ملفات وتقارير

"العرجاني" يثير الجدل بمصر.. إعلاناته تغطي الفضائيات واعتقال نشطاء هتفوا ضده

العرجاني رجل أعمال سيناوي له ارتباطات قوية برأس النظام المصري عبدالفتاح السيسي
بينما كانت الفضائيات المصرية تعج مساء الأربعاء، بإعلان تجاري يُعرض للمرة الأولى خلال شهر رمضان الجاري، عن "مجموعة العرجاني" الاقتصادية، كان المتظاهرون دعما لفلسطين من النشطاء المصريين يهتفون أمام نقابة الصحفيين، بوسط القاهرة، ضد صاحب المجموعة الصاعد بقوة خلف النظام المصري، إبراهيم العرجاني.

والعرجاني، هو رجل الأعمال السيناوي، صاحب الارتباطات القوية برأس النظام عبدالفتاح السيسي، والجيش المصري، فيما نالته هتافات المتظاهرين الغاضبين كونه أحد أذرع النظام المصري القائمين على حصار وتجويع 2.3 مليون فلسطيني.



وشهد شهر رمضان ظهورا كبيرا لأنشطة اجتماعية ورياضية ودينية لمجموعة العرجاني، بينها تنظيم حفل إفطار كبير، وتدشين بطولة كأس العرجاني، بملاعب النادي الأهلي، وافتتاح وزير الأوقاف مختار جمعة لمسجد وسيم العرجاني بالشيخ زويد في شمال سيناء، ما اعتبره مراقبون خطوة من مجموعة العرجاني للتغلغل داخل المجتمع المصري.



وبينما انطلق الإعلان عقب مدفع الإفطار في عرضه الأول معددا إنجازات "العرجاني غروب"، ومجالات عملها قائلا إنهم يسعون لأن تكون "أكبر كيان اقتصادي في الجمهورية الجديدة"؛ فقد هتف المتظاهرون في ذات التوقيت، وعقب إفطارهم على سلم نقابة الصحفيين برغيف عيش وشربة ماء قائلين: "العرجاني وهلا كمان.. أنتم عملا للكيان".



"لا مساس بالعرجاني"
وربط نشطاء بين اعتقال الناشط محمد عواد والهتاف ضد العرجاني، مشيرين إلى أنه لم يتم اعتقال أحد عندما كان الهتاف ضد السيسي، وأنه تم الاعتقال عندما طال الهتاف العرجاني، ملمحين إلى ما اعتبروه حجم سيطرته على مؤسسات الأمن.

من جانبه كتب الناشط والكاتب الصحفي سيد صابر، وأحد المشاركين في وقفة الأربعاء، عبر "فيسبوك" ساخرا من اعتقال الأمن للناشط محمد عواد صاحب الهتاف ضد العرجاني، قائلا: "حلوة التهمة الجديدة، ازدراء العرجاني وشركة هلا".


وأكد الناشط محمد عباس، عبر موقع "إكس"، وقوع اعتقالات بصفوف من قادوا هتافات سلالم نقابة الصحفيين، معتقدا أنه ليس لها غير سبب واحد، وهو "الهتاف ضد العرجاني"، مشيرا إلى أنه يمكن انتقاد السيسي نفسه، لكن هناك 3 أشخاص "لا مساس"، ومنهم العرجاني.


"صدام وشيك"
ودأب نشطاء مصريون وشخصيات معروفة على تنظيم وقفة احتجاجية كل ثلاثاء أمام نقابة الصحفيين عقب أذان المغرب، لكنه تم تغيير موعد وقفتهم إلى الأربعاء، بسبب التزامن مع حفل تنصيب السيسي لولاية رئاسية ثالثة، صباح الثلاثاء.

وأكد أحد النشطاء المشاركين بوقفات القاهرة الاحتجاجية الداعمة لفلسطين، والتي تتوازى مع حراك أردني كبير بالعاصمة عمّان، أن "هناك حالة غضب أمنية من منظمي الوقفة بالقاهرة، بسبب الربط مع تظاهرات الأردن، والهتافات في غير ملف فلسطين"، موضحا أن "الأمن طلب تغيير موعد وقفة الثلاثاء، بسبب تزامنها مع حفل التنصيب".

وتحدث مهتمون بالشأن المصري لـ"عربي21"، عن دلالات تزامن عرض إعلان العرجاني بالفضائيات مع هتافات النشطاء ضده واتهامه بالعمالة لـ"إسرائيل"، واعتقال الناشط الذي هتف ضد العرجاني، مشيرين إلى توقعاتهم حول احتمال تطور وقفة نقابة الصحفيين الداعمة لفلسطين إلى حراك ثوري ضد نظام السيسي.

"العرجاني أم الممولون؟"
وأعرب سياسي مصري وناشط بحزب "المحافظين"، طلب عدم ذكر اسمه نظرا لحملة الاعتقالات، عن أسفه من "اعتقال الناشط عواد، ونصف دستة، غيره"، موضحا أنه "حتى الآن لا يعلم أحد الأعداد الحقيقية".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "عرفنا أن من جرى اعتقالهم في الأمن الوطني حاليا، والله أعلم متى يتم إخلاء سبيلهم"، متوقعا "حبسهم احتياطيا ودخولهم من تجديد حبس لتجديد آخر ، مثلما يجري لغيرهم من سجناء الرأي".

وأوضح أنه تلقى خبر اعتقال النشطاء باستغراب لأنه "ومع الأعداد الكبيرة من المعارضين على سلم الصحفيين، إلا أن الأمر كان مُسيطرا عليه ولم يخرج أحد عن النص"، مضيفا أنه "كان بالوقفة قيادات كثيرة ولم يحدث أي تجاوز".

وبين أن "الهتافات كانت تطالب بفتح معبر رفح لإدخال المساعدات للفلسطينيين، وقطع العلاقات مع "إسرائيل"، وطلب الشعب بتدخل الجيش لحماية إخواننا بفلسطين".

وحول الهتاف ضد العرجاني، أكد أنه "تحول من مجرد بلطجي خارج عن القانون إلى بطل قومي، ورجل دولة، وكأن النظام يستنسخ أحمد عز، جديد"، مشيرا إلى أن "الهتاف كان ضد "إسرائيل" والخونة بيننا، والعرجاني، وكذلك السعودية، والإمارات".

وتساءل: "فهل يكون سبب الاعتقالات هو التعرض لرجل النظام الأول حاليا، أم التعرض لمن يصرفون علينا الآن، السعودية والإمارات؟"، ملمحا إلى أنه قد يكون السبب "إرضاء الرياض وأبوظبي، أكثر منها لإرضاء العرجاني، لأنه لن يتأثر ببضعة هتافات".

وألمح إلى احتمال حضور أسباب أخرى لأنه لم يتم القبض إلا على رؤوس من هتفوا بالوقفة (الهتيفة)، فيما لم تطل الاعتقالات أيا من المعارضين بالوقفة"، مشيرا غلى احتمال أن يكون الاعتقال بهدف تحجيم الوقفات، ومتوقعا ألا يسمح الأمن بوقفات قادمة.


"السلطة بيد هؤلاء"
وفي قراءته للموقف، قال السياسي المصري الدكتور عمرو عادل: "تعيش مصر منذ عقد كامل في مرحلة الاستبداد المطلق، والتي تتمركز فيها السلطة خارج المؤسسات الرسمية، سواء في هيئة أفراد أو مؤسسات غير رسمية أو حتى داخل المؤسسات الرسمية التي تتحول إلى عصابات بعيدا عن سلطة الدستور والشعب".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف رئيس المكتب السياسي للمجلس الثوري المصري المعارض: "هناك مرحلة حتمية تلي الاستبداد المطلق، وهي الانهيار الذاتي للدولة، فنجد ظهور مؤسسات وكيانات خارج إطار المؤسسات والقانون، تكون في غاية القوة والسطوة وتقوم بأدوار المؤسسات الرسمية للدولة، وتحت سيطرة مجموعة من الأفراد داخل الدولة، أي أن الدولة تستعين بشكل ما بعصابات لتحقيق مصالحها".

ويعتقد عادل أن "المشكلة في مصر أن هذه المؤسسات المنشأة حديثا، ومنها مؤسسات العرجاني الأمنية والاقتصادية، تتعامل مع دولة مفككة أصلا تحولت لعصابات متفرقة، أنابت مليشيات عسكرية واقتصادية -ليس فقط العرجاني بالمناسبة- للقيام بأدوار نيابة عنها لقمع المجتمع ويكون حاجزا بينها وبينه".

ويرى أنه "طبيعي أن يغضب النظام لوكلائه الذين يصنعهم ليحميه من المجتمع ويكون خط الدفاع الأول عنه كما حدث في سيناء، والطبيعي أن يهتف الناس المدركين للمأساة المصرية تعبيرا عن الغضب، وطبيعي في نظام كمصر وهو نظام استبدادي شمولي قمعي أن يعتقل من يفعل ذلك".

وقال السياسي المصري إن "تكلفة الثورة عالية وتزيد مع الوقت وتعمق الاستبداد، وأعتقد أنه ستحدث في مصر حالة شديدة من الغضب الاجتماعي غير المسبوقة والتي يصعب السيطرة عليها، والنظام يدرك ذلك واختبأ خلف أسوار مدينته الجديدة".

ويرى أن "الفرصة التي واتت مصر منذ 13 عاما كانت إنقاذا من ثورة أشد عنفا وقسوة ستأتي حتما"، مؤكدا أن "السياقات التاريخية تشير لحتمية ذلك؛ ولكن ستكون بتكلفة باهظة على الجميع، ولكنها ستكون الحل الوحيد وخاصة بعد الدعم العلني والفاجر من النظام المصري للصهاينة في الحرب الأخيرة".

"اختبار.. والرد قادم"
وفي تقديره، يرى الكاتب الصحفي المصري قطب العربي بعدم وجود "ربط مباشر بين الإعلان التلفزيوني عن شركات العرجاني والهتاف ضده أمام نقابة الصحفيين؛ لكن هناك إدراك متزايد من الكثيرين في مصر بتعاظم دور العرجاني السياسي والأمني والاقتصادي بطريقة مفاجئة وغير طبيعية".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف العربي: "هناك ربط بين هذا التمدد المفاجئ وغير الطبيعي للمجموعة بعلاقة رأسها (إبراهيم العرجاني) مع السلطة وخاصة جهاز المخابرات والسيسي شخصيا".

ويرى أن "ما زاد الطين بلة، هو الدور السلبي الذي لعبته إحدى شركات العرجاني وهي شركة (هلا) في المتاجرة بآلام الفلسطينيين الراغبين في الخروج من غزة عبر معبر رفح، حيث وضعت تسعيرة دولارية متنوعة لوضع أسماء من يدفع ضمن كشوف التنسيق الأمني التي يسمح لها بالخروج عبر معبر رفح، ومن هنا شملت الهتافات الغاضبة أمام نقابة الصحفيين شركة (هلا)".

وقال إن "اعتقال أعداد ممن شاركوا بوقفة نقابة الصحفيين بعد الهتاف ضد العرجاني دفع الكثيرين للحديث عنه باعتباره أصبح صاحب نفوذ ربما يتخطى السيسي، حيث لم يقبض الأمن على أحد ممن هتفوا ضد السيسي بالأسابيع الماضية، بينما سارع لاعتقال من هتفوا ضد العرجاني".

وفي نهاية حديثه يعتقد العربي أن "هذه الاعتقالات رسالة واضحة لمنظمي هذه الوقفات الأسبوعية أمام نقابة الصحفيين للتوقف عن تنظيمها، وهذا الاختبار سنرى الرد عليه الأسبوع المقبل".

"من هو العرجاني؟"
مولود في "الشيخ زويد" بمحافظة شمال سيناء، ويعد أبرز أفراد قبيلة الترابين، ورئيس اتحاد قبائل سيناء، وأحد الوجوه المؤثرة على الساحة السيناوية، والذي توغل لاحقا في الساحة الاقتصادية والسياسية والرياضية في البلاد، فيما يمتلك مجموعة اقتصادية تتصاعد أسهمها بشكل مطرد منذ سنوات.

ويترأس العرجاني الذي يحمل لقب مهندس، إدارة مجموعة "العرجاني غروب" العاملة بمجالات البناء والخدمات الأمنية، والتطوير العقاري، والسياحة، والصرافة، والزراعة، والاستيراد والتصدير، والإعلان والتسويق.

وتحتها شركات "أبناء سيناء"، و"مصر سيناء للتنمية الصناعية والاستثمار"، و"أبناء سيناء للتجارة والمقاولات العامة"، و"غلوبال أوتو" للسيارات، والشركة المصرية الخليجية، ومجلس أمناء مؤسسة "سيناء للخير والتنمية الاقتصادية".

وخلال مواجهات الجيش المصري في سيناء مع عناصر إجرامية وإرهابية منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2014، دعا العرجاني قبائل سيناء في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، إلى تشكيل اتحاد للقبائل لمعاونة الجيش والشرطة ضد الإرهاب.

حينها كون مجموعة قتالية من قبائل الترابين، والسواركة، والرميلات، والبياضية، والأخارسة، والدواغرة، تقدر بنحو 1000 عنصر مقاتل كان لها دور حاسم في المعارك ضد "تنظيم الدولة" أو "ولاية سيناء"، كون مليشياته خبيرة بطبوغرافية الأرض وتضاريس سيناء، وهو الدور الذي نجح فيه العرجاني ومجموعته.

وقام الجيش المصري بتسليح تلك الميليشيا بـ600 قطعة سلاح خفيفة، و100 قطعة متوسطة المدى، و50 سيارة جيب مصفحة، وفق تأكيد وكالة "أسوشييتد برس" الأمريكية في 28 أيلول/ سبتمبر 2018.


ورغم أن العرجاني لا يحمل أية صفة سياسية أو برلمانية أو تنفيذية إلا أنه دائم الظهور إلى جانب السيسي، في لقاءات ومؤتمرات خاصة بسيناء، وذلك على الرغم من أن له سجلا إجراميا سابقا، ففي تموز/ يوليو 2010، اتهم باحتجاز ضباط وجنود مصريين، وبتهريب بضائع وسلاح، عبر الأنفاق.

وكان لافتا إسناد الجهات الأمنية المصرية أعمال إعادة إعمار غزة بعد معركة "سيف القدس" عام 2020، لشركات العرجاني، "أبناء سيناء" التي دخلت القطاع بالفعل في 2021، وتحكمت كذلك في تمرير البضائع للقطاع عبر معبر رفح، وسط مخاوف من قيام عناصر العرجاني بدور استخباراتي على المقاومة الفلسطينية.

وتثار الكثير من علامات الاستفهام حول العرجاني وأدواره في عمليات دموية كثيرة في سيناء بحق باقي القبائل، وفي تجارة السلاح والمخدرات، وفي أزمة طائرة زامبيا في الفضيحة المعروفة بـ"طائرة الذهب".