قضايا وآراء

هل الأردن قادر على مواجهة الضغوط الأمريكية إن رفض صفقة القرن؟

1300x600
قد لا يكون موقف الأردن الرسمي الرافض لصفقة القرن مستغربا، في الوقت الذي تدعم بعض الأنظمة الرسمية في المنطقة بشكل معلن وكبير الخطة الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية.

أطلق العاهل الأردني قبل أكثر من سنة "لاءاته" الثلاث في وجه ما كان يتسرب من "صفقة القرن": "لا للتوطين، لا للوطن البديل، لا للمساس بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في الحرم القدسي الشريف".

لكن لماذا يرفض الأردن ما أعلن عنه من "صفقة القرن"؟ وهل الأردن قادر على رفضها؟ وكيف يدير الأردن الرسمي ملف مواجهة هذه الصفقة؟

1- لماذا يرفض الأردن صفقة القرن

يرفض الأردن أن تأتي "صفقة القرن" أو حل القضية الفلسطينية ديمغرافيا على حساب الأردن، وذلك من خلال المساس بحق العودة للاجئين الفلسطينيين.

في الأردن أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين، إذ يفوق العدد ثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ فلسطيني بأوضاع قانونية مختلفة، ما بين مواطنين بجنسية أردنية فقط وما بين مزدوجي الجنسية بين الجنسية الأردنية والفلسطينية وبين مقيمين إقامة غير شرعية. ويرفض الأردن أن يتم إسقاط حق العودة لهؤلاء، إذ أن إسقاط هذا الحق من شأنه أن يغير في الخريطة الديمغرافية الأردنية، وهذا قد يثير القبائل الأردنية والسكان الأصليين الذين يمسكون بزمام السلطة، ويلتفون حول العرش الهاشمي مما قد يؤثر على الاستقرار السياسي في الأردن.

كما يرفض الأردن بنود "صفقة القرن" كحل نهائي لا يعترف بالدولة الفلسطينية كدولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية؛ دولة متصلة جغرافيا وقابلة للحياة.

كما يرفض الأردن كل ما جاء في صفقة القرن بخصوص ضم الأغوار الأردنية تحت السيادة الإسرائيلية، حيث أن ضم الأغوار سيشكل حاجزا طبيعيا بين الدولة الفلسطينية المنوي الاعتراف بها وبين الأردن، مما قد يعيق خيار الفيدرالية أو الكونفدرالية بعد الاعتراف بالدولة الفلسطينية إذا ما قررت الدولتان الاتحاد فيما بينهما بشكل فيدرالي أو كونفيدرالي. إذ إن الأردن الرسمي امتنع عن دسترة فك الارتباط الذي جرى في عام 1988 مع الضفة، من أجل ترك الباب مفتوحا في المستقبل لأي اتحاد بين الدولتين.

يرفض الأردن أن تأتي "صفقة القرن" على حقه في رعاية المقدسات الدينية في الحرم القدسي الشريف؛ إذ يتمسك النظام الأردني بالرعاية الهاشمية للمقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية في القدس فهذه الرعاية تمثل شرعية دينية للنظام الهاشمي وشرفاً سياسياً عربياً وإسلامياً. فالحرم القدسي قبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمين الشريفين لدى المسلمين. وهذا الحرص دفع النظام الأردني في عام 2013م إلى توقيع اتفاقية بين الملك الأردني والرئيس الفلسطيني، ووردت ضمن نصوص مكونة من مقدمة وثلاثة بنود. وحُصر موضوع الاتفاقية ومحل التعاقد فيها بالمقدسات الدينية الواقعة على مساحة 144 ألف متر مربع. وجاءت، كما ورد في نصوصها، لتثبيت ما تضمنه قرار فك الارتباط الصادر عام 1988م بين الضفتين، مع بقاء حق الأردن في رعاية المقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية في القدس. وكان حق الوصاية الهاشمية على المقدسات الدينية في القدس قد نُص عليه بموجب اتفاقية "وادي عربة"، التي وقعت في 26 تشرين الأول/ أكتوبر بين الأردن و"إسرائيل" عام 1994م، وتضمنت هذه الاتفاقية بنداً ينص على الدور الأردني في القدس، حيث جاء في البند الثاني من المادة التاسعة من المعاهدة: "تحترم إسرائيل الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستعطي إسرائيل أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن".

2- هل الأردن قادر على مواجهة الضغوط الأمريكية؟

يمكن وصف نظام الحكم في الأردن بالمملكة نصف الشمولية، فهي دولة لا يمكن القول إنها دولة ديمقراطية وفقا للأسس الحديثة، ولكنها أيضا ليست دولة شمولية بالمعنى المعروف في العلم السياسي كدولة دكتاتورية.

الضغوط التي يمكن أن تمارس على الأردن يمكن أن تكون ضغوطا سياسية، من خلال التهديد بالعبث بأمنه الداخلي بوصفه نظاما لا يتمتع بالديمقراطية الكاملة، ولم ينتقل من حالة المملكة الشمولية إلى الملكية الدستورية. كما يمكن الضغط على العصب الاقتصادي الملتهب للدولة الأردنية.

حجم السخط والضجر في الشارع الأردني كبير جدا، والأردن الرسمي يعلم أن الشارع الأردني يغلي، وأن أي تلميحات دولية أو ضغوط خارجية يمكن أن تفجر الشارع بطريقة تضر بأمنه واستقراره.

اقتصاديا، ارتفعت نسبة البطالة في الأردن إلى أكثر من 16 في المئة بين الذكور و28 في المئة بين الإناث في عام 2019م، وهو بلد يعاني من شح في الموارد الطبيعية وفقر في المياه؛ إذ يعد ثالث أفقر دولة في العالم في المياه، ويستورد 97 في المئة من احتياجاته من الطاقة، كما أنه بلد تنحسر به الأراضي الصالحة للزراعة إلى أقل من 7 في المئة من مساحته الجغرافية، ويعاني من هجرة رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية نتيجة للإقليم الأمني الملتهب حوله في سوريا والعراق وفلسطين.. بلد تتردى فيه الحالة الاقتصادية حتى أصبح المناخ مواتياً للضغط على عصب اقتصاده، وفي الوقت نفسه التلويح له بجزرة إسقاط الديون التي بلغت حوالي 41 مليار دولار، بنسبة فوائد سنوية بلغت 2.4 مليار دولار لعام 2019م. كما يتم التلويح له أيضاً بدعم مالي يصل إلى سبعة مليارات دولار إذا قبل بـ"صفقة القرن".

ويتلقى الأردن مساعدات اقتصادية مباشرة من أمريكا وحلفائها في المنطقة بما مقداره 2.5 مليار دولار، وهو ما يشكل ربع الميزانية الأردنية السنوية والتي تعاني كل عام عجزا يصل إلى 10 في المئة تقريبا.

3- كيف يمكن للنظام الأردني أن يتخلص من تلك الضغوط؟

الأردن رسميا كمن يبتلع نصلا ذا حدين، فإن رفض صفقة القرن فسيتم العبث في استقراره الداخلي والضغط عليه من ناحية الديمقراطية المنقوصة التي يعيش، والضغط عليه اقتصاديا بالحد الذي يمكن أن يعجز فيه عن دفع الرواتب الشهرية لموظفي القطاع العام، وإن هو قبل ببنود صفقة القرن عرض مستقبله ومستقبل القضية الفلسطينية للخطر، وسوف يعاني لعقود طويلة من ارتدادات الصفقة.

يبدو أن النظام الأردني الرسمي لا يراهن على شيء حاليا إلا الانتظار لشهر تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، موعد الانتخابات الأمريكية، وينتظر قدوم قيادة جديدة من الحزب الديمقراطي، حيث إن الحزب الديمقراطي في كثير من قياداته يرفض خطة ترامب- كوشنر لحل القضية الفلسطينية.

لا زال أمام الأردن فرصة كبيرة للإفلات من ضغوط أمريكا وحلفائها بخصوص قبول صفقة القرن، إذ يمكن للأردن أن يقلب الطاولة على الجميع بإعلان تحول الأردن من الملكية الشمولية إلى الملكية الدستورية وإعادة سلطة الشعب للشعب، فبمثل هذا التحول يستطيع الأردن أن يتخلص من الضغوط الخارجية في ما يتعلق بأمنه واستقراره الداخلي. فليس هناك جهاز وحزام أمني أقوى من الديمقراطية، وليس هناك خيار أفضل من صندوق الانتخاب الحر النزيه في تدعيم الاستقرار الداخلي.

وكما أن رد سلطة الشعب للشعب سوف يجعله يتحمل مسؤولية خياراته السياسية وما يترتب عليها من إدارة الملف الاقتصادي. فعندما يكون الشعب شريكا في إدارة ملفه الاقتصادي فسيكون أكثر صبرا وتحملا في مواجهة الأزمة الاقتصادية التي سوف تتولد عن رفض صفقة القرن، في ظل الحديث عن تهديد للأردن بفرض حصار اقتصادي علي، يتمثل بمنع المساعدات عنه، مما يحيي في الذاكرة الحصار الاقتصادي على الأردن إبان موقفه من حرب الخليج الأولى.

رد سلطة الشعب للشعب سوف يجعل الأردن محصنا شعبيا في إعادة النظر بمعاهدة وادي عربة وصفقة الغاز والمصالح الإسرائيلية، وخصوصا الأمنية الناتجة عن العلاقة مع الأردن، مما يجعل الأردن ليس الطرف الوحيد الذي يمكن الضغط عليه أو يمكن أن يخسر جراء التصعيد ورفض صفقة القرن. كما أن الأمريكي- الإسرائيلي يملك خيارات للضغط، فإن بيد الأردن مجموعة من الخيارات التي تؤلم الطرف الآخر، لكنه لا يستطيع أن يستخدمها إلا إذا كان محصنا بالإرادة الشعبية وحكم الشعب لنفسه.

فلا تبديل الحلفاء والانتقال من محور لمحور يمكن أن ينقذ الأردن من أزمته، ولا الرهان على الانتخابات الأمريكية ووضع المستقبل الأردني بيد الناخب الأمريكي يمكن أن يساعد الأردن. المخرج الأردني هو مخرج داخلي بحت، فتصويب الوضع الداخلي هو الحل الذي يمكن أن يدور جميع الزوايا الحادة التي يتعرض لها الأردن الرسمي في مواجهة العاصفة الأمريكية الإسرائيلية.