قضايا وآراء

سعر الفائدة لمشروعات دعم الشباب بين الإباحة والتحريم

1300x600
شهدت الأيام القليلة الماضية جدلا واسعا بخصوص فتوى فضيلة الدكتور أحمد الريسوني، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، باعتبار القروض الموجهة لدعم الشباب بنسبة فائدة مخفضة قروضاً حسنة، وذلك خلال إشادته ببرنامج "انطلاقة" الحكومي المغربي لتشجيع البنوك على تقديم قروض بفائدة لا تتجاوز 2 في المئة للمقاولين الشباب في المدن، و1.75 في المئة في البادية لتمويل مشاريعهم.

ومن خلال متابعة تلك الفتوى في تلك القروض بصورة موضوعية نجد أنها تنقسم إلى مقدمات ونهايات.. والمقدمات في حقيقة الأمر لا تستند لدليل شرعي، فالدكتور الريسوني ذكر في تبريره للفتوى أنه "من الواضح أن هذا البرنامج ليس مبادرة ربحية تجارية حسب ما تعمل البنوك عادة، فهذه النسبة لا تعطي ربحا يذكر. وهذا توجه له وجهة شرعية محمودة، وهي تقديم القرض الحسن، سواء من الدولة أو من الأغنياء. هذا القرض إذا لم يكن قرضا حسنا فهو يقترب من القرض الحسن".

والواقع أن هذا القرض ولو كان ذات ربح يسير فإنه قرض ربوي وفق المعطيات القانونية للعقد، فضلا على أن مبلغ الزيادة يمثل نسبة مئوية لا مبلغا مقطوعا بالمصروفات الفعلية المباشرة المقدرة تقديرا دقيقا من أهل الاختصاص لمنع الاسترباح من القرض، سواء أكان هذا الاسترباح يسيرا أم فاحشا والله تعالى يقول: "وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ" (البقرة: 279). فأي زيادة على رأس المال بدون عوض ربا، وكما يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة "أي بوضع رؤوس الأموال، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة أو نقص"، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث: "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية" رواه أحمد.

أما تبرير تلك الزيادة بأن الدولة ضامنة للقرض، فقد جانبه الصواب. فإذا كان لا يجوز شرعا الاسترباح من القرض، فمن باب أولى عدم جواز الاسترباح من الضمان، فإذا كان القرض دفع للمال فالضمان استعداد لدفع المال ولا يجوز الجمع بين عوض وتبرع، ومن ثم لا يجوز كذلك أخذ ربح على على الضمان اللهم سوى المصروفات الفعلية المباشرة، كالقرض سواء بسواء.

أما تبرير تلك الزيادة بكونها تعويض عن التضخم فهو نفس المبرر الذي تردد كثيرا من قبل لتبرير سعر الفائدة، باسم تحقيق العدل ومنع الظلم. ولا ندري أي عدل يولد من الظلم، فسعر الفائدة عين الظلم؟! كما أن الواقع يثبت أن سعر الفائدة هو داء مسبب لداء آخر هو التضخم فسعر الفائدة يزيد من تكلفة الاقتراض، وهو ما يسهم في تضخم النفقات، وهذا يدفع بأسعار العديد من السلع والخدمات إلى الارتفاع. ويربط المؤرخ الاقتصادي جون ل. كنج بين التضخم والفائدة المدفوعة فيقول: "قد كتبت كثيرا عن أن الفائدة هي السبب الوحيد لارتفاع الأسعار، حيث تدخل في عمق سعر كل شيء يشترى".

وإذا كان ارتفاع سعر الفائدة هو التضخم بعينه فإن خفض سعر الفائدة يؤدى أيضا إلى التضخم، حيث يزيد من عرض النقود ومن ثم انخفاض القوة الشرائية، فسعر الفائدة كله شر، ومعالجة التضخم من خلال سعر الفائدة هي معالجة للداء بداء أكبر منه مما يضاعف من البلاء.

كما أن مبدأ التعويض في جوهره لا يتطابق مع نظام الفائدة، فالتعويض يكون لاحقا للاقتراض بينما سعر الفائدة يكون سابقا للاقتراض. وفكرة التعويض مبنية على الضمان الذي لا يجوز إلا بعد تحقق موجبه، وهو حدوث التغيير، في حين أن الفائدة المحددة سلفا والمبنية على التوقعات تحمل في طياتها جهالة بالتماثل. فقد يرتفع مستوى الأسعار بنفس النسبة وقد لا يرتفع إطلاقا، وقد يحدث فيه انخفاض، ولهذا فإن جهالة التماثل في هذه الحالة تفضي إلى الربا.. كما أنه من يعوض من عن التضخم؟! ولماذا لا تعوض الدول رعاياها عن الارتفاع المتنامي في الأسعار في كل شيء، ويقصرون ذلك على سعر الفائدة لإباحة الربا؟! ولماذا إذا انخفض التضخم لا يحدث التعويض بصورة معاكسة؟!

ومع ذلك، فإن نهايات فتوى الدكتور الريسوني جاءت واضحة برفض فضيلته حتى الربح اليسير لتلك القروض في الظروف العادية وأباحه للحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة ترخيصا، وهذا أمر له مرجعه الشرعي، مع أهمية أن يقدر تلك الحاجة العامة علماء المغرب الذي فضيلته منهم، مع التأكيد على أن الحاجة العامة هي التي يترتب على عدم الاستجابة إليها عسر ومشقة أو صعوبة، وقد حسم المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية هذا الموضوع حيث جاء فيه: "الإقراض بالربا المحرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، لا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته".

والخلاصة أنه لا يجوز الاسترباح من القرض ولو سمي قرضا ميسرا أو اجتماعيا، وقليل الربا وكثيره حرام، ولا يجوز أخذ سوى المصروفات الفعلية المباشرة بمبلغ مقطوع.. والأولى للدول الإسلامية أن تلزم نفسها والمؤسسات المالية بتغيير عقودها بصورة شرعية بعيدا عن الفائدة، حتى وإن سمتها مصروفات إدارية.. والله تعالى أعلم.
الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع