أخبار ثقافية

بنات آوى والعرب.. كيف رأى كافكا العلاقة بين اليهود والعرب؟

أدب كافكا يستقي من منابع الثقافة الأوروبية الغربية المعاصرة ويخاطبها- أرشيفية

ظلت يهودية فرانز كافكا (1883- 1924م) موضع بحث وجدل بين النقاد والباحثين في سيرة الروائي التشيكي الشهير وتركته الأدبية، لا من حيث مولده لأبوين يهوديين، وإنما من حيث انتمائه الفكري للديانة اليهودية. فهل كان رائد النزعة الاغترابية في الأدب، المصاب بالقلق الوجودي، المعذب بمشاعر الذنب، المثقل بالرؤى العبثية، منتمياً دينياً، وملتزماً أيديولوجياً بالتوجهات السياسية للحركة الصهيونية؟ وهل كان أدبه، أو جزء منه على الأقل، مسخّراً لخدمة المشروع الصهيوني في فلسطين؟


من وجهة نظر غربية، انشغل الدارسون بالمؤثر الديني في فكر كافكا بغية الولوج إلى عوالمه الأدبيه الغامضة. والثابت في سيرة كافكا أنه تربى تربية دينية في طفولته المبكرة في مدينة براغ عاصمة جمهورية التشيك حالياً، لكن تعليمه الديني التقليدي انتهى في سن الثالثة عشرة، وكان خلال طفولته يذهب إلى دار العبادة في مناسبات متباعدة بصحبة أبيه، ولم يكن يحب ذلك المكان. ولم يظهر اهتمامه الجاد بالتاريخ والتقاليد والثقافة اليهودية إلا بعد عام 1911م، وهو في سن الثامنة والعشرين. وانصب اهتمامه على عقيدة (الكابالا) الدينية اليهودية الموغلة في القدم. لكنّ هذا الاهتمام لم ينعكس انعكاساً واضحاً في أدبه. ولم يعرف عنه اهتمامه بالمشرق العربي لغة وثقافة وجغرافيا. 


أما من وجهة النظر العربية، فقد سعى بعض الدارسين العرب إلى الربط بين انشغالات كافكا بتاريخ اليهودية واعتناقه للصهيونية، من دون أن يقدموا دليلاً مقنعاً على هذا الربط. وانطلقوا في درسهم من نقطتين، الأولى البحث في سيرة كافكا والمكوّن الديني في شخصيته، والثانية تحليل بعض أعماله الأدبية مثل قصة (بنات آوى والعرب) المنشورة عام 1917م. وقد صدرت هذه القصة مؤخراً عن دار منشورات تكوين، ضمن سلسلة مختارات قصصية، حملت عنوان (الشبح الذي جاء يعتذر)، وترجمها هشام فهمي. 


يجيب الكاتبان وسام الدويك، موقع (إسلام أون لاين)، وسيدي محمد، موقع (الجزيرة دوت نت)، على هذه الأسئلة انطلاقاً من فكرة المؤامرة، وقوامها التوجس خيفة من كل إسهامات اليهود الفلسفية والأدبية، وحتى العلمية، خلال القرن العشرين، والتشكك في دوافعهم، واتهامهم بنشر الأفكار الهدامة للقيم الإسلامية، والعاملة على تجريد المجتمعات العربية من ثوابتها الأخلاقية مقدمة لإضعافها وتدميرها. 


 يحشر الكاتبان كافكا في خانة الكتاب اليهود الذين غلبت عليهم هويتهم الدينية، فاندفعوا إلى أحضان الصهيونية، يقول وسام الدويك: "عاش كافكا سجينًا لجذوره اليهودية التي شكلت عالمه الداخلي، ورغم أنه يرى أن اليهود لا يزالون يتمسكون بمعتقدات وشعائر لا يستطيع أبدًا أن يفهم مغزاها، لكن ذلك لم يمنعه من أن يفي لمعتقده في دولة لليهود، وشارك بالفعل في الحركة الصهيونية بنفسه". وعن أعماله الأدبية يقول الدويك: “حفلت أعماله بالدعوة الصريحة لقضيته التي آمن بها وهي قيام دولة صهيونية على أرض فلسطين، والتي ربما جاء إيمانه العميق بها من فرط إحباطاته النفسية والاجتماعية المغرقة في السوداوية، وربما فكَّر أن ينعم بالخلاص “الفئوي” له ولقومه اليهود؟ فهل يمكن أن نلومه على ضيق أفقه وقصور فكره". 


إن هذا الرأي الذي لا يتردد الدويك في إطلاقه بدون الاستناد إلى دليل من سيرة كافكا، أو قراءة في أدبه، يدل على ضيق أفق الدويك نفسه، وقصور فكره هو، وليس كافكا. أما الكاتب سيدي محمد، فيقرأ قصة (بنات آوى والعرب) قراءة منقادة لأحكام مسبقة، وقائمة على فرضية مؤدلجة مفادها أن كافكا كان مؤيداً المطامع الصهيونية في فلسطين. ويدلل على فرضيته بأن كافكا نشر القصة عام 1917م، بالتزامن مع إعلان وعد بلفور. علماً بأن الوعد أعلن في أواخر ذلك العام، والأرجح أن يكون كافكا كتب القصة قبل ذلك التاريخ. 


يتجاهل الكاتبان أن أدب كافكا يستقي من منابع الثقافة الأوروبية الغربية المعاصرة ويخاطبها، وأن العامل الديني في تكوينه هو عامل شخصي يتفاعل مع عناصر تلك الثقافة من داخلها، ولا يعمل على نحو منفصل عنها. والأهم من كل ذلك، هو أن أدب كافكا يتفلّت من الأحكام اليقينية، والقراءات السطحية والموجهة.     


توفي كافكا قبل ربع قرن من اكتمال المشروع الصهيوني على أرض فلسطين عام 1948م. ولا ترد في القصة كلمة اليهودية أو اليهود أبداً. ثمة قطيع من بنات آوى تتصارع مع عربي يقود قافلة من الجمال قرب واحة صحراوية في ليلة مظلمة. وثمة مسافرون غربيون في القافلة، لا يتميّز منهم غير الراوي الذي يشهد ذلك الصراع، ويجد نفسه مقحماً فيه، إذ تلجأ إليه بنات آوى ليساعدها، وتلح في طلب المساعدة منه. ولكن المسافر الغريب يوضح لبنت آوى الأكبر سناً أنه لا يملك المساعدة، لأنه لا يفهم أبعاد هذا الصراع القديم بين قطيع بنات آوى والعرب، ولأنه لا يملك أدوات المساعدة، كما أنه يخاف أن يغضب منه العرب وهو الغريب في أرضهم. 


ويدور حوار طويل بين الطرفين يغيب عنه العربي، ويشي الحوار بعمق سوء التفاهم بين المسافر وقائدة القطيع، ويكشف عن كراهية بنات آوى للعرب، وخوفها منهم، وتعاليها عليهم برغم ضعفها مقارنة بهم. وتستخدم بنات آوى أسنانها في القبض على قميص المسافر حين يرفض طلبها، وينهض مبتعداً عنها، ويحتجّ على سلوكها العنيف، ويحذرها من أن هذا السلوك لن يجبره على مساعدتها. وتحاول بنات آوى يائسة إقناعه بجزّ أعناق العرب بمقص صغير تقدمه له.


 وفي هذه اللحظة يدخل العربي حاملاً سوطه، وملوحاً به، فتتفرق بنات أوى. ويدور حوار بين العربي والمسافر، يكشف عن ثقة العربي الكبيرة بنفسه وبقوته وبسيطرته على صحرائه المترامية الأطراف، وعلى معرفته بشخصية بنات آوى المطبوعة بالجبن والطيش والحمق، وعلى استهتاره بقدرتها أن تحقق أهدافها الشريرة. ولإثبات موقفه يطلب العربي من أتباعه أن يرموا لبنات آوى جيفة جمل، وما أن تشمّ بنات آوى رائحة الدم، حتى تتجمع فوق الجيفة ناسية خوفها، فيأخذ العربي يضربها بسوطه وهي تتلذذ من فرط النشوة؛ نشوة الطعام، ونشوة الألم. ولا ينقذها من الهلاك تحت ضربات السياط العربية، إلا تدخل المسافر بإمساك ذراع العربي، فيعفو عنها إكراماً له، واستخفافاً بها.


  تظل القراءة التي تتناول هذه القصة محمولة على وجه واحد من وجوه كثيرة يحتملها هذا النوع من القصص التي تتكلم فيها الحيوانات. ومهما بلغت القراءة من الوجاهة وقوة الإقناع، فلن تبلغ اليقين، لأن الكاتب تقصّد أن يزرع فيها بذور الشك والغموض. وإذا سلمّنا أن بنات آوى تعني اليهود، والمسافر يعني القوى الاستعمارية الأوروبية الطامعة بالمشرق العربي إبان الحرب العالمية الأولى، فإن ذلك لن يكفي لتجلية الغموض المحيط بالقصة. إن القراءة الموضوعية تقتضي دراسة العلاقات بين أطراف القصة وعناصرها من دون تسميتها بأسماء غير الأسماء التي أطلقها عليها الكاتب.


يقرّ كافكا بأن الأرض التي تجري عليها أحداث القصة ملك للعربي، فهو القائد والسيد فيها، يعرف مسالكها ويسيطر عليها. ويقرّ أيضاً بوجود بنات أوى القديم فيها، لكنه وجود متطفّل على الوجود العربي، وجود قائم على كراهية العربي، والاقتيات على ما يرميه لها من فضلات طعامه. ولا يملك المسافر الأجنبي أن يغيّر حقائق التاريخ والجغرافيا برغم تعاطفه مع بنات آوى، وإشفاقه عليها. هذه الرؤية تبدو واقعية مستندة إلى حقائق التاريخ، لكنها لا تسوّق لوجهة النظر الصهيونية للصراع.