قضايا وآراء

الحملات النسوية المصرية واقتصاديات واستقرار الأسرة المسلمة

1300x600

إن أعظم ما يؤثر في الفرد والمجتمع بناء الأسرة المسلمة واستقامتها، فهي سر وجود الفرد، واللبنة الأولى للمجتمع المسلم، وقد جعلها الله تعالى المأوى الكريم الذي هيأه للبشر من ذكر وأنثى، يستقر فيه ويسكن إليه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الروم: 21).

وقد قال الله تعالى ليسكن إليها، ولم يقل ليسكن معها، تأكيدا لمعنى الاستقرار في السلوك والهدوء في الشعور، وتحقيق الراحة والطمأنينة بأسمى معانيها، فكلّ من الزوجين يجد في صاحبه الهدوء عند القلق، والبشاشة عند الضيق.

ولما كانت الأسرة المسلمة هي كيان وجود المجتمع ووحدته عمل البعض على تفتيتها بفكرهم التخريبي منذ ولوج المستعمرين ديار المسلمين، ولما يمل هؤلاء بعد خروجهم من تلك الديار، فتركوا لهم أذنابا لهدم الأسرة، بعضهم يتكلم باسم الدين والدين من قولهم براء، حتى ارتفعت نسبة الطلاق في مصر بشكل مخيف. وقد أفادت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بأن عدد حالات الطلاق سجل زيادة كبيرة على أساس سنوي في 2021، وذلك مقابل زيادة طفيفة في عدد حالات الزواج خلال الفترة نفسها، حيث بلغ عدد حالات الطلاق 254777 حالة مقابل 222036 حالة في 2020، بزيادة سنوية 14.7 بالمئة.

وقد شاهدنا خلال الأيام القليلة الماضية تصريحات نسوية تحث المرأة على التمرد في بيتها وهدمه بيدها، ومن أمثلة ذلك ما ذكرته إحداهن من أن "الست مش مجبورة ترضع أولادها"، وما ذكرته أخرى: "مفيش سند شرعي أو قانوني يخلي المرأة تطبخ في بيتها"، ثالثة: "لا يجب على المرأة أن تقوم بالأعمال المنزلية".

صور هؤلاء المتاعيس الرجل والمرأة في بيتهما وكأنهما في حلبة صراع، ناسين أو متناسين أن أساس العلاقة الزوجية الصحبة والاقتران القائمان على الودّ والأنس والتآلف

وقد صور هؤلاء المتاعيس الرجل والمرأة في بيتهما وكأنهما في حلبة صراع، ناسين أو متناسين أن أساس العلاقة الزوجية الصحبة والاقتران القائمان على الودّ والأنس والتآلف. وهذه العلاقة عميقة الجذور بعيدة الآَماد، إنها أشبه ما تكون صلة للمرء بنفسه "هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ" (البقرة: 187)، فضلا عما تُهَيِّئه هذه العلاقة من تربية الأولاد وكفالة النشء التي لا تكون إلا في ظلِّ أمومة حانية وأبوُّةٍ كادحة. وقد كانت سيدة نساء أهل الجنة السيدة فاطمة -رضي الله عنها- تقوم على خدمة زوجها ورعاية شئون البيت، وكان زوجها علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقسم عمل البيت بين أمه فاطمة بنت أسد، وزوجته فاطمة رضوان الله عليهما- فيقول لأمه: اكْفَ فاطمة بنت رسول الله سقاية الماء والذهاب في الحاجة، وتكفيك الداخل: الطحين والعجين.

إن الإسلام يحث من خلال بناء البيت المسلم على تقاسم أعباء الحياة والمشاركة بمودة ورحمة وتكامل في تكاليفها، فالنساء شقائق الرجال، والرجل سند للمرأة، والمرأة سكن للزوج. والإنسان بمفرده ضعيف عن حمل هذه الأعباء، فإذا شعر بوجود من يقوم معه بحمل هذه الأعباء ويقاسمه مسرات وأحزان الحياة دفعه ذلك إلى مزيد من التضحية والبذل والصبر على تجاوز الصعوبات وتذليل العقبات. وإذا كان من نفقة للمرضعة فهو للمطلقة وليس للأم في بيت زوجها التي حنانها ورضاعتها لأطفالها لا يقدران بمال: "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (البقرة: 233).

إن بناء البيت المسلم يقوم على زوجين يعاشر كل منهما الآخر بالمعروف ويبذل كل منهما الحق الواجب له بكل سماحة وسهولة ويسر وحب: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" (النساء: 13). ولكي تكون العلاقة بين الزوجين واضحة المعالم، وحتى لا يكون هناك أدنى غموض أو التباس في تحديد المسؤوليات والواجبات، رسم الإسلام حدود هذه العلاقة وأقام أساسها على مبدأ عام ورئيس هو قوله سبحانه: "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة" (البقرة: 228). فالواجبات التي فرضت على المرأة جعلت لها بمقابلها حقوق مكافئة. أما الدرجة التي ذكرتها الآية للرجال فهي درجة المسؤولية عن قيادة البيت وإعمار الأسرة، وذلك مقابل التكاليف التي جعلت على عواتقهم، مالية كانت أو معنوية: "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم" (النساء: 34)، إلا أنها رئاسة وقيادة قائمة على التشاور "وأتمروا بينكم بمعروف" (الطلاق: 6)، "فإن أرادا فصالا عن تراضي منهما وتشاور فلا جناح عليهما" (البقرة: 233).
الإسلام يحث من خلال بناء البيت المسلم على تقاسم أعباء الحياة والمشاركة بمودة ورحمة وتكامل في تكاليفها، فالنساء شقائق الرجال، والرجل سند للمرأة، والمرأة سكن للزوج

والإنفاق يعتبر سبباً من أسباب قوامة الرجل على المرأة، وحقا من حقوق الزوجة على زوجها، وهي قوامة مودة لا قهر، فعليه أن يقوم بواجب نفقتها من الطعام والشراب والملبس والمسكن وتوابع ذلك، بما يفي بمعيشتها بحسب ما هو متعارف بين الناس من غير إفراط ولا تفريط. وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت". ويقول صلى الله عليه وسلم: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"، "من أنفق على امرأته وولده وأهل بيته فهي صدقة"، "أفضل دينارٍ دينارٌ ينفقه الرجل على عياله".

وقد استحقت الزوجة هذه النفقة لتمكينها زوجها من الاستمتاع بها، وطاعتها له، والقرار في بيته وتدبير منزله، وحضانة أطفاله وتربية أولاده. فالنفقة واجبة للزوجة مادامت تؤدي واجبها تجاه زوجها، وبيتها، وأولادها، لأنها مكلفة وراعية لزوجها وبيته وأولاده. فإذا خرجت على الفطرة، ولم تقم بواجبها وحادت عن المنهج والطريق السليم في رعاية زوجها وتمكينه من نفسها فقد فوتت على الزوج مقصود الحياة الزوجية، فليس لها نفقة ولا حقا مالياً على زوجها.

والإسلام يريد من خلال هذا الاقتصاد الأسري توفير الحياة الكريمة الطيبة للأسرة المسلمة "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" (النحل: 97).. حياة تسمو بالروح والجسد، ويسودها الحب والمودة والرحمة، وترفرف عليها مظلة الأمن والعدل، وتخلو من شبح الجوع والخوف والكراهية والبغضاء والأثرة، حياة تحتكم إلى قوله تعالى "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" (النحل: 90).

 

twitter.com/drdawaba
الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع