اقتصاد دولي

هل بإمكان التحكم الاستراتيجي بالأسعار محاربة التضخم؟

وصل التضخم في أمريكا إلى أعلى مستوياته طوال أربعين عاما- الأناضول

نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية، تقريرا عن الأساليب الفعالة لمواجهة الموجة العالمية لارتفاع معدلات التضخم، متسائلة: "هل بالإمكان العمل بوصية كبار الاقتصاديين في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية باللجوء إلى التحكم الاستراتيجي بالأسعار من أجل منع التضخم؟".


ووفقا للتقرير الذي ترجمته "عربي21"، فقد وصل التضخم إلى أعلى مستوياته طوال أربعين عاماً، والبنوك المركزية حول العالم تعد بالتدخل. إلا أن العامل المهم الذي يدفع بالأسعار نحو الارتفاع يبقى إلى حد بعيد طي التجاهل، ألا وهو الانفجار في الأرباح.

 

ففي عام 2021، وصلت هوامش الربح غير المالي في الولايات المتحدة إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا ليس من باب الصدفة. فقد احتاجت نهاية الحرب إعادة هيكلة مفاجئة للإنتاج مما أوجد اختناقات شبيهة بتلك التي سببتها الجائحة. حينذاك كما الآن، استغلت المؤسسات الضخمة المتنفذة داخل السوق مشاكل التوريد واعتبرتها فرصة تتيح لها زيادة الأسعار والاغتراف من الأرباح المفاجئة.

 

اتخذ الاحتياطي الفدرالي هذا الشهر خطوة صقورية. ولكن تقليص المحفز النقدي لن يصلح الخلل في سلسلة التوريد. ما نحتاج إليه بدلاً من ذلك هو إجراء حوار جاد حول وسائل التحكم الاستراتيجي بالأسعار – تماماً كما حدث بعد الحرب.
 
واليوم ينقسم الاقتصاديون إلى معسكرين في ما يتعلق بمسألة التضخم: يقول فريق المرحلية إننا لا نحتاج لأن نقلق بشأن التضخم نظراً لأنه سيتركنا قريباً ويرحل. أما فريق الكساد فيحث على ممارسة الانضباط المالي ورفع أسعار الفائدة. ولكن ثمة خيار ثالث: بإمكان الحكومة أن تستهدف أسعاراً بعينها تقف من وراء التضخم بدلاً من الانتقال إلى التقشف الذي يهدد بإحداث حالة من الركود.
 
وللكناية عن ذلك، تصور أن منزلك تلتهمه النيران، بينما لن ترغب في الانتظار إلى أن تخمد ألسنة اللهب من ذات نفسها، كذلك لن تريد لمنزلك أن ينتهي إلى حطام بسبب إغراقه بالماء. يقوم رجل الإطفاء الماهر بإطفاء النار حيث تشتعل ويمنع انتشار ألسنة اللهب لإنقاذ المنزل. يعلمنا التاريخ أن مثل هذه المقاربة ذات الهدف المحدد قابلة للتطبيق أيضاً للحد من ارتفاع الأسعار.
 
يقترح مجلس المستشارين الاقتصاديين لدى البيت الأبيض أن أفضل قياس تاريخي لما نشهده اليوم من تضخم هو ما جرى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. فحينذاك، كما هو الحال اليوم، كان ثمة طلب مكبوت بفضل مدخرات العائلات المرتفعة. نجم ذلك أثناء الحرب عن ارتفاع الدخل والترشيد، كما نجم أثناء جائحة كوفيد-19 عن الشيكات المحفزة والإغلاقات. خلال الفترتين تعرضت سلاسل التوريد للتعطيل. ذلك هو المدى الذي يصل إليه تفسير مستشاري البيت الأبيض للتشابه بين الحالتين. ولكن ما لا يقولونه لنا هو أن التضخم بعد الحرب لم يكن بلا بديل.
 
فرضت إدارة الرئيس روزفلت أثناء الحرب قيوداً صارمة على الأسعار وأنشأت مكتباً لإدارة الأسعار، فكان ارتفاع الأسعار منخفضاً مقارنة بما كان عليه أثناء الحرب العالمية الأولى، بينما كانت الزيادة في المنتج فوق التصور تقريباً. وكان السؤال بعد انتهاء الحرب: ماذا عسانا نفعل بالقيود على الأسعار؟ هل ينبغي رفعها مرة واحدة كما كان يطالب بذلك الديمقراطيون والجمهوريون وكبار الأعمال في الجنوب؟ أم إن للقيود على الأسعار دوراً يمكن أن تلعبه في عملية التحول نحو اقتصاد ما بعد الحرب؟
 
ودعا بعض أبرز الاقتصاديين الأمريكيين في القرن العشرين، من خلال صحيفة ذي نيويورك تايمز، إلى الاستمرار في فرض القيود على الأسعار، وكان من بينهم بول سامويلسون، وإيرفينغ فيشر، وفرانك نايت، وسايمون كوزنيتس، وبول سويزي، وويزلي ميتشيل، بالإضافة إلى أحد عشر رئيساً للجمعية الاقتصادية الأمريكية. ينطبق ما قدموه من أسباب تدعو إلى الإبقاء على القيود على الأسعار على وضعنا الحالي.
 
وكانت حجتهم أنه طالما حالت الاختناقات دون أن يلبي العرض الطلب، فينبغي أن تستمر القيود مفروضة على البضائع المهمة لمنع الارتفاع في الأسعار. ضم قيصر القيود على الأسعار أثناء الحرب، جون كينيث غالبريث، صوته إلى هذه المطالبات، وبين أن "دور القيود المفروضة على الأسعار" سيكون "استراتيجياً". وأضاف: "لن تتمكن من وقف التضخم أكثر مما قد يخطر ببال الاقتصادي ولكنها سوف تضع الأساس وتكسب الوقت لصالح الإجراءات التي من شأنها إنجاز ذلك".
 
كان الرئيس ترومان مدركاً للمخاطر التي ستنجم عن رفع القيود المفروضة على الأسعار. فقد حذر في الثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1945 من أن الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى اضطرت "ببساطة إلى رفع القيود القليلة التي كانت قد فرضت وتركت الطبيعة تأخذ مجراها". ثم حث على أنه ينبغي "أن يكون في النتيجة عبرة لنا جميعاً، وذلك أن الارتفاع الحلزوني المشوش في الأجور وفي تكاليف المعيشة هو الذي أفضى إلى الانهيار الذي حصل في عام 1920 – وهو الانهيار الذي نشر الإفلاس والإغلاق والبطالة في كافة أرجاء البلاد". وبالرغم من ذلك فإنه تم رفع القيود على الأسعار في عام 1946، فحصل نتيجة لذلك التضخم وانطلقت دورة الازدهار والإفلاس.
 
واليوم، تارة أخرى ثمة خيار بين السكوت عن الانفجار الحاصل حالياً في الأرباح، ما يرفع الأسعار، وبين فرض قيود معينة على أسعار يتم اختيارها بعناية. ولسوف تتيح القيود على الأسعار الوقت اللازم للتعامل مع الاختناقات التي ستستمر طالما استمرت الجائحة.

 

كما أن بإمكان القيود المفروضة على الأسعار بشكل استراتيجي أن تساهم في تحقيق الاستقرار النقدي المطلوب لاستنفار الاستثمارات الشعبية باتجاه المرونة الاقتصادية والتخفيف من آثار التغير المناخي والحياد الكربوني. أما تكلفة البقاء مكتوفي الأيدي بانتظار أن يتبدد التضخم من ذات نفسه فستكون مرتفعة. ولعل في انسحاب السيناتور مانشين من قانون إعادة البناء بشكل أفضل ما يؤكد خطر الفراغ الذي سينجم عن سياسة الانكماش في الوقت الذي يكون فيه عمل الحكومة على ما يرام. في هذه الحالة سيكون التقشف أسوأ، لأنه يهدد بإحداث ركود في التصنيع.
 
نحتاج إلى النظر إلى القيود المفروضة على الأسعار بشكل استراتيجي باعتبارها أداة ضمن الرد الأوسع نطاقاً على التحديات الاقتصادية الضخمة بدلاً من التظاهر بأنه لا يوجد بديل عن "دعنا ننتظر لنرى" أو عن التقشف.