كتاب عربي 21

تعاطي الحكومة الليبية مع التدخلات الخارجية.. تفكيك أم تأزيم؟

1300x600

كان من شؤم الحرب على طرابلس أنها عظمت من التدخل الخارجي في الأزمة الليبية وجعلت مفاتيح إدارتها متحكما فيها من قبل الأطراف الإقليمية والدولية، حتى صار اتجاه الأزمة الليبية مقرونا باتجاهات الأزمات بين الأطراف الإقليمية، ومثلها الصراع في شرق البحر المتوسط.

ولأن الحال كذلك، فقد غلب على أداء وتركيز حكومة الوحدة الوطنية منذ استلام مهامها الملف الخارجي وترتيب الأوضاع مع الأطراف المتدخلة في الملف الليبي، فقد قضى رئيس حكومة الوحدة الوطنية في الترحال والتنقل في الخارج أكثر مما قضاه متنقلا بين المدن الليبية ومجتمعا مع الفواعل المحلية.

تحديات أكبر من قدرات الحكومة

ومع الإقرار بأهمية تحييد العامل الخارجي ليتسنى ترتيب الأوضاع الداخلية حتى انعقاد الانتخابات في أجواء سياسية وأمنية واجتماعية نقية نسبيا، إلا أن حكومة الوحدة الوطنية لن تكون قادرة على تفكيك تشابكات الأطراف الإقليمية والدولية حول ليبيا، خاصة وأنها محكومة بإطار زمني لا يتجاوز تسعة أشهر.
 
الأكثر من ذلك، فإن انخراطها في الفضاء الإقليمي والدولي المعني بالأزمة الليبية وفق المقاربة الراهنة قد يؤزم الوضع أكثر أو يفسح المجال لتفجير الوضع بعد أن هدأت الأمور نسبيا.

 

إن قطع الطريق على الأطراف العابثة والتي ثبت تورطها السلبي في الأزمة الليبية مهم لإحراجها أمام المجتمع الدولي في حال عادت إلى سياستها القديمة، وسيكون تفعيل الاتفاقية الأمنية مع تركيا مبررا لمجابهة عدوانها في حال وقوعه

 



إن طبيعة الصراع الإقليمي والدولي المحتدم حول ليبيا يرتبط بملفات تتجاوزها، وهي في جانب كبير منها توظيف لليبيا في تدافع إقليمي ودولي كبير تغذيه تعقيدات لها علاقة بالتاريخ والجغرافيا والأيديولوجيا والنفوذ الاقتصادي والتوازنات الاستراتيجية التي تمتد آلاف الأميال بعيدا عن ليبيا. وهو بهذا التوصيف لا يقبل التفكيك بمجرد التواصل والمباحثات التقليدية حول بعض المصالح الاقتصادية.

أيضا فإن للتدافع الإقليمي والدولي تقاطعاته مع التيارات والمكونات السياسية داخل البلاد، ولأن حالة الصراع والنزاع ما تزال قائمة حتى مع التقدم على مسار التوافق السياسي والاجتماعي، فسيكون من الصعب تفكيك التشابكات الإقليمية والدولية دون إحراز تقدم حقيقي فيما يتعلق بالصراع والنزاع الداخلي.

تفكيك أم تأزيم

تنقل رئيس الحكومة ما بين العواصم المتورطة في الأزمة الليبية، من مصر إلى الإمارات ففرنسا وتركيا وروسيا، وقد أثارت زيارته للإمارات ردود فعل قوية، ذلك أن الأخيرة متورطة ـ بناء على تقارير دولية ذات مصداقية ـ في جرائم ضد مدنيين في عدوان حفتر على طرابلس، ثم أعقبها زيارة لتركيا بوفد وزاري كبير أسفرت عن إطلاق تعاون استراتيجي، فيما اتسمت الزيارات الأخرى بالطابع الدبلوماسي المحض.

الحكومة قد تكون وقعت فيما يمكن توصيفه بالارتباك فالاصطفاف بتقديم الإمارات بزيارة خاصة ووفد خاص، ثم إعطاء ميزة تفضيلية لتركيا، ومع التقدير للدور التركي الذي أسهم في إفشال مخطط الانقلاب وعسكرة الدولة وقاد إلى وقف الحرب وإطلاق التسوية السياسية، إلا أن السياسة الخارجية التركية تشكل قلقا لأطراف عدة إقليمية ودولية، حتى أنها كانت محل بحث وزيري الخارجية الأمريكي والإيطالي خلال لقائهما الأخير.

ربما كان من المفيد الاستفادة من تركيا في معالجة الكهرباء كون أزمة الكهرباء من الملفات الحيوية التي تتطلب معالجة سريعة ودون الدخول في شراكة أو تعاون استراتيجي قد تستغله أطراف إقليمية ودولية كذريعة لإثارة القلاقل في البلاد.

مؤشرات على عودة الاستقطاب والتوتر

تقرير المخابرات الأمريكية أشار إلى عودة الدعم الخارجي للفرقاء الليبيين، ونوه إلى عدم قدرة الحكومة على مواجهات التصعيد المحتمل، وهناك لغط حول شحنة أسلحة يمكن أن تكون وصلت لحفتر من القاهرة، وهو ما يتطلب حذرا وحكمة في مقاربة الحكومة للتعاطي مع هذا الوضع المعقد، والابتعاد عما يمكن اعتباره انحيازا قد يبرر عودة التدخل.

إن قطع الطريق على الأطراف العابثة والتي ثبت تورطها السلبي في الأزمة الليبية مهم لإحراجها أمام المجتمع الدولي في حال عادت إلى سياستها القديمة، وسيكون تفعيل الاتفاقية الأمنية مع تركيا مبررا لمجابهة عدوانها في حال وقوعه، مع التأكيد على سياسة النأي عن التجاذبات الخارجية وعدم الانحياز وعدم التمييز، ذلك أن الانحياز أو التمييز قد يعقد الوضع أكثر ويضعف موقف الحكومة التي من المفترض أنها معنية بنزع فتيل التأزيم الخارجي والتركيز على ملفات الداخل أكثر للوصول إلى الانتخابات بعد تسعة أشهر.