قضايا وآراء

حكومة إلياس الفخفاخ بين معركة السياسة ومعركة التنمية

1300x600
كاد السيد إلياس الفخفاخ، رئيس الحكومة المكلف من قِبل رئيس الجمهورية بتشكيل الحكومة، أن يُعلن فشل كل مساعيه وأن يعيد التكليف إلى السيد قيس سعيد، لتذهب البلاد ربما إلى إعادة الانتخابات البرلمانية وما يترتب عن ذلك من كلفة زمنية ومالية في وضع اجتماعي واقتصادي غير مريح.

كابوس فشل حكومة السيد الحبيب الجملي من قبلُ في نيل ثقة البرلمان كان مخيّما على السيد الفخفاخ، وهو يدير حوارات ويجري اتصالات مع مختلف الأحزاب المعنية بتشكيل الحكومة. أما حركة النهضة التي أبقت على مجلس شوراها في حالة انعقاد، فأثبتت أنها الحزب المحدد بل والمتحكم في المسار السياسي بالبلاد منذ 2011.

كان المحللون السياسيون بل وكثير من وسائل إعلام محلية وعالمية، يوم 18 شباط/ فبراير الجاري، ينتظرون قرار مجلس شورى حركة النهضة بخصوص المشاركة أو عدم المشاركة في حكومة الفخفاخ.

بعض خصوم حركة النهضة كانوا يستحثون رئيس الحكومة المكلف أن يتجاوز حركة النهضة ويمنح حقائبها لشخصيات مستقلة أو حزبية، ويعجل بعرض تشكيلته الحكومية على التصويت في البرلمان. كانوا يعتقدون في إمكانية الحصول على النصاب القانوني عند التصويت، وكانوا يعتقدون أيضا أنه يمكن "إغراء" نواب قلب تونس بالتصويت لحكومة أقصى الفخفاخ حزبهم من المشاركة فيها.

كان تدخل منظمتي الشغل والأعراف إيجابيا جدا، فكانت لقاءات متتالية مع رئيس الجمهورية ومع رئيس مجلس نواب الشعب، بما هو رئيس حركة النهضة، ومع إلياس الفخفاخ رئيس الحكومة المكلف.

الجميع كانوا يفاوضون وبين أعينهم خارطة المشهد اقتصاديا وأمنيا. كان الجميع يتكلم عن مخاطر "انفجار اجتماعي" بسبب ظروف العيش الصعبة وواقع البطالة، أيضا بسبب التوترات الأمنية في الجارة ليبيا.

شعر التونسيون بانفراج حين أعلن الفخفاخ رسميا وفي تصريح إعلامي عن تشكيلة حكومته، مساء 19 شباط/ فبراير، وبعد صدور بيان حركة النهضة الذي يؤكد مشاركتها في الحكومة والتصويت لها في البرلمان.

ستعرض الحكومة مبدئيا يوم الأربعاء القادم (26 شباط/ فبراير الجاري) على البرلمان لنيل الثقة وستنالها بالتأكيد، وبنسبة تصويت مريحة تعني تمتعها بحزام سياسي واسع يجعلها تعمل في أوفر حظوظ النجاح.

السؤال الذي يطرحه مراقبون هو: هل ستختفي الصراعات السياسية بين أحزاب هي متشاركة في حكومة وحدة وطنية؟ أم سيستمر العداء الأيديولوجي ووضع العراقيل لإفشال وزراء "الخصوم" السياسيين؟

بعض التحليلات ترى أن حركة النهضة ليست راضية على تركيبة الفخفاخ، وأنها مُضطرة للتصويت لها لمنع استمرارية حكومة تصريف الأعمال برئاسة يوسف الشاهد. وقد لوحظ في المدة الأخيرة أنه لا يكف عن تعيينات وتسميات في مفاصل الدولة، تماما كما فعل الباجي قائد السبسي رحمه الله قبل خروجه من القصبة في 2012 حين كان رئيسا للحكومة.

كلمة رئيس الجمهورية بحضور الشاهد وراشد الغنوشي في تأويل فصول الدستور المتعلقة بتشكيل الحكومة؛ فهمها أنصار حركة النهضة خاصة على أنها كانت تهديدا باستمرار حكومة تصريف الأعمال تحت رعاية رئيس الجمهورية بواسطة "المراسيم". وقد أكد في ذات اللقاء على أنه هو الضامن لتطبيق الدستور وهو المؤتمن على الدولة، مذكرا بوجود "رئيس واحد" للجمهورية.

تلك التحليلات تقول إن حركة النهضة بعد تصويتها (الاضطراري) لصالح حكومة الفخفاخ قد تعمل مع حلفائها على إسقاطها، ليتم تكليف رئيس حكومة جديد من قِبل الأغلبية البرلمانية مشكّلة من النهضة وقلب تونس وائتلاف وبعض الكتل الحليفة.

غير أن الصعوبات الاقتصادية التي تمر بالبلاد والتحديات الأمنية على حدودنا في الجارة ليبيا لا يمكن أن تسمح بمواصلة الصراعات الحزبية والمعارك الأيديولوجية، ولم يعد ثمة متسع من الوقت لممارسة التجريب الديمقراطي والتمطيط الانتخابي. فالمواطن الذي ترهقه متاعب الحياة وتؤلمه بطالة بناته المتخرجات وأبنائه المتخرجين لا تعنيه "التجربة الديمقراطية" ولا تُغريه مفردة "الاستثناء التونسي"، وهو إذا غضب لن يتردد في "لعن" الجميع وممارسة ما يراه حقا مشروعا للدفاع عن رغيفه ودوائه وماء حياته.

الأستاذ راشد الغنوشي في اجتماعه السبت (22 شباط/ فبراير) برؤساء المكاتب الجهوية للحركة بمدينة سوسة؛ قال "إن الدستور حدد صلاحيات الرئاسات الثلاثة ووزع السلطة والحكم بين قرطاج والقصبة وباردو".

وهو ما اعتبره مراقبون ردا على الرئيس قيس سعيد وما قد يكون يفكر فيه؛ من انحراف بمنظومة الحكم نحو حكم رئاسي يعيد تجربة الاستبداد، خاصة وقد قال أثناء تسلمه قائمة وزراء حكومة الشاهد "إن عهد الدول داخل الدولة انتهى، وإن التشتت انتهى، وإن تونس ستدخل مرحة جديدة بتصور جديد".

الغنوشي في ندوة السبت بمدينة سوسة أكد على أن النهضة هي المكون الدائم لكل حكومة، وعلى أنها لم تكن يوما بمثل ما هي عليه الآن من "القوة". وهي رسالة طمأنة لمناضلي حركته الذين تنتابهم كل مرة حالة توجس من خطاب الاستئصالين، سواء من أتباع النظام القديم أو من حاملي أيديولوجيا معادية للإسلاميين وحتى للهوية العربية الإسلامية للبلاد.