قضايا وآراء

من استيلاء التتار على بغداد إلى قصف غزة

1300x600

نحن العرب اشتهرنا بأننا لا نعتبر، وقديما قال الإمام علي كرم الله وجهه (ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار). 

ويعلم القراء الكرام أننا نمر بمرحلة من أدق وأخطر مراحل وجودنا عام 2019 لأن الأمم تتداعى كما قال الرسول المصطفى منذ 15 قرنا في حجة الوداع على قصعتنا لتنهش ما تبقى من لحمنا وكما نعلم سأله الصحابة "هل من قلة نحن يا رسول الله؟" فأجاب صلى الله عليه و سلم: "بل أنتم يومئذ كثير لكنكم غثاء كغثاء السيل"! 

 

عصر حق القوة

"فنحن نواجه صفقة القرن، أي تقاسم تركة نفس الرجل المريض المحتضر مثلما تقاسمتها الإمبراطوريتان الاستعماريتان فرنسا وبريطانيا عام 1916 باتفاقية (سايكس بيكو) الشهيرة ثم تتقاسمنا اليوم بعد قرن امبراطوريات أخرى لحساب إسرائيل التي تحتل بعض أرضنا بالرغم من إدانة الأمم المتحدة لممارساتها الخارجة عن القانون والحق. وهذا الأسبوع قامت باغتيال بهاء أبو العطاء وزوجته وأولاده واغتيال المقاوم رسمي أبو ملحوس مع أطفاله الأربعة وزوجته وشقيقته فجر يوم الخميس الماضي أمام صمت عالمي مريب! 

 

يقول المؤرخون إن ما جمعه بنو العباس في خمسة قرون أخذه هولاكو في ليلة واحدة وختم نهاية حكمهم بإذلال خليفة المسلمين وقتله شر قتلة


فعصرنا ليس عصر قوة الحق بل هو عصر حق القوة، لكنني متفائل بمواقف بعض الزعماء المسلمين حين قرأت بيان الزيارة التي أداها المصلح الكبير مهاتير محمد رئيس ماليزيا إلى تركيا واتفاقه مع رجب طيب أردوغان على مشروع نهضة الأمة الإسلامية من جديد باستقلال قرار دولها وسيادتها على ثرواتها، والتحق كما سمعنا بمشروع هذه النهضة المأمولة عمران خان رئيس وزراء باكستان لتكون النواة الأولى لمشروع حضاري شامل وعميق.

وأعتقد أن زعماء عربا يتمسكون بحقوق شعوبهم في التنمية والحرية سيعززون مواقف هؤلاء الثلاثة وأولهم أمير دولة قطر التي سينفك حصارها الجائر قريبا بإذن الله، وهي تتمسك بإعادة إعمار غزة و لم تنخرط في صفقة العار وتصر على دعم إرادة الشعوب، كما أن أعداء الحرية يعاقبون تركيا ويهددون ماليزيا بل يخيفون أيضا رئيسة حكومة سنغافورة السيدة حليمة يعقوب المسؤولة المسلمة المحجبة.

 

عنصرية مقيتة

ويمارس محور الشر العنصرية المقيتة ضد أربع عضوات في الكونغرس الأمريكي من أصول مسلمة لا ذنب لهن سوى الانحياز للحقوق الشرعية للشعوب المستضعفة في زمن عز فيه السند للحق وكثر السند للباطل. 

وليس بجديد على أمتنا المآسي والأهوال التي تشيب منها رؤوس الوِلدان، فمن مآسيه وقصصه التي تقطر دماً وهي من عبره أيضا ما ذكره المؤرخون عندما اجتاح التتار بلاد العرب ودمروا عاصمة الخلافة العباسية بغداد الزاهرة عاصمة العلوم والحضارة، فيوم دخلها هولاكو أمر جنوده بقتل العلماء والتجار والقضاة (أي اغتيال العلوم والاقتصاد والعدل كرموز للإسلام)، وقال لجنوده ابقوا المستعصم حياً حتى يدلنا على مكان كنوزه ودلّهم المستعصم على مخابئ الذهب والفضة والنفائس وكل المقتنيات الثمينة داخل وخارج قصوره ومنها ما كان يستحيل أن يصل إليه المغول بدونه حتى أنه أرشدهم إلى نهر مطمور من الذهب المتجمد لا يعلم أحد بمكانه، فقال هولاكو للخليفة المستعصم: "لو كنت أعطيت هذا المال لجنودك لكانوا حموك مني"!!

 

يوم دخل هولاكو بغداد أمر جنوده بقتل العلماء والتجار والقضاة (أي اغتيال العلوم والاقتصاد والعدل كرموز للإسلام)، وقال لجنوده ابقوا المستعصم حياً حتى يدلنا على مكان كنوزه


لم يبكِ المستعصم على الكنوز والأموال والقصور لكنه بكى حين أخذ هولاكو يستعرض الجواري الحسان وعددهن 700 زوجة وسرية وألف خادمة، وأخذ الخليفة يتوسل لهولاكو قائلاً: مُنّ علي بأهل حرمي اللائي لم تطلع عليهن الشمس والقمر، ضحك هولاكو من قوله وأمر جنوده أن يضعوه في شوال ثم يضربه الجنود ركلاً بالأقدام حتى الموت!

يقول المؤرخون إن ما جمعه بنو العباس في خمسة قرون أخذه هولاكو في ليلة واحدة وختم نهاية حكمهم بإذلال خليفة المسلمين وقتله شر قتلة وإنهاء حكم زاهر بالعلم والقوة والخير لم يدم لهم لأنهم أهانوا أنفسهم ونسوا الله فأنساهم أنفسهم فكانت هذه هي خاتمتهم!!

ما تمر به أمتنا هذه الأيام أشبه ما يكون بنهايات الدولة العباسية باختلاف ظروفها وانقسام أمتها إلى دويلات يتآمر بعضها على البعض والغرب الذي يحمي بعض حكامها استطاع أن يبتلع ثروات أغنى دولها في بضع ليال وأخذ يبتزها ليل نهار، ويحكي رؤساؤه علانية بأنه لولا حماية الغرب راعي إسرائيل  لهذه الدول لما استمرت في الحكم أياماً معدودة!