قضايا وآراء

ماذا بعد الدور الأول من الانتخابات الرئاسية التونسية؟

1300x600

لا شك في أن نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية مثلت صدمة لأغلب المهتمين بالشأن السياسي التونسي. فإذا كان وصول المترشح نبيل القروي (رجل الأعمال الموقوف على خلفية شبهات التهرب الضريبي وتبييض الأموال) أمرا متوقعا، فإن بقاء السيد قيس سعيّد للدور الثاني مثّل مفاجأة اختلف وقعها لدى التونسيين. وإذا عمّ الابتهاج كل الذين يعادون منظومة الحكم وممثليها، فإن نسبة من التونسيين أبدت مخاوفها من هذا المستقل الغامض الذي استطاع الانتصار على كل محددات الفعل الانتخابي في المحطات السابقة: الماكينات التعبوية المعتمدة أساسا على اللوبيات المالية والجهوية، والإعلام التقليدي الذي يُسيطر عليه "المرتزقة" كما وصفتهم الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري، وتوظيف أجهزة الدولة الذي اتّهم به أبرز ممثلي المنظومة الحاكمة.

لقد جاء انتصار السيد قيس سعيد ليؤكد جملة من الوقائع التي تستحق الدراسة، بعيدا عن شبكات القراءة والتحليل التقليدية. أما الواقع الأول؛ فهو عطالة مؤسسات سبر الآراء، وتأكد الدور المشبوه لأغلبها في صناعة الرأي العام وتوجيهه، بدل الاكتفاء بقراءته قراءة موضوعية، وهو ما انعكس في توقعاتها التي يحضر فيها الأستاذ قيس سعيد في مراكز متقدمة، دون أن يحتل صدارة أي سبر للآراء. وأما الواقع الثاني؛ فهو انحسار دور المحددات التقليدية في صناعة الرأي العام، ولكن الانحسار لا يعني أن تلك المحددات فقدت قيمتها، فرغم أن المال السياسي والإعلام التقليدي وأجهزة الدولة لم تكن ذات تأثير يُذكر في الحملة الانتخابية للسيد قيس سعيد، ورغم فشل تلك المحددات في إنقاذ الممثلين "الشرعيين" المنظومة، فإنه لا أحد يستطيع أن ينكر الدور الذي أدّته قناة نسمة وجمعية خليل الخيرية في نجاح السيد نبيل القروي؛ الذي يعده الكثيرون "الابن العاق" للمنظومة الحاكمة.

 

انحسار دور المحددات التقليدية في صناعة الرأي العام. ولكن الانحسار لا يعني أن تلك المحددات فقدت قيمتها

من المؤكد أن السيد نبيل القروي قد وصل إلى الدور الثاني بتوظيفه اللا قانوني لقناته التلفزية الخاصة ولمؤسسته الخيرية، وهو ما يبقي أهمية لا تنكر للإعلام التقليدي وللمال السياسي المشبوه. ولا شك في أن نجاح السيدين القروي وسعيد يؤكد سياسة الاتصال المباشر، لكن بمعنيين مختلفين. فإذا كان السيد القروي قد وظف "الاتصال المباشر" من خلال جمعيته الخيرية لتكوين قاعدته الانتخابية منذ ثلاث سنوات، من بين الفئات الاجتماعية الفقيرة، التي كانت دائما الموضوع المفضل للرأسمال المشبوه، فإن السيد سعيّد قد وظف رأسماله الرمزي (النزاهة ونظافة اليد والانحياز للثورة وعدم معاداة هوية الشعب أو التورط في منظومة الحكم قبل الثورة وبعدها)، ليبنيَ من خلال الاتصال المباشر قاعدة انتخابية أخرى، وهي قاعدة لا تقوم على المنطق الزبوني أو شراء الذمم، بل على أساس الثقة الخصية في المترشح، وفي ما يمثله من بديل لمنظومة الحكم.

كما أثبت وصول السيد قيس سعيد إلى الدور الثاني (وترجيح إمكانية فوزه) واقعا ثالثا؛ وهو أن العامل الجهوي أو التضامنات الجهوية لم تعد تمتلك التحديد الذي كان لها في السابق. فقد اخترق السيد قيس سعيد الحاضنة التقليدية للسلطة (جهات الساحل)، وهو ما يعكس تحولا جذريا في السلوك الانتخابي: التحول من التضامن القائم على الاشتراك في الأصل الجهوي إلى التضامن على أساس المشروع السياسي. إننا أمام عملية عقلنة للخيار الانتخابي، وهي عقلنة لا يمكن اختزالها أو تسطيحها في مستوى التعبير عن "انتخاب عقابي" (فجهات الساحل ليست أكبر متضرر من المنظومة الحاكمة)، بل نحن أمام سلوك مواطني متحرر من التحديدات ما قبل المواطنية للاختيار السياسي.


ولعل من أهم الوقائع الجديدة التي يجب الانتباه إليها أيضا هو التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي، ولشبكات التحشيد الشعبية البعيدة عن التراتبيات والرهانات الحزبية والأيديولوجية الضيقة. فحملة السيد قيس سعيد قد جرت بعيدا عن وسائل الإعلام التقليدية، كما أن فريق حملته الانتخابية لم يتهيكل بالصورة المعروفة للحملات الانتخابية. إننا أمام حملة انتخابية يسودها منطق"أفقي" تشاركي متحرر من الزعاماتية، حتى في شخص "الرمز" الذي توحّدت حوله جماعات الدعم والمساندة، فكأنه (لو أردنا استعمال مفردة كنسية) الأول بين أنداد.

 

لقد جاءت نتائج الدور الأول للانتخابات لتؤكد الأزمة العميقة التي تعيشها منظومة الحكم التقليدية وهوامشها الوظيفية (خاصة في اليسار الثقافي الذي حافظ على نتائجه "الصفرية" رغم كل عنترياته وادعاءاته بتمثيل "الشعب)، كما جاءت تلك النتائج لتؤكد احتياج النهضة لمراجعة خياراتها السياسية الكبرى، بعيدا عن التبريرات التي لم تعد تقنع الكثيرين من أبنائها قبل غيرهم. ولكنّ نتائج الانتخابات لم تأت لتشير إلى نهاية المنظومة الحاكمة، كما يتمنى الكثيرون (فالمنظومة ليست فقط منصب الرئاسة، بل ليست مجمل الحقل السياسي فحسب)، بل جاءت النتائج لتؤكد إمكانية انبثاق كتلة تاريخية من حيث لم يكن أحد يتوقع انبثاقها، وهو مجرد إمكان يستوجب مجهودات نظرية كبيرة. فلا أحد كان ينتظر أن يتوحّد أصحاب سرديات كبرى (من اليمين واليسار) حول شخص السيد قيس سعيد، ولا أحد كان ينتظر أن يقدر هذا الأستاذ الجامعي (المصرّ على مخاطبة الشعب بالعربية الفصحى) على تجميع مختلف الأطياف المؤدلجة وغير المؤدلجة حول مشروع سياسي مربك لمنظومة الحكم وهوامشها كلها.

 

جاءت نتائج الدور الأول للانتخابات لتؤكد الأزمة العميقة التي تعيشها منظومة الحكم التقليدية وهوامشها الوظيفية، كما جاءت تلك النتائج لتؤكد احتياج النهضة لمراجعة خياراتها السياسية الكبرى

ختاما، قد يكون من المبالغة القول بأن مرور السيد قيس سعيد إلى الدور الثاني من الانتخابات، أو حتى وصوله إلى قصر قرطاج، هو "نهاية المنظومة" حتى في تعبيراتها السياسية. فنحن نميل إلى أن هذا الحدث هو "صدمة" للمنظومة (بمختلف مكوناتها وهوامشها الوظيفية)، ولكنه ليس صدمة أكبر من الثورة ذاتها. ولا يخفى على أي متابع للشأن التونسي أن النواة الصلبة لمنظومة الحكم استطاعت امتصاص تلك الصدمة، ونجحت في حرف الثورة عن مساراتها المنتظرة، بل نجحت في احتلال أهم المواقع السلطوية في ثورة هم أكبر أعدائها.

ولذلك، ينبغي على أنصار السيد قيس سعيد أن يكونوا أكثر تواضعا وأشد انتباها لما ينتظرهم من مكر المنظومة، حتى بعد وصول مرشحهم إلى قصر قرطاج. فالمنظومة لم تقل كلمتها الأخيرة، وليست حملات التشويه الممنهجة ضد السيد قيس سعيد إلا بداية لصراع وجودي قد يستمر لعقود، وهو صراع لا يمكن التنبؤ بمآلاته وإن كان المؤكد عندنا استحالة العودة بالبلاد إلى مربع 13 كانون الثاني/ يناير 2011، بل استحالة العودة بالوعي السياسي التونسي إلى ما قبل نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية.