كتاب عربي 21

ماذا لو كانت النخبة المصرية إندونيسية؟ (1)

1300x600
يشير إخفاق الثورة المصرية بعد عامين ونصف من اندلاع شراراتها مطلع عام 2011؛ إلى أن سؤال التحول الديمقراطي لم يكن يشغل بال الساسة المصريين بالقدر الكافي. فمسألة التحول الديمقراطي لا تنظر إلى ما ينبغي أن يكون عليه الحال فقط، بل تنظر في الواقع وخطوات الانتقال منه إلى المستقبل. لكن تلك الخطوات لم تهتم بها النخبة الراغبة في الديمقراطية، فلم تدرسها دراسة كافية، لتنتقل انتقالا راسخا من حالتها إلى حالة أفضل، بل نظرت إلى القفزات غير الراسخة، فانتكست بسهولة وسرعة مكافئة للقفزات الكبيرة. في المقابل، اعتنت قوى الرجعية التي دبّرت الانقلاب بتفكيك أسباب القوة لدى قوى الثورة، لتنتج الفعل المضاد بأقل مجهود ممكن، وهو ما تحقق بعد عامين ونصف فقط.

كانت نقاشات التحول الديمقراطي في مصر ابنة لمدرسة اليسار (فيما يبدو) فاهتمت بالثورة الفرنسية، وثورات أمريكا اللاتينية. وهذا الاهتمام ليس مذموما، لكن صاحبه قصور النظر في عملية التحول الديمقراطي على النماذج اليسارية بالأساس، أو التركية بالنسبة إلى الإسلاميين، رغم وجود نماذج أخرى كانت أقل "صدامية" من ثورات فرنسا وأمريكا اللاتينية في عملية التحول الديمقراطي، كالنموذج الإندنونيسي.

في كتاب "الإسلام والتحول الديمقراطي بعد الربيع العربي"، اختار المؤلفون "جون إسبوزيتو، تمارا سون، جون ?ول) سبعة نماذج لعمليات تحول ديمقراطي في العالم الإسلامي، ويعد النموذج الإندونيسي أحد النماذج الملهمة للثورات السلمية القابعة تحت حكم ديكتاتوري عسكري، لكن يبدو أن النخبة السياسية المصرية الثائرة كانت مشغولة بخلافاتها ومكاسبها، بينما انشغلت النخبة الحاكمة بوقف أثر الثورة على المؤسسات، وكانت النتيجة أن ضاع الوطن بين الحماقة والانتهازية.

الملهم في التجربة الإندونيسية هو تكاتف النخب السياسية والعسكرية لتحقيق النجاح في التحول الديمقراطي. ووفقا للكتاب، فإن المجموعات المهمة هي: الجماعات الإسلامية الكبرى، والنخبة السياسية القومية الحديثة، والجيش الإندونيسي. وقد قامت المجموعات الثلاث بأدوار مهمة في عملية الانتقال السياسي عقب التظاهرات التي قادتها حركة الإصلاح (Reformasi Movement). وسقط نظام سوهارتو عام 1998 نتيجة لها.

قبل الحديث عن سقوط سوهارتو، هناك توطئة تاريخية لا بد منها. كان إعلان تأسيس جمهورية إندونيسيا المستقلة نتيجة لهزيمة القوى الإمبريالية الغربية القديمة أمام اليابانيين، في بداية الحرب العالمية الثانية، ومع هزيمة اليابان، أكّد القوميون المحليون في جزر الهند الشرقية الهولندية استقلالهم، فواجهوا هجوما هولنديا بريطانيا، وانتهت الحرب من أجل الاستقلال عام 1949 باعتراف هولندا بالاستقلال. ونجحت الحكومة القومية في إنشاء دولة مركزية بحلول الخمسينيات في إطار الحدود التي وضعتها هولندا، ثم واجهت الحكومة الجديدة ثورات من جماعات دينية وشيوعية، وأدت هذه الاضطرابات إلى إنشاء نظام سوهارتو عام 1966.

كان إعلان التأسيس عام 1945، وقد واجهت فكرة الوَحدة الإندونيسية مسألة الدين، وباعتبار الأغلبية مسلمة فقد دعا بعض النشطاء المشاركين في الاستقلال إلى إقامة دولة إسلامية رسمية، وعارض هذا التوجهَ العلمانيون. وفي المناقشات التي دارت منتصف عام 1945، ألقى سوكارنو (قائد الحركة القومية وأول رئيس للدولة بعد الاستقلال) خطابا وضع فيه المبادئ الخمسة (بانكاسيلا)، التي أصبحت أيديولوجيا الدولة حتى اليوم، وهي: النزعة الإنسانية، والوحدة الوطنية، والحكومة التمثيلية، والعدالة الاجتماعية، والتوحيد. ولم تكن النخبة السياسية (في تلك الفترة) معارضة صراحة للدين ولا داعية إلى علمانية مناهضة للأديان، وهو ما يشير إلى احترام النخب السياسية العاقلة ثقافة شعوبهم، والاهتمام في نفس الآن بالأخذ من الثقافة الغربية على ألا يصادم الأخذ من الخارج ثقافة المجتمع، وأصبح عموم النخبة الإسلامية بالإضافة إلى النخبة القومية والمؤسسة العسكرية يعتبرون (البانكاسيلا) هي الإطار الجامع للإندونيسيين الذين يبلغ تعدادهم نحو240 مليون نسمة، ويتشكلون من 300 جماعة إثنية.

عقب استقالة سوهارتو عام 1998، تم تعيين نائبه بشار الدين يوسف حبيبي رئيسا، واعتبر المتظاهرون أن حبيبي استمرار للنظام القديم، لكن النخب الإندونيسية تقبّلت هذا التغيير باعتباره خطوة للانتقال الديمقراطي، وهو ما قام به حبيبي بالفعل، حيث قام بتخفيض وضعية الجيش في السلطة التشريعية، ووضع نظامُه البِنْية القانونية اللازمة للأحزاب السياسية والانتخابات التنافسية، كما قام بعمل استفتاء أدى إلى استقلال تيمور الشرقية. وكانت أزمة تيمور الشرقية إحدى أكبر التحديات الانفصالية، وبنهاية فترة حكمه عام 1999، بدا أن رجلا من قلب سلطة سوهارتو قام بالتمهيد لوضع الدولة على أولى خطوات الديمقراطية.

كان لافتا كذلك استجابة المؤسسة العسكرية التي ارتبط قادتها بسوهارتو، فظل الجنرال ويرانتو قائدا للجيش، وأصبح وزيرا للدفاع والأمن، وشرع في تغيير الهيكل العسكري وفصل الشرطة عن الجيش، وعقب تركه للجيش شارك في عدة انتخابات على منصب الرئيس ونائب الرئيس في سنوات لاحقة، ولكن باعتباره مرشحا مدنيا لا مدعوما من المؤسسة العسكرية، وهو ما يشير إلى قبول قيادات الجيش لعمليات الإصلاح السياسي وعدم تدخلهم لعرقلتها.

فاز عبد الرحمن وحيد (رئيس حزب الصحوة الوطني) بأول انتخابات رئاسية عقب استقالة سوهارتو، وكان حزبه محسوبا على الأحزاب الإسلامية، لكنه لم يدع إلى إلغاء البنكاسيلا أو تعديلها وكان إعلان نجاحه سببا لاحتجاجات عنيفة قام بها أنصار ميغاواتي (المرشحة العلمانية)، لكنها سرعان ما دعت أنصارها إلى الهدوء، وفي اليوم التالي كان حزب عبد الرحمن وحيد هو الذي يرشحها لمنصب نائب الرئيس، فتم رأب الصدع بين الإسلاميين والعلمانيين.

كان وحيد ضعيفا في إدارته، وسرعان ما تم عزله من قِبل الجمعية الوطنية عام 2001، وانتقلت الرئاسة إلى نائبته ميغاواتي، دون حدوث اضطرابات من قبل أنصار الرئيس الذي تم عزله بصورة ديمقراطية، وحثّ أنصارَه على عدم الرد بمظاهرات عنيفة، كما قام بمغادرة البلاد لتلقي العلاج ليسكب ماءً باردا على النار، رغبة في الحفاظ على مكتسبات الديمقراطية.

كانت هناك انقسامات سياسية وأيديولوجية داخل النخب الإندونيسية، لكنها تعمّدت ألا تطغى الأهداف السياسية قصيرة الأجل على عملية الإصلاح، فقامت تحالفات بين تجمعات داخل الكتل الثلاث. وكان نائب ميغاواتي، حمزة حار، أعنف خصومها، وسبق له رفض تولي امرأة لبلد مسلم مثل إندونيسيا، لكن حزب ميغاواتي لم يطعن أو يعترض على انتخابه، وتشكّلت الحكومة الجديدة بين حزب علماني وحزب إسلامي، وقادا سوية عملية الانتقال الديمقراطي الثالث بعد حبيبي ووحيد.

يتبع..