قضايا وآراء

السيسي وعصابته.. نظرية "الأمن أساس الحكم" وليس "العدل أساس الملك"

1300x600
لقد قام السيسي بتعيين 16 محافظا جديدا بينهم 11 لواء، وتعتبر هذه الحركة هي الرابعة في عهد قائد الانقلاب. وقد سبقتها الحركة الثالثة في آب/ أغسطس 2018، حيث أدى 19 لواء اليمين الدستورية كمحافظين من أصل 27 محافظا، واحتفظ خمسة لواءات وقتها بمناصبهم.

إن توسع النظام المصري بشكل عام "في تعيين اللواءات بعد المعاش هو سياسة قديمة وليست جديدة، ولكن زادت وتيرتها بشكل جنوني وهيستيري في عهد قائد الانقلابي السيسي، فتقريبا جميع دفعات التقاعد تم تعيينهم في آلاف الوظائف، حتى تحول العديد من الوزارات والمحافظات والإدارات.. إلى أشبه بالثكنة العسكرية، بل إن هذه القيادات العسكرية تقوم هي الأخرى بتعيين أقاربهم وأصدقائهم في القطاعات والهيئات والشركات التي يترأسون مجالس إداراتها!!

لقد باتت الأمور واضحة، وهي عسكرة غير مباشرة للسياسة والإعلام والقضاء، وعسكرة مباشرة للسلطة التنفيذية تدريجيا. فمنذ ستين عاما والجيش وكلّ ما يتعلق به كان من الأمور المسكوت عنها في مصر، فيما عدا الحديث عن بطولات أو إنجازات العسكر فقط. ثم حدث التطور المهم عندما قام قائد الانقلاب، عبر سيناريو 30 حزيران/ يونيو و3 تموز/ يوليو، بالانقلاب على أول رئيس مدني منتخب، لتفرض المؤسسة العسكرية بعدها هيمنتها على كل مقدرات الوطن بشكل فج لم يسبق له مثيل. تحت شعارات بدأت: بـ"إنقاذ مصر من حرب أهلية"! ثم تطورت إلى "الحرب على الإرهاب"! وانتقلت إلى "إنقاذ مصر والإسلام من الإخوان المسلمين"! وانتهت بوصول قائد الانقلاب إلى سدة الحكم، بعد منح القوات المسلحة ومجلسها الأعلى وقائدها العام حصانات دستورية، رفعتهم فوق الدولة.

ومع وجود المؤسسة العسكرية المباشر في الحكم، ضمن تأييد المجتمع الدولي الذي يعتبر السيسي رجل المرحلة وقنطرة العبور لصفقة القرن، ومن خلال أداء السيسي مهمة شرطي المنطقة لصالح أمن إسرائيل ومصالحة الولايات المتحدة.

في هذا السياق أصبحت المؤسسة العسكرية قادرة على وضع قواعد اللعبة داخليا، وعسكرة كافة مناحي الحياة (السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية.. إلخ).

وقد منحت التعديلات الدستوريه الأخيرة الجيش الغطاء للتحكم في الحياة السياسية، بل في شتى مجالات الحياة، ورغم ذلك كله فقد فشلت المؤسسة العسكرية في إدارة اقتصاد البلاد، التي تمثل هي نفسها أحد أطرافه الرئيسية، بل أحدثت خللا اقتصاديا نتيجة استبعاد وتهميش القطاع الخاص، لصالح المؤسسة العسكرية والمرتبطين بها.

فقط نجح نظام السيسي الانقلابي في تشديد الذراع الأمنية البوليسية، لكنه ما زال حتى الآن عاجزا عن تحقيق أداء اقتصادي مرض للأغلبية الساحقة من المصريين. إنها حالة عجيبة لم يسبق لها مثيل من التماهي الشديد للمؤسسة العسكرية مع كل نواحي ومجالات الشأن العام في مصر؛ من تنظيم دوريات أمنية مشتركة من القوات المسلحة والشرطة المدنية تجوب الطرقات، إلى تمركز الدبابات والمدرعات على الطرق الرئيسية، وأمام المؤسسات المدنية والعامة، إلى إزالة المباني المخالفة، وإدارة الطرق السريعة، وإنشاء الفنادق الفاخرة والنوادي، وإنتاج المواد الغذائية، والتعدين وعشرات المجالات، وأخيراً النقل العام وتوزيع السلع التموينية.. وانتهاء يتولى السلطة وإحكام القبضة على النظام السياسي للدولة..

نحن لسنا أمام دولة عميقة، ولا شمولية، ولا ديكتاتورية، ولا سلطوية، وليست دولة يحكمها العسكر. ولكن، دولة عسكرية بوليسية تحكم عبر أدوات ومنظومة، وضمن هذه المنظومة إحكام القبضة والسيطرة عبر الموالين وعلى رأسهم العسكريين، وتحويل كل مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية والخدمية.. إلى أدوات ووسائل لتكريس جمهورية العسكر.

ومع ذلك نلاحظ أن نظام الانقلاب ليس على قلب رجل واحد، والدليل قيام السيسي بتغييرات كثيرة في مناصب عديدة ومهمة في الدولة بشكل عام، وفي المؤسسة العسكرية بشكل خاص.

لكن الأكثر أهمية الحملة الإعلامية الممنهجة والمركزة التي يطلقها النظام، والتي تسعى إلى ترسيخ فكرة عسكرة الدولة، واعتبارها أمراً جيداً وطبيعياً، بل ويجب الترحيب به!

هذا الطغيان الجنوني والهيمنة المُفرطة لنظام السيسي المجرم المتصهين، لا يكفي لمواجهتهما خطاب ناقد معارض، فلن يؤثر فيه هذا كثيرا، فلا بد من الانتقال إلى مربع آخر أو خطة للتحرك أكثر فعالية. أُدرك أن المهمة صعبة ومعقدة، ولكن لا بد من تحرك شعبي ضاغط.

فالانغلاق والتقوقع على مسلك واحد في مناهضة نظام ليس مستبداً فقط، بل نظام فاسد وتابع، لا يكفي دون تحريك الشارع.

صحيح أن معركة الوعي قضية أساسية في الصراع والتدافع والمعركة المصيرية لهزيمة الاستبداد والطغيان، لكن من دون أن تُقرن بتحريك الشارع والضغط في الساحات والميادين؛ تتحول، مع مرور الزمن، إلى ظاهرة صوتية، وتلك معضلة كثير من النخب السياسية المعارضة في الداخل والخارج بكل أطيافها، فهي تحد متعة في صناعة الكلام والهيمنة اللفظية المضادة للنظام، لكنها تتوجس من الشارع أو تستنكف عن تحريكه، وهذا يضرب العملية التغييرية المنشودة في الصميم، فلا غنى عن الميادين في أي عملية تغييرية.

وثمه إشكالية أخرى أكثر أهمية مما سبق، هذه الإشكالية تقول: إذا سقط رأس النظام وكل رموزه فسيبقى السبب الحقيقي للمشكلات التي يعاني منها الشعب قائما، وهو "النظام السياسي نفسه بنيةً وعقيدة"، ذلك النطام المستورد الذي شيده الاحتلال الغربي في منطقتنا منذ نشأة ما يُسمى بالدول القومية، والذي جعل المنطقة العربية والإسلامية تابعة للغرب، وجعل أحوال المنطقة في تردي مستمر.

هذا النظام السياسي عقيدة وبنية وفلسفة، يعيد إنتاج نفسة من خلال أي طبقة سياسية جديدة تحكم به، فهو نظام يراعي مصلحة الطبقة السياسية الحاكمة والمرتبطين بها و تهميش أغلبية المجتمع. لذلك فإن الخطوة التي لم يصل لها الحراك العربي حتى الآن هي ترجمة شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" بطريقة عملية، وإيجاد "نظام سياسي" جديد بديلا عن النظام المستورد الذي وضعه المحتل الغربي.

وفي تقديري، لن يحدث هذا ما لم تتمكن الفعاليات الثورية العربية على مستوى كل ساحة وعلى مستوى الساحات الثورية العربية مجتمعة؛ من تطوير مشروع استراتيجي يربط الساحات ببعضها، تحت قيادة ثورية واعية تملك الرؤية والبدائل، كي لا يتم احتواء هذه الثورات من قِبل المنظومة الإقليمية والدولية.