قضايا وآراء

الاستراتيجية الأمريكية تجاه روسيا: نموذج الحرب الأوكرانية

1300x600
ولأن أمريكا دولة مؤسسات، بعد أن أصبحت القطب الأوحد عقب الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، فإنها وضعت استرتيجية مرحلية للتعامل مع روسيا؛ الوريث الشرعي للاتحاد السوفييتي.

ونحن إذ نتحدث عن الاستراتيجية الأمريكية تجاه روسيا، لا ندعي أننا نستند إلى معلومات مخابراتية، أو نستند إلى تسريبات من داخل المؤسسات الأمريكية، ولكن حديثنا مستند على متابعة وتحليل للسلوك الأمريكي خلال العقود الثلاثة الماضية، ولا سيما في الأزمة الحالية، التي تحولت بفضل السلوك الأمريكي والتورط الروسي إلى صراع مسلح.

والاستراتيجية تجاه روسيا تنقسم إلى أربع مراحل:

الأولى: مرحلة إعادة التشكيل ثم الاستيعاب والإدماج

عقب سقوط الاتحاد السوفييتي، سعت أمريكا إلى استيعاب روسيا وإدخالها في إطار المفاهيم الغربية كالديمقراطية الرأسمالية، والليبرالية الغربية، ومن ثم دمجها في النظام الاقتصادي العالمي، بهدف إعادة تشكيل العقلية الفكرية الروسية، وجعلها معتمدة على العلاقات مع الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. ولقد نجحت أمريكا إلى حد كبير، بداية من 1999 بعد أن تولى رئاسة روسيا الاتحادية "بوريس يلتسن"، وهو أول رئيس منتخب في روسيا شعبيا، وكان الشعب الروسي يتطلع إلى تحقيق الحرية، والديمقراطية، والرفاهية الاقتصادية، على غرار الدول الغربية، ولكن كانت فترة حكمه شهدت فسادا كبيرا، وضعفا للدولة الروسية، ورغم أنه تمت إعادة انتخابه إلا أنه استقال، ورشح بوتين خلفا له. وفي نهاية هذه المرحلة لم تستطع أمريكا تحقيق الاستيعاب أو الادماج، ولكن ساهمت بإعادة تشكل روسيا، إلا أنه مع تولي بوتين الرئاسة تغيرت البوصلة الروسية، وسعى بوتين لتحقيق حلمه بإعادة مجد روسيا القيصرية.
في نهاية هذه المرحلة لم تستطع أمريكا تحقيق الاستيعاب أو الادماج، ولكن ساهمت بإعادة تشكل روسيا، إلا أنه مع تولي بوتين الرئاسة تغيرت البوصلة الروسية، وسعى بوتين لتحقيق حلمه بإعادة مجد روسيا القيصرية

الثانية: مرحلة التوظيف والإلهاء

وهذه المرحلة، مع بداية حكم بوتين، وتيقن أمريكا من طموحاته، وشغفه بالسلطة، وسعيه لإعادة روسيا إلى مجد ما قبل تفكيك الاتحاد السوفييتي، سعت إلى توظيف الدب الروسي الطامح للمجد، والطامع في الاستمرار في السلطة، فتركت له مساحات، لكي يقوم نيابة عنها بدور الشرطي، أو بأدوار قذرة -نيابة عن أمريكا والغرب- في الدول التي تشهد حروب أو صراعات.

وعلى إثر ذلك، تمدد الروس في كثير من الدول، حتى انشغلوا بهذه الأزمات إلى حد كبير. وفي هذه العقود الثلاثة لم تتقدم روسيا، أو تحقق طفرات اقتصادية، أو تكنولوجية، وإن كانت استقرت داخليا، واستمرت في تفوقها وتميزها في الصناعات العسكرية.

في هذه المرحلة ظهرت روسيا وكأنها دولة عظمى اقتصاديا، وتكنولوجيا، وسياسيا، وعسكريا، ولكن الحقيقة غير ذلك، فبحسب المقاييس العلمية، هي دولة تحتاج الكثير من التطور والنجاحات والأدوات، لكي تصبح دولة عظمى بحجم التطور السياسي والتكنولوجي، والاقتصادي، بل والعسكري لكي تصل لحجم الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكنها توسعت بدرجة كبيرة، حتى أن حكامها صدقوا أنهم قطب جديد، صاعد، في مواجهة أمريكا، ومواز للصين، أو متفوق عليها، فخاضت حروبا عديدة في الشيشان، وجورجيا، والقرم، وتدخلت في سوريا، وليبيا، وغيرهما، سواء بشكل مباشر، أو عن طريق شركات المرتزقة الروس (فاغنر)، التابعة لروسيا، حتى قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتوريط روسيا في المستنقع الأوكراني.
حكامها صدقوا أنهم قطب جديد، صاعد، في مواجهة أمريكا، ومواز للصين، أو متفوق عليها، فخاضت حروبا عديدة في الشيشان، وجورجيا، والقرم، وتدخلت في سوريا، وليبيا، وغيرهما، سواء بشكل مباشر، أو عن طريق شركات المرتزقة الروس (فاغنر)، التابعة لروسيا، حتى قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتوريط روسيا في المستنقع الأوكراني

الثالثة: مرحلة التوريط والإضعاف

في هذه المرحلة أمريكا غضت الطرف عن ترهيب روسيا لجيرانها، ممن كانوا ينتسبون للاتحاد السوفييتي القديم، وابتعدوا كثيرا عن التوجه الروسي، وتقاربوا إلى الغرب سياسيا، وفكريا، واقتصاديا، حتى جعلت بين روسيا وبينهم عوائق كثيرة.

وبصمت أمريكا عن السلوك الروسي في الشيشان، وجورجيا، والقرم، وتقوية نفوذه في بيلاروسيا، وكازاخستان، وغيرها، فهم الدب الروسي أن الوقت قد حان للتمدد غربا، نحو أوكرانيا، ولأن أمريكا تسعى لتوريط روسيا، أرسلت بصمتها عن تحركاته على الحدود الأوكرانية، رسائل فهم الدب الروسي خطأ أنها دلالة على العجز الأمريكي والغربي، أو الرضى الأمريكي، وأن الوقت قد حان لالتهام أوكرانيا.

ثم حدث الغزو لأوكرانيا، ووقع الدب في المستنقع، وبدأت أمريكا في تنفيذ استراتيجيتها، لاضعاف روسيا بعد أن تم توريطها في المستنقع، فوضعت حزمة من العقوبات ذات الأثر الفعال، اقتصاديا وسياسيا وصناعيا واجتماعيا، وفي نفس الوقت، قدمت حزمة من المساعدات العسكرية لأوكرانيا تسهم في تمكين الأوكران، من إرهاق الروس، والتصدي لهم.

ثم قامت بحشد دولي كبير، وتسعى لتوسيعه وتعميمه، لكي يشمل أغلب دول العالم، لمواجهة الروس، وخنقهم دوليا وإقليما. وهذا شيء غير مسبوق، وهو بالتأكيد يضعف روسيا على جميع المستويات، بما سيكون له أثر كبير داخلي، سيشعر به المواطن الروسي، مما يمكن معه حدوث اضطرابات شعبية داخل روسيا.
شيء غير مسبوق، وهو بالتأكيد يضعف روسيا على جميع المستويات، بما سيكون له أثر كبير داخلي، سيشعر به المواطن الروسي، مما يمكن معه حدوث اضطرابات شعبية داخل روسيا

الرابعة: مرحلة الخنق والتمزيق

بدأت أمريكا في تبني استراتيجية الخنق، والتمزيق، وهذا ما تمارسه في المرحلة الحالية، حيث تسعى لتوسيع مساحة الحرب، وتوريط دول أوروبية أخرى فيها، مثل بولندا، ودول البلطيق، ومولدوفا، وجورجيا، وغيرها، لكي تتسع رقعة الحرب، ويتمدد الروس، ويتشتتون، ويفقدون القدرة على حماية مؤخراتهم، وتنقطع خطوط إمدادهم، ويهزمون شر هزيمة. كما تسعى لإطالة أمد الحرب، لكي تنهك قوة روسيا العسكرية والاقتصادية، ويزداد الرفض الداخلي للحرب، فتتطور الأحداث لثورة ضد بوتين، ويتفكك الاتحاد الروسي، كما تفكك الاتحاد السوفييتي، ثم يحاكم بوتين على أنه مجرم حرب، بعد أن يتم إسقاطة، أو الانقلاب عليه، هذا إذا لم يتم اغتياله.

وفي الختام:

هل ستتحقق الاستراتيجية الأمريكية، أو بعض منها؟

هذا يتوقف على مدى قدرة بوتين على عدم التورط أكثر من ذلك، أو أن يرضى بأقل الخسائر.

ولكن الأكيد، أن روسيا تورطت في المستنقع الأوكراني، وأن الدب الروسي اختل توازنه، وفقد كثيرا من قدرته على المناورة، والهروب للخلف، فليت مؤيديه في الشرق الأوسط يعيدون حساباتهم.