ملفات وتقارير

لماذا يصر صناع الدراما على توطين البلطجة ونشرها في مصر؟

مشاهد البلطجة لم تغب عن المسلسلات الرمضانية في مصر هذا العام- إكس
مع قرب انتهاء الموسم الدرامي الرمضاني لهذا العام انتقد مصريون تغول مشاهد البلطجة، والقتل، والضرب، والسحل، والصراع الدامي، والسرقة، والنهب، والنصب، والدجل، ومعاقرة الخمر، على أغلب المسلسلات.

وأثار البعض التساؤل، حول أسباب تواصل تلك الظاهرة، وإصرار المنتجين والكتاب والمخرجين وكبار النجوم على تكرارها سنويا، بل وزيادة جرعاتها بشكل مفزع.

ولفت متحدثون مع "عربي21" إلى أن صناع الدراما من منتجين ومخرجين يسعون لصناعة "الترند" عبر مواقع التواصل الاجتماعي وزيادة نسب المشاهدة عبر منصات العرض عبر الإنترنت، فيما يسعى الممثلون لأن يكونوا نجوم شباك بالأعمال السينمائية وتحقيق إيرادات كبيرة.

وأشار المتحدثون أيضا، إلى فقدان الدراما دورها التثقيفي والإرشادي، وسط حالة الفقر الشديد لدى كتاب تلك الأعمال، ملمحين إلى أن أضرارها ومخاطرها تنسحب بشكل خطير على المجتمع والأجيال القادمة، وتخلق أشخاصا يمتهنون البلطجة ويسعون للكسب السهل بالسرقة والنصب، واحتراف القتل بأجر.

وفي دراما هذا العام برزت أعمال بها مشاهد مفزعة من البلطجة، وتعج بجرائم القتل، والضرب، والانتقام، والثأر، وما يتبعها من إسالة الدماء بالحارة وبقصور الأثرياء، وذلك برغم غياب الممثل محمد رمضان عن السباق الرمضاني هذا العام، والذي ارتبط اسمه بتلك الأعمال.

هذه المشاهد ظهرت جليا هذا العام بمسلسلات "العتاولة" لأحمد السقا الذي يظهر بدور "حرامي"، و"بيت الرفاعي" لأمير كرارة، و"كوبرا" لمحمد إمام ويؤدي فيه دور "حرامي" أيضا، و"حق عرب" لأحمد العوضي، و"قلع الحجر" لمحمد رياض، و"نعمة الأفوكاتو" لمي عمر، وغيرها.

أبطال معظم تلك الأعمال خارجون عن القانون، يقومون بأعمال مخلة بالشرف مثل السرقة بالإكراه والنصب والقتل والحرق والتجارة في المخدرات والسلاح.

بل إن الممثل أحمد السقا، المعروف بأدوار الأكشن في الأعمال السينمائية، وخلال مسلسله الجديد الذي يقوم فيه بدور "حرامي خزن"، استعاد أحد المشاهد من فليمه المثير للجدل عن البلطجة في الشارع المصري (إبراهيم الأبيض) عام 2009، وقام بضرب عشرات الرجال من حراس أحد الفنادق، وتحطيم كل ما قابله.



بل إن أحد مشاهد مسلسل العتاولة للسقا، ذهب إلى حد تصوير مشهد حرق "خضر" ويقوم به طارق لطفي لشقة أخيه "نصار" والذي يشخصه السقا، والتي يتواجد بها طفله الصغير، وذلك في محاولة من الأول لدفع الثاني للعودة إلى أعمال السرقة والبلطجة، ما نال سخط وانتقادات البعض، وذلك إلى جانب مشاهد الرقص والعري وتناول الخمور والمخدرات.

 

وفي النصف الثاني من دراما رمضان وفي أحد أعمال الـ15 حلقة، دخل الممثل محمد إمام، -نجم الزعيم عادل إمام الذي ابتعد عن الدراما والتمثيل منذ آخر أعماله "فالنتينو"- بقوة ليقدم أشرس معارك البلطجة الدامية والمتواصلة منذ الحلقة الأولى لتجري معركة دامية يوميا يسقط بها جرحى وقتلى، في إطار كوميدي يدفع للتعاطف مع البلطجي وجرائمه.

أما مسلسل "حق عرب" للممثل أحمد العوضي الذي انفصل فنيا هذا العام عن طليقته ياسمين عبد العزيز، فيعج بمشاهد البلطجة بجانب مشاهد شرب الخمر وتناول المخدرات وحتى لعب القمار، في حي المغربلين الشعبي بالقاهرة.


كما كان مثيرا ومرعبا لكل أسرة مصرية خلال النصف الأول من رمضان، في مسلسل "نعمة الأفوكاتو"، مشهد قتل ودفن "نعمة" التي تقوم بدورها الممثلة الشابة مي عمر، ويخرج العمل زوجها محمد سامي.

وبرغم أن المحامية التي حصلت على 8 ملايين جنيه من كسب قضية رجل ثري، منحت تلك الأموال لزوجها العاطل، إلا أنه تزوج عليها وشارك في قتلها مع زوجته الثانية، بل وقام بدفنها حية، لتتوالى لاحقا جرائم القتل وعمليات الانتقام، التي تهز كيان الأسرة.


ومع ما يقدمه مسلسل "قلع الحجر"، من مشاهد طبيعية بديعة من صعيد مصر، إلا أنه يتناول ظاهرة الثأر وكأنها ظاهرة قائمة الآن ومنتشرة في جنوب مصر وذلك رغم التراجع اللافت لتلك الظاهرة، ليقدم صورة يومية من أعمال القتل والاعتداء على النساء بالشوم، وقتلهن، وسبهن، واتهامهن في أعراضهن.

وهي المشاهد التي لم تخل منها أعمال "بيت الرفاعي" لأمير كرارة، و"المعلم" لمصطفى شعبان، و"غالية" لسمية الخشاب، وبالطبع مسلسل "الحشاشين".



بل إن صناع الدراما وكتابها من خلال ورش الكتابة الجماعية قدموا مجموعة من المفردات واللازمات التي يكررها بطل العمل وتصبح تيمة شعبية يتداولها الشباب وبينها قول مي عمر، في "نعمة الأفوكاتو": "يالهوي"، بطريقة ممزوجة بالسخرية والإغراء.

وقول أحد العوضي في حق عرب: "الموت في الكترة سترة"، "الترنداية الجديدة"، بجانب الألفاظ الخادشة للحياء والكلمات النابية والإيحاءات الجنسية والسب والشتم، والتشبيهات بالكلب والبغل وغيرها.



لكن كان لافتا في مسلسل "خالد نور وولده نور خالد" العمل الكوميدي المعروض بالنصف الثاني من رمضان ظهور شخصية "ميكا" الشاب الذي يتحدث بحديث الشارع وبكلمات غير مفهومة وبجمل خارج السياق، ما اعتبره البعض إسقاطا سياسيا على طريقة حديث رأس النظام عبد الفتاح السيسي.



"توطين متعمد للبلطجة"
وكتب مقدم برنامج "ما وراء الحدث"، الإعلامي فهمي سرحان، منشورا تحت عنوان: "توطين البلطجة في دراما رمضان تجري على قدم وساق"، وأشار فيه إلى أن كتاب ومنتجي الدراما يعتقدون أن (تيمة النجاح) في الكتابة للنجم الأوحد وعن الحارة المصرية والطبقة الشعبية.

وألمح إلى أن سمات الشخصية التي يقدمونها كبطل هي: "إنسان هامشي لا عمل له، مفتول العضلات، يستخدم قدراته الجسمانية وفلسفته الحنجورية ليتمكن من العمل مع رجل العصابات، أو تاجر المخدرات، والآثار، أو تهريب الذهب والماس".

وأشار إلى أن هذا العام يأتي مسلسل "حق عرب" للممثل أحمد العوضي، الذي "يعمل عند معلمه الذي يقتل ويحرق ويتاجر في كل شيء، وبينها الآثار، وبنفس تيمة البلطجي الناصح الأمين".

وأوضح كذلك أن مسلسل "بيت الرفاعي"، لأمير كرارة، و"العتاولة" لأحمد السقا، في رمضان هذا العام يغلب عليهما "السرقة والنهب والبلطجة"، وذلك إلى جانب بلطجة سكان شادر السمك بمسلسل "المعلم" لمصطفى شعبان، والذين لا يجدون قانونا يحكمهم ولا أي وازع ديني يخوفهم كأننا نعيش في غابة متكاملة الأركان لا يحكمها قانون".

وتحدث فهمي عن وجود مؤامرة بقوله: "توطين البلطجة ونشر القبح في الدراما المصرية، متعمد، ومن خطوات الصهيونية العالمية لتوطين كل ما هو شاذ والقضاء على كل الفضائل، لأنهم يعلمون أن الشعب المصري صعب اختراقه، فدخلوا عليه من منظور الفن الهابط".

وبينما يرى بعض صناع الدراما أن البلطجة وأعمال العنف والقتل في الأعمال الدرامية تعبر عن واقع مجتمعي قائم، يرى آخرون أن المبالغة في عرض تلك الأعمال وغلبتها على ما يقدم من مسلسلات وأفلام قد يصنع من المجتمع صورة أسوأ منها تمثل خطرا كبيرا.

"لا تتحمل موبقات المجتمع"
قال الناقد الفني طارق الشناوي: "لست مع تحميل الدراما أكثر مما تحتمل؛ لأن هذا الموضوع منتشر في العالم كله، ويزداد أهمية، ولكنا هنا نسارع بتوجيه الاتهام في عالمنا العربي".

الشناوي، تساءل في حديثه لـ"عربي21": "هل عندما تم تقديم قصة (ريا وسكينة) وهما من أكثر الشخصيات التي لها ظل من الحقيقة، في أعمال درامية خلال 3 أفلام وأكثر من مسرحية ومسلسل وبأسماء كبيرة مثل شادية وسهير البابلي، هل تحولت النساء في مصر إلى ريا وسكينة؟".

وعاد للقول: "لا أريد تحميل الأمور أكثر مما تحتمل، صحيح أن هناك من يستثمر الشخصيات المنحرفة للرواج التجاري، وهذا موجود، ولكن في الجانب الآخر من الصورة لا نمنع هذه الأعمال".

ويرى أنه "لو أن هناك عملا فنيا أشعر أن درجة العنف به غير مبررة دراميا هنا يمكن للدولة أن تتدخل في (التصنيف العمري)، لكن ليس بالحذف فأنا ضد الحذف والمنع". وأوضح أن "هناك تصنيفا عمريا يوضع على الحلقات معناه أن العصمة بيد الجمهور، وهنا تقول للناس إن هذا العمل (فوق 18)، لأنه ينطوي على مشاهد عنف أو المشاهد التي دأبنا على وصفها بالجريئة، وهكذا".

وأكد أنه ليس مع "تحميل الدراما موبقات المجتمع"، مضيفا: "أنا ضد ذلك تماما، وهناك أسباب اقتصادية واجتماعية وسيكلوجية، أدت لما نراه بالشارع من عنف، وليست الدراما". وختم بالقول: "وعندما يُقدم الشارع في عمل فني يتم تقديمه أنه عنيف لأنه بالفعل عنيف، وإذا قدمنا شارعا بلا عنف وبلا تجاوزات فلن يكون هناك واقع ولا مصداقية بالعمل".

"إفلاس الكُتاب"
وفي رؤية أحد صناع العمل الفني في مصر المنتج محمد يوسف، قال: "هناك صعوبة لدى البعض في متابعة مسلسلات رمضان، لسببين، أولهما: ظاهرة البلطجة والشخصيات العجيبة التي أرى أنها لا تمت بأي صلة لعموم الشخصيات المصرية، وثانيهما: كثافة الإعلانات التي لا تُتيح لأحد متابعة تلك الأعمال".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أن "البلطجة جزء من واقع مجتمعنا؛ ولكن تناولها بهذه الكثافة بحيث تطغى على جميع قضايا المجتمع يعبر عن إفلاس الكُتاب بالدرجة الأولى"، متوقعا أن "تختفي هذه الظاهرة عندما ينضج الكُتاب ويتناولوا قضايا المجتمع الجوهرية بشكل عميق".

"هدم مفهوم الدولة"
وفي رؤيته، قال الإعلامي المصري محمد السطوحي: "كمشاهد متقطع لبعض الأعمال، أعتقد أن البلطجة أصبحت (ترند) وخصوصا مع بعض الممثلين المشهورين كمحمد رمضان، وهو ما يجعلها تحظى بالمتابعة والانتشار والتأثير".

السطوحي، أكد لـ"عربي21"، أن "هذه ظاهرة قديمة لكن ربما تكون زادت مؤخرا"، مشيرا إلى أن "خطورتها أنها تهدم مفهوم الدولة ذاته، بحيث تشعر أن المجتمع ليس فيه قانون أو مؤسسات قائمة على تنفيذه".

وأضاف: "وتجد مواجهات مسلحة وتفجيرات أقرب للحرب وسط غياب كامل للشرطة أو قوات الأمن، بحيث تترك فراغا هائلا يجعل المشاهد يشعر بأن عليه استخدام ذراعيه والبلطجة لحماية نفسه، خصوصا أنها يتم تقديمها بشكل جذاب يثير تعاطف الناس مع النجم البلطجي".

وخلص للقول: "وبما أن الدراما الآن شبه مُحتكَرة من شركة واحدة تابعة لأجهزة الدولة؛ فهذا يلقي عليها مسؤولية كبيرة لحماية المجتمع وتماسكه وثقافته وقيمه من التأثير السلبي لهذه الأعمال".

وختم مؤكدا على ضرورة "ألا يكون رواجها ونجاحها الجماهيري سببا في الاستسهال والمضي في إنتاج أعمال مشابهة، فالحفاظ على الدولة ليس مجرد شعار نردده، لكنه ينبغي أن يكون سياسة شاملة تستند لرؤية وطنية واضحة".

"انحرفت لأهداف تجارية"
من جانبه، أعرب الكاتب الصحفي والأديب المصري أسامة الألفي، عن شديد أسفه من أن "الدراما انحرفت عن الهدف النبيل بعد تحولها عن هدفها التثقيفي إلى أهداف تجارية".

الألفي، وفي حديثه لـ"عربي21"، أوضح أنه "قديما عالجت الدراما مشكلات المجتمع، مثلما فعل الفنان فريد شوقي في فيلمي (جعلوني مجرما)، و(الموظفون في الأرض)، والفنانة فاتن حمامة في فيلمي (أفواه وأرانب) و(أريد حلا)".

وواصل رصده مؤكدا أنه لاحقا "ظهرت هوجة الممثل عادل إمام، ليبدأ الإسفاف بتقديم مسرحية (مدرسة المشاغبين)، مرورا بأفلامه المروجة للجنس، مثل أفلام (عنتر شايل سيفه) و(كراكون في الشارع) و(الأفوكاتو)، وغيرها".

ولفت إلى مجيء "جيل الممثل محمد رمضان، ليقدم دراما العنف والمخدرات، ويُظهر مجتمعنا على غير حقيقته، كمجتمع بلطجة ومخدرات وجنس".

وأشار إلى أنه "في غياب دور الدولة يروج منتجون مثل (العدل) و(السبكي) لمثل هذه النوعية من الدراما، وهي موجهة لجمهور معين هو الصنايعية، ومعظمهم من غير المتعلمين، لكنهم يملكون المال الذي يريده المنتجون، بعدما تدهور الدور الثقافي والقيادي للطبقة الوسطى نتيجة تدني ظروفها المعيشية".

وفي نهاية حديثه توقع الكاتب المصري، أن "يظل هذا الإسفاف ما لم تعد الطبقة الوسطى إلى ممارسة دورها الفاعل في ريادة المجتمع، وهو دور مرهون بتحسين ظروفها المعيشية الصعبة".