ملفات وتقارير

قانونيون وحقوقيون يفسرون تناقض أحكام القضاة في الجزائر

برّأت محكمة جزائرية ناشطون رفعوا الراية الأمازيغية وأدانت آخرين لذات القضية- جيتي

لا يزال الجدل مستمرا في الجزائر، حول الأحكام الصادرة بحق سجناء الراية الأمازيغية، بين إدانة لبعضهم، وتبرئة لآخرين.

 

الجدل جاء نظرا لكون أحكام البراءة والإدانة، استند إليها القضاة إلى نفس قانون العقوبات، في حالات متطابقة لا فرق بينها.

 

أقل من 3 كيلومترات، تفصل محكمتي باب الوادي وسيدي امحمد بالعاصمة الجزائرية، لكن الفرق في الأحكام الصادرة على سجناء الراية الأمازيغية كان شاسعا خلال الأسبوع الأخير، فالأولى قضت ببراءة 5 متهمين مثلوا أمامها يوم الأربعاء والثانية سلطت على 21 ناشطا في نفس القضية، عقوبة سنة سجنا نصفها نافذ وغرامة مالية بـ30 ألف دينار (حوالي 200 يورو). 


وبدت الأحكام الصادرة من محكمة سيدي امحمد استثناء بين المحاكم الجزائرية في مختلف الولايات، فقد نال معظم المتابعين بحمل الراية الأمازيغية حريتهم في الأحكام الصادرة في برج بوعريريج أو قسنطينة أو عنابة بالشرق الجزائري.

 

وأمرت بعض المحاكم حتى بإرجاع الراية الأمازيغية إلى أصحابها، ما يعني أنها في تفسير هؤلاء القضاة القانوني غير ممنوعة.


وفي تعليقه على هذا التناقض في الأحكام، قال سعيد صالحي نائب رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، إنه شعر بالصدمة عندما حضر لحظة إعلان القاضي إدانة النشطاء بسنة سجنا نصفها نافذ.


وأوضح صالحي في تصريح لـ"عربي21"، أن بعض المحاكم صارت تصدر أحكاما استثنائية فيما يخص حمل الراية الأمازيغية، رغم أن معظم محاكم الوطن قضت ببراءة النشطاء وأسقطت تماما تهمة المساس بالوحدة الوطنية الموجهة إليهم.


النصوص فضفاضة
وتنص المادة 79 من قانون العقوبات التي أدين بها النشطاء، على معاقبة كل من يعمل بأية وسيلة كانت على المساس بسلامة وحدة الوطن، بالحبس لمدة سنة إلى عشر سنوات وبغرامة من 3 آلاف إلى 70 ألف دينار، مع جواز حرمانه بعض الحقوق.


لكن الإشكال وفق المحامي المتخصص في قضايا النشطاء عبد الغني بادي، أن هذه المادة فضفاضة ومطاطة ولا تحدّد بالضبط كيف يمكن المس بسلامة الوطن.


وأوضح بادي في تصريح لـ"عربي21"، أنه كان يُفترض تدعيم هذه المادة القانونية بمادة أخرى تُحدد بالتفصيل معنى المس بسلامة الوطن والحالات التي توجب الإدانة.


وأضاف محامي الناشطين السياسيين كريم طابو وفضيل بومالة وسمير بلعربي وغيرهم، أنه صار لزاما إعادة مراجعة قانون العقوبات الجزائري في بعض مواده التي صارت تُكيف ضد النشطاء السياسيين باستغلال معناها الفضفاض.


واستغرب المحامي في قضية الراية الأمازيغية تحديدا، هذا التضارب بين القضاة في الأحكام، مشيرا إلى أن "الجزائر ليست فيديرالية تحكمها قوانين مختلفة بين المقاطعات بل هو قانون واحد يسري تطبيقه بين كل المحاكم".


وأشار بادي إلى أن "الاختلاف ممكن في تفسير النص القانوني، لكن من المبادئ المعروفة حسبه، أن النص لا يجب تفسيره تفسيرا واسعا بل يجب الاحتكام إلى القراءة الضيقة لصالح المتهم".


الثقافة السياسية

وفي وقت كثر الحديث عن توجيه القضاة عبر الهاتف في القضايا ذات الطابع السياسي، أظهر قضية الراية الأمازيغية بأن هذه الفكرة ليست دائما صحيحة أو على الأقل لا تشمل كل القضاة ما دامت الأحكام متناقضة، بحسب مراقبون.


وأوضح المحامي فاروق قسنطيني، في تصريح لـ"عربي21"، أنه لا يعتقد بوجود تعليمات للقضاة في مثل هذه القضايا البسيطة، مشيرا إلى أن "هذا التناقض راجع في الأساس إلى الاختلاف الثقافي بين القضاة".


وأضاف قسنطيني الذي كان يرأس هيئة حقوقية زمن الرئيس السابق، أن هناك قضاة يحملون هذه القضية أكثر مما تستطيع نظرا لثقافتهم السياسية وأحيانا نقص تكوينهم.


وتابع: "من جهتي أميل لتبرئة سجناء الراية الأمازيغية، لأن رفع هذه الراية لا يشكل خطرا على الوحدة الوطنية، باعتبارها مجرد رمز ثقافي يشير إلى الثقافة الأمازيغية التي اعترفت بها الدولة في الدستور وتم إدراج اللغة الأمازيغية فيه كلغة رسمية".


ضعف تكوين القضاة
وفي سياق الجدل حول مستوى القضاة، اعترف وزير العدل، بلقاسم زغماتي، بتغليب الكم على النوع في السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن تخرج 500 قاضي في السنة أمر مرفوض.


وتساءل زغماتي أمام نواب البرلمان الخميس الماضي: "كيف يمكن تكوين هذا الكم الهائل من القضاة في فترة صغيرة، ثم يتم إرسالهم للمحاكم للفصل في حياة الناس وأرزاقهم، أنا لست مع هذا الطرح".


ويفتح هذا الاعتراف، وفق المحامي بوجمعة غشير، بابا من أجل مراجعة تكوين القضاة وتزويدهم بالأدوات اللازمة للفصل في القضايا فضلا عن تنمية شخصيتهم الثقافية وقدرتهم على اتخاذ القرار.


وذكر غشير في تصريح لـ"عربي21"، أن القضاة الجزائريين يتعامل أغلبهم مع الملفات بطريقة آلية دون إقامة أي اعتبار للخلفيات الإنسانية في النظر للقضايا من زواياها الكاملة،  على حد تعبيره.


وأبرز غشير أن القاضي مُطالب بأن يكون له الخيال الواسع للتعامل مع القضايا بروح إنسانية بالدرجة الأولى، وهي الثقافة الغائبة عن تكوين القضاة في الجزائر، على حد قوله.


ويضاف إلى ذلك، وفق المختص في القانون، أن نمط تكوين القضاة في الجزائر، يُدرب القاضي على أنه موظف مما خلق عنده نوعا من القابلية للخضوع والخوف من السلطة المتحكمة في جهاز القضاء.

اقرأ أيضا: المترشحون لرئاسة الجزائر يوقعون "ميثاقا أخلاقيا"