صحافة دولية

FP: حالة الذعر أكبر خطر على إمدادات الغذاء العالمية

قالت المجلة إن حالة الذعر في الدول الغنية تؤثر على البلدان الفقيرة التي تعتمد على الواردات لتأمين الغذاء - جيتي

نشرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية تقريرا تحدثت فيه عن تأثير الغزو الروسي لأوكرانيا على إمدادات الغذاء العالمية، وكيف تسببت حالة الذعر التي سيطرت على الدول الغنية في مفاقمة أزمة سلاسل التوريد.


وقالت المجلة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن الحرب بين أوكرانيا وروسيا لها تداعيات على البلدان الفقيرة التي تعتمد على الواردات لتأمين الغذاء، وخاصة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تعاني أزمة اقتصادية وعدم الاستقرار السياسي؛ وما عمّق مأساتها ليس نقص الغذاء في العالم وإنما حالة الذعر التي تطغى على الدول الغنية.


وذكرت المجلة أنه تم تسجيل تراجع في حجم صادرات القمح من البحر الأسود لسنة 2021-2022 بسبب الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وسط توقعات أن لا تتجاوز 7 ملايين طن متري. وعلى الرغم من أن صادرات هاتين الدولتين تمثل ما بين 20 إلى 30 بالمئة من إجمالي الصادرات العالمية، إلا أنها لا تعادل سوى 0.9 بالمئة من إنتاج القمح العالمي. 


وفي وقت مبكر من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بدأ المزارعون في جميع أنحاء العالم في زراعة المزيد من القمح بسبب التحركات العسكرية الروسية على حدود أوكرانيا، هذا إلى جانب توفير كميات هامة من القمح في المخزونات العالمية، مثل تلك الموجودة في الصين والهند والولايات المتحدة ما يجعلها قادرة على تغطية حاجياتها لمدة تتراوح بين ستة إلى 12 شهرًا أو أكثر. ويمكن لهذه البلدان الاستفادة من مخزوناتها لتفادي ارتفاع الأسعار وحالة الركود في العرض العالمي.


أشارت المجلة إلى أن الهند تعمل على زيادة صادراتها من القمح على مدى ثلاث سنوات، مضيفة 5.75 ملايين طن متري إلى إمدادات القمح العالمية وهو ما يغطي العجز الحاصل من أوكرانيا وروسيا. وسجلت أستراليا محصول قمح قياسيا في سنة 2021 لا يزال تصديره متواصلا. وبفضل زيادة إنتاج القمح خارج أوكرانيا، من المتوقع أن يتجاوز محصول القمح العالمي لسنة 2022 الاستهلاك لأول مرة منذ سنتين. والسؤال المطروح: إذا كان هناك ما يكفي من القمح، لماذا تتعرض دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لخطر المجاعة الحقيقي؟


السبب مألوف، وهو سلاسل التوريد. ففي حين أن النقص في صادرات الغذاء الأوكرانية والروسية يمثل جزءًا صغيرًا من التجارة العالمية، إلا أنها تستأثر بنسبة هامة من العرض لدى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تعتمد بشكل كبير على هذه الواردات. والبحث عن موردين آخرين يستغرق وقتًا وقدرة تخزين لا تمتلكها العديد من الدول المستوردة. فعلى سبيل المثال، تستغرق سفينة الشحن حوالي أسبوعا لنقل القمح من شمال البحر الأسود إلى لبنان. لكن السفينة ذاتها تستغرق أسبوعين لنقل الحبوب من الهند إلى لبنان وربما شهرًا لنقلها من أستراليا إلى لبنان. 


وأضافت المجلة أن روسيا تحاصر سفن الحبوب في البحر الأسود وتمنعها من المغادرة، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى المزيد من السفن لنقل الحبوب. في الحقيقة، إن المشكلة الرئيسية لا تكمن في نقص القمح وإنما في نقص سفن الشحن لنقله، ونقص الأموال لشرائه في ظل الارتفاع المفاجئ في الأسعار بسبب حالة الذعر.


يمكن للدول التي لديها احتياطي حبوب مخزنة في الصوامع ومنشآت الموانئ ومستودعات السكك الحديدية وما إلى ذلك أن تتغلب على أزمة سلسلة التوريد. ويمكنها استخدام القمح المخزن بينما تشق السفن طريقها من مناطق أخرى عبر المحيط الهندي. لكن معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تتمتع بهذه الرفاهية، إذ تم تدمير منشأة تخزين الحبوب الوحيدة في لبنان في انفجار ميناء بيروت سنة 2020. وفقد اليمن وسوريا الكثير من البنية التحتية للتخزين والنقل بسبب الحرب. وأدت تحديات البنية التحتية والتمويل إلى إبقاء دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معتمدة على واردات القمح المستمرة والسريعة.


أوضحت المجلة أن الغرب فوجئ بالتداعيات التجارية للحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما تعكسه استجابة الهيئات الحكومية والخاصة. بدل الذعر، كان بإمكانهم تقييم مخزونات الحبوب وتوقعات الحصاد ومشاكل سلسلة التوريد الحقيقية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ثم الاستجابة وفقًا للمعطيات التي لديهم. لكن الدول الغنية قررت - في القطاعين الخاص والعام - البدء في تخزين الحبوب. ودفع الوسطاء المذعورون، الذين لديهم خبرة قليلة في أسواق الحبوب، الأسعار إلى مستويات لا يمكن تحملها (حوالي 13 دولارًا لكل بوشل من القمح) في حين يعتقد محللو المحاصيل المتمرسون أن سعرا بين 7.50 و8 دولارات يعكس ظروف العرض العالمية الفعلية.


وهذه الهوة بين توقعات الأسعار في وول ستريت وواقع المزارع جعل من المستحيل على بعض المزارعين ومشتري الحبوب إجراء الصفقات. وتهدد الأسعار المرتفعة بشكل غير منطقي بإفلاس الحكومات الهشة. وبمجرد ذعر الأسواق الخاصة، بدأت الحكومات في إصدار سياسات حمائية تمنع التصدير، بما في ذلك دول مثل الأرجنتين وبلغاريا.


ونبّهت المجلة إلى أن السياسات الحمائية الحكومية ليست فعالة لأن نقص القمح مجرد وهم في خيال المستثمرين المذعورين. لم تواجه الاقتصادات الغنية نقصًا في القمح منذ سنة 1972. ولم يشهد المهنيون الماليون في البلدان الغنية أي شيء سوى وفرة القمح. وفي مواجهة شائعات عن النقص، لا يعرف الكثيرون إذا ما كان النقص حقيقيًا، ولا يستطيعون تقدير مدى خطورته، أو الجهة التي عليهم التواصل معها فيما يتعلق بتجارة الحبوب.


حالة الذعر التي أصابت الدول الغنية فاقمت مشاكل سلسلة التوريد التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي الوقت نفسه، تركز العديد من الحكومات والجهات المانحة الغربية على الصراع العسكري في أوكرانيا لدرجة أن التداعيات الأوسع للحرب قد غابت عن الأنظار. وبعد الغزو، تبخرت المساهمات المتوقعة لبرامج الأمم المتحدة للمساعدات الغذائية لليمن، مما ترك اليمنيين أكثر عرضة للمجاعة. 

 

اقرأ أيضا: الغارديان: مصر ولبنان والصومال تدفع ثمن حرب أوكرانيا

وأشارت المجلة إلى أنه إذا أراد الغرب تجنب مثل هذه الأخطاء القاتلة في المستقبل، فإن الخطوات المطلوبة واضحة. أولا، وضع حد لسياسات اكتناز الحبوب الوقائية. ثانيًا، تضمين الشحن في الخطط الإنسانية وليس مجرد شراء الحبوب. ثالثًا، التعامل مع الأسواق المليئة بالذعر بحذر شديد. وعلى المدى الطويل، يحتاج الغرب إلى إعادة الاستثمار في توقعات المحاصيل، مثلما فعلت الولايات المتحدة وحكومات أخرى من خلال توظيف علماء المحاصيل للتنبؤ بالإنتاجية العالمية. 


وختمت المجلة بأن الدول الغنية لطالما كان لديها ما يكفي من الغذاء لدرجة أنها توقفت عن تصور احتمال وجود مشكلة. وما لم تصحح الدول الغنية مسارها وتستثمر في المعلومات والبنية التحتية، فقد نشهد مجاعات وحكومات زائلة. ولن يكون ذلك بسبب نقص الإمدادات، وإنما بسبب حالة الذعر.