر بان مع كل قوتنا ومع اخترتنا يا رب فإننا ثلاثة ملايين. صحيح، مع قوة عظيمة لم تسبق أن كانت لنا، فسواء نسبيا أم سكانيا، وهم يعرفون هذا. وعلى هذا يجب أن نكرر بين الحين والآخر كل الأقوال الجميلة التي تقال، مثل الأحفاد وما شابه. عندي تسعة".
 
في حديث آخر، جرى في 17 تموز 1978 بين دايان ونظيره الأمريكي سايروس فانس، سئل عن الحدود المستقبلية لإسرائيل. وادعى دايان بانه لا يمكن ترسيم حدود بين إسرائيل وجيرانها وشرح: "برأيي، كل محاولة لتحديد خط أين ستكون الحدود بين الدولتين لن تنجح، إذ لا يمكننا أن نجد مثل هذا الخط. ماذا سنفعل مع غزة؟ كان يسعدني لو كان بوسعنا أن نهدم غزة ونتخلص منها. ولكن أين سيكونون عندما سيكون تقسيم؟ وماذا سيكون في القدس. لا يريدون تقسيمها، وكيف يمكن قطعها عن بيت لحم؟ لن يكون مفر من العودة إلى فكرة العيش معا. حاولت ايجاد خط حدود... مثل هذا الخط لم يكن أبدا مقبولا على العرب. والان ينبغي العيش معا، والا نقرر خطا...".
 
في جلسة وزارة الخارجية، في 31 آب 1978، تناول دايان العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين. "لا أعتقد أننا نوقع سوء بالعرب كجمهور. كم عربيا قتلنا؟ توجد حالات استثنائية، ولكن لم ترتكب جرائم. اذكروا الأوضاع المعاكسة التي في فترة الاضطرابات حين يعلق يهودي في البلدة القديمة، فانه ما كان سيخرج من هناك دون سكين في الظهر"، قال.

 "بشكل عام، الجمهور الفلسطيني هو جمهور ذكي... بشكل عام، العرب هم نشطاء جدا... العرب، بما فيهم البدو، هم شعب نشيط يعرف كيف يعمل. هناك أمور لا يمكنهم أن يعملوها بدوننا، ولكن قبل كل شيء الأمور الأساسية يعرفونها بأنفسهم. على مدى زمن قصير أدركوا كل الموضوع"، أضاف.
 
توترات، مصاعب وتهديدات بالفشل رافقت المفاوضات حتى اللحظة الأخيرة. هكذا، في أيلول 1978، في أثناء مؤتمر كامب ديفيد، تحدث بيغن ضد الاقتراح المصري للاتفاق. "اذا لم يكن الحديث يدور عن دولة فلسطينية فأنا غبي"، قال في جلسة الوفد الإسرائيلي. "اعذروني على هذا التعبير البياني"، أضاف وقال لا حاجة للبحث حتى في الوثيقة لأنها "الأكثر تطرفا التي يتقدم بها المصريون". ولاحقا قال ان هذه "وصفة لإبادة إسرائيل".
 
الرئيس المصري أيضا لم يثق بمحادثيه. ففي التصريحات المختلفة كرر السادات الادعاء بان إسرائيل تريد أرضه وأنه لن يوقع على الاتفاقات اذا لم تسوى مسألة المستوطنات. وتساءل: "كيف أعقد اتفاقا مع أناس لا أثق بهم؟".
 
وتوثق المحاضر أيضا الخلافات داخل الوفد الإسرائيلي. هكذا، احتج دايان على سلوك بيغن وادعى بانه يفرض رأيه. "نشأ وضع توجد فيه صعوبة في الإعراب عن آراء مختلفة عن آرائك"، قال له. "منذ الاستنزاف في قناة السويس، لم تقع حرب استنزاف اقصى على شخص آخر"، إجابه بيغن. في النهاية وجدت الصيغة التي كانت مقبولة على الجميع. "كل شيء سيكون على رأسي. سأطلب من عيزر ان يحميني من غيئولا كوهين"، قال بيغن.
 
في وثيقة أخرى توثق لقاء شارك فيه الرئيس كارتر ورئيس الوزراء بيغن في 10 أيلول 1978. وعرض كارتر على الإسرائيليين دوره في المفاوضات: "كمبدأ، بودي القول ان المشاكل الأساسية، باستثناء الأمن، لا تهمني. لا يهمني الف مستوطنة أو 100 الف مقيم في المناطق. لا يهمني اذا أعدتم إلى الأردن، لا يهمني اذا اتفقتم مع الأردن. هذا هو. ليس عندي موقف مختلف عما تتفقون فيه انتم والأردن، انتم والمصريون. هدفنا الوحيد هو أن نجلب الأفكار المتضاربة إلى حد التوافق".
 
بعد يومين من ذلك، في 12 أيلول قال وايزمن اذا وقفت المستوطنات بين إسرائيل والاتفاق مع مصر، فانه مع السلام "وحتى المستوطنات يجب أن تختفي... اذا كان بوسعي أن أتوصل اليوم إلى اتفاق سلام مع المصريين على قدس موحدة، حدود مفتوحة، دبلوماسية، شرم مفتوح، فمستعد لان اصل إلى بتحات رفيح وأقول لهم غادروا".
 
وفي النهاية، في 17 أيلول 1978، في الاحتفال في البيت الأبيض وقع الرئيس كارتر، مع بيغن والسادات على اتفاقات كامب ديفيد. بعد أسبوعين من ذلك في 24 أيلول، عرض بيغن الاتفاقات على الحكومة وشدد على الصراع العنيد الذي أداره الوفد في موضوع المستوطنات في سيناء وقال للحكومة: "بقلب أليم ولكن برأس مرفوع أعرض هذا الاقتراح. ولماذا بقلب اليم؟ لأننا قاتلنا من أجل هذه المستوطنات كل الحروب الممكنة... توصلت إلى الاستنتاج بان من الأفضل هكذا من إبقاء المستوطنين. ولكن معرفتي هي أننا هكذا نخدم شعب إسرائيل".
 
المفاوضات بين الطرفين استمرت حتى لحظة التوقيع على اتفاق السلام في آذار 1979. في جلسة حكومية، وقعت في 12 آذار 1979 قبل التوقيع على الاتفاق قال بيغن: "من ناحية فلسطينية، سيأتي يوم وهذه ستسمى دولة فلسطينية. ونحن – هل نغمض أعيننا عن الرؤية؟".
 
في 26 آذار، يوم التوقيع على الاتفاق عقد لقاء بين كارتر وبيغن وقال كارتر: "اليوم هو يوم تاريخي" وأضاف: "ما حققناه حتى الآن ليس أقل من معجزة. ويد الرب كانت في ما تحقق حتى الآن".