كتاب عربي 21

النبي الأَنْوَر

1300x600
جاء في النص القرآني قول العليّ: "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام"، ولما جرت قواعد اللغة على أن العطف يقتضي المغايرة، ذهب مفسّرون إلى أن النور هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ به استنارت الدنيا، وبه تمّ بدر إرسالات السماء إلى الأرض، وبه استقام نَظْمُ جماعة قادوا الحضارة في ربوع الدنيا لقرون طوال.

كان الهادي نورا في ظاهره وباطنه، ففي الحديث أن "النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة أضاء منها كل شيء، ولما مات أظلم منها كل شيء". وهذا النور الحسي ليس عجيبا إذ هو متعلق بقدرة الله، لا بطبع المخلوق أو قدرته، وما يجري على الأنبياء لا يجري على سائر البشر مع ثبوت البشرية لهم، لكن خوارق العادات ملازمة للرسالة؛ تدعيما لها بإثبات النِّسبة إلى المرسل جل في علاه.

اجتمعت كمالات الظاهر والباطن في شخص رسول الله، كان رحمة للعالمين ونورا للدنيا وهاديا للمسرفين، ببركته أوْرَقَت القِفار، وامتلأت الضُّروع وقد جفَّ لبنها، وتبعه السحاب مظلّلا، واستحالت المياه عذبا بعدما كانت مِلحا، ونبع الماء من بين يديه لسُقيا أحبابه، وكثُر الطعام بقسمته، واستدام إنبات الشجر بِمَسِّ يديه.

له حَنّ الجذع، وله اشتكى الجمل، وله أنصت الجن وانقادوا.. أحال مرارة المظلومين والمقهورين إلى سلامٍ بالإيواء إلى ركن شديد، وهذّب طبائع قوم كانوا يقتتلون لأرذل الأسباب، ورفع مكانة جنس النساء بعدما كان قتل الصغيرات منهن عادة، ونقل (بأمانة المرسلين) شريعةً صلحت للاهتداء بها لعشرات القرون من بعده، ووضع لأتباعه آدابا للحرب كما هذّبهم في السِّلم، كان أبا لمن لا أب له، ونورا للضالين عند التياث الظُّلم، وحاجبا للعدوان عن أصحابه عند انكسار الجيش.

بذكره يرقّ القلب، وبالصلاة عليه ينقشع الغم والهم.. ملاذٌ لفاقد الملاذ وإن كانت روحه الشريفة قد فارقت عالمنا، يكفي المرء أن يصلي عليه ويستشفع به فيجِدُّ الكرب منقشعا.. حاضرٌ لنصرة من التجأ إلى جنابه؛ فكم من مجبور الخاطر توسل بحضرته، لم تنقطع رعايته لأمته حتى بعد انتقاله لربه. ففي الحديث: "حياتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم"، فهو يستغفر لأمته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ويهتم بفِعَالِهِم حَسَنِها وقبيحها وحاله صلى الله عليه وسلم بين حامد ومستغفر.

اصطفاه رب الخلائق فأعلى ذِكْره بين سائر البشر، وهذا الاصطفاء ينسحب بالتبعية إلى من أُرسِل إليهم هاديا ومبشرا ونذيرا. كان يعمل ويتكسّب بعرَق يديه وهو نبي مرسل وحاكم متَّبَع، وكان يبيت وبيته لا نار فيه لأيام. استمدَّ الزهدُ منه أصلَه ومعدنه، واستمد الشرفُ منه مادتَه.. منع أنصاره من الزيغ إذا كانوا حكاما، وأرسى قواعد المساءلة بينهم، وكان حجابا بينهم وبين شهوات أنفسهم، فأخذ بأيديهم إلى غاية الخلق وهي رضا الخالق.

تأتي ذكرى كل عام مع خشية عدم وفاء العبارات بحق الجناب الشريف، وعلم الله أنها ما وفّته حقه ومقداره، وتأتي الذكرى والحال بين خوف صاحب المعصية من الإقدام على ذكر سيد الطائعين، وبين رجاء الانتظام في سلك المحبين والذاكرين والمادحين.

في الذكرى لا يملك المرء سوى نصح المحبين بالاستمساك بالصلاة على صاحب الذكرى العطرة، وقراءة سيرته، والنّهل من مدائحه، ومتابعة آثاره ومناقبه، والإعلاء من قدر سنّته وشريعته.. والإعلاء مطلوب من معظّميها قبل غيرهم، فكم من محب للدين بغّض الناس فيه بسوء فهم أو غِلظة طبع، وكم من داع إلى الشريعة جافاها سلوكُه وكلامه.. الشريعة كلها حُسن وبهاء، وما انصرف عنها الناس إلا لشدة التجهيل بها، وذيوع الجهل بمحاسنها بين حامليها، واستكانة ورثة النبوة أمام الاستبداد أو خطاب التجهيل، فَلَانُوا وقت الشدة وانكسروا وقت الصمود.

في الذكرى يلتجئ المرء إلى ربه مستشفعا بنبيه كما قال البوصيري رضي الله:

يا أكرمَ الخلق ما لي من ألوذ به    سواك عند حلول الحادث العَمِمِ

ولن يضيقَ رسولَ الله جاهُك بي    إذا الكريم تجلَّى باسم منتقمِ

فإن من جُودك الدنيا وضَرَّتَها    ومن علومك علمَ اللوح والقلم

يا نفسُ لا تقنطي من زلةٍ عَظُمَت    إن الكبائر في الغفران كالَّلَمَمِ

لعل رحمة ربي حين يقسمها    تأتي على حسب العصيان في القِسَمِ

يا رب واجعل رجائي غيرَ مُنْعَكِسٍ    لديك واجعل حسابي غيرَ مُنْخَرِمِ

والْطُفْ بعبدك في الدَّاريْن إنَّ له    صَبْرا متى تَدْعُهُ الأهوالُ ينهزِمِ

وأْذَنْ لسُحْبِ صلاةٍ منك دائمةٍ    على النبيَ بمُنْهَلٍّ ومُنْسَجِمِ

ما رَنَّحَتْ عَذَبَاتِ البَانِ ريحُ صَبَا    وأَطْرَبَ العِيسَ حَادِي العِيسِ بالنَغَمِ