كتب

"المخيال والتاريخ" وجدل التغيير المطلوب في الجزائر

كاتب جزائري يعيد قراءة تجربة الأمير عبد القادر مع الفلسلفة والوجود (إنترنت)

بدأت الدراسات الفلسفية تتجه إلى الحفر في المرجعية الثقافية والتاريخية، ومقاربة التاريخ بما يتجاوز السردية النمطية، مقاربة تتجاوز وتشتغل على مساءلة ما ظل ضمن ما يعبّر عنه باللامفكر فيه. والجزائر ليست بعيد عن هذه الاستدارة، إذا جاز التعبير، أو الانعطافة إلى التاريخ بحثا في سير التاريخ ورموزه، لا سيما منها الأحداث والأسماء التي حفرت تجربتها بعمق في التاريخ الفكري والفلسفي الجزائري.

وكلما واجه المجتمع سؤال التغيير التفت إلى مرآته ليس بحثا عن جواب التغيير ومبرراته، وإنما تقليبا للتاريخ وإحياء للذات لربط الحاضر بالماضي والتوجه نحو المستقبل.. وهذا هو حال الجزائر التي تعيش منذ أواخر شباط (فبراير) الماضي حراكا شعبيا سلميا بهدف نحت تجربة تغيير سياسي ديمقراطي، وهو حراك فرض في كثير من مراحله استدعاء التاريخ ورموزه ليس لإعادة إحياء تجاربهم، وإنما للاتكاء عليها في تأكيد أن المطالبة بالتغيير والإصلاح هي نبت محلي.

وكما استصحب الجزائريون تجارب التغيير التي تعصف بالمنطقة العربية منذ أواخر العام 2010، وربما منذ نشوء حركات التحرر الوطني في بلداننا العربية ضد الاستعمار الغربي، فقد أعادوا إحياء بعض الأسماء اللامعة في التاريخ الجزائري، مثل المفكر مالك بن نبي، والأمير عبد القادر، في سياق البحث عن مقاربات فكرية ودينية لها الخصوصية الجزائرية، لمواجهة دعاوى استيراد التجارب السياسية والدينية لجماعات مشرقية وعلى رأسها تجربة الإخوان في مصر.

 

تجربة الوجود عند الأمير عبد القادر


ويعتبر كتاب "المخيال والتاريخ ـ مقاربة فلسفية لتجربة الوجود عند الأمير عبد القادر"، الصادر في كانون أول (ديسمبر) 2017 للباحث منير بهادي، وهو من الأسماء الجزائرية التي ساهمت في إثراء رصيد الدراسات الفلسفية، حيث اهتم بالاستشراق وبالتصوف وبمحاور متصلة بالتراث الفلسفي، ومن إصداراته السابقة "الاستشراق والعولمة الثقافية" و"الفكر العربي، الاستشراق وأسئلة المنهج"، يعتبر نموذجا لهذا الإحياء الديني أو الفكري إذا جاز التعبير.

 

تسهم دراسة منير في فتح مسار آخر من مسارات المقاربات الاجتهادية التي تهدف إلى تمثل التاريخ، تمثلا يتجاوز السطح لينفذ إلى العمق


يفتتح بهادي كتابه قائلا: "لقد فتح مفهوم الخيال العلوم الإنسانية والدراسات التاريخية تحديدا على عوالم واكتشافات كانت إلى وقت قريب تنتمي إلى مجال اللامفكر فيه لأن للمخيال دورا فعالا في صناعة النماذج الثقافية والأمثولة التاريخية، عبر الصور الذهنية التي تتشكل وتستقر في الذاكرة الجماعية واللاوعي الجماعي".

الكتاب يقارب تجربة الوجود عند الأمير عبد القادر، وبالتالي فالاشتغال مركب يجمع بين الأنطولوجيا والتصوف وأيضا التاريخ، لأن تجربة الوجود الأميرية متصلة بموقعه في تاريخ الجزائر كرائد للمقاومة. ودراسة المخيال والتاريخ كما أشار إليه الباحث في تقديمه قائلا: "في تجربة الوجود عند الأمير عبد القادر تحيلنا على مرحلة مؤسسة للمجتمع الجزائري الحديث، خاصة في بعده الرمزي والثقافي".

 

الذاكرة والرمز

في الفصل الأول يتوقف الباحث عند الذات بين الذاكرة والرمز وعتبة الفصل قول ريلكه: "عبر كل كائن إنساني ينضج مكان فريد حميم على العالم". 

ويقول: "تكتب السير الذاتية في الأطر الثقافية والبنية الرمزية التي ينتمي إليها الكاتب، وانطلاقا من ذلك كان الاشتغال على سيرة الأمير أو مذكراته التي دونت في معتقل أمبواز سنة 1849 أي في الفترة التي تلت نهاية مسار الأمير المقاوم، فترة عزلة أعادت تأمل وتدبر التجربة. وسردية الأمير متصلة بتعددية تجليات شخصيته الجامعة بين كدح الخلق وبين مجاهدات العروج نحو الحق. وهي سردية أيضا مرتبطة بتقاليد الصياغة أنذاك، وهذا ما أشار إليه الباحث قائلا عن مذكرات الأمير بأنها: "لا تخرج عن سياق كتب السيرة الذاتية في الثقافة العربية الإسلامية التي لا تؤرخ للذات فحسب، بل للجماعة كذلك، حين تتبع الخطوات التالية: النسب الشخصي، مكان الميلاد، النسب العلمي (أو الشيوخ)، الأسفار، أخبار وشهادة المعاصرين له".

وتسهم دراسة منير في فتح مسار آخر من مسارات المقاربات الاجتهادية التي تهدف إلى تمثل التاريخ، تمثلا يتجاوز السطح لينفذ إلى العمق، يتجاوز الظرفية المحصورة نحو وعي تاريخي يحرّر من رق الوقت ـ بتعبير ابن عربي ـ و يتيح إمكانية صياغة "تاريخ المستقبل" ـ بتعبير جاك أتالي.

 

تجربة الوجود عند الأمير عبد القادر تحيلنا على مرحلة مؤسسة للمجتمع الجزائري الحديث، خاصة في بعده الرمزي والثقافي


ومذكرات الأمير تمت صياغتها بما يتصل بتجربته التي تجمع بين التاريخي والرمزي.. وأشار الباحث إلى حضور صيغتي المتكلم والغائب في السرد، وذلك ما يجعل الصياغة كما يكتب: "لا تميز الترجمة الذاتية عن الترجمة الغيرية، لأن الشخص العمومي يتحدث عنه عادة بضمير الغائب، لأن حضوره لا يختلف عن غيابه، كونه ذات رمزية ومرجعية يقتضي الكلام عنها كما لو كانت نصا أو ظاهرة اجتماعية وتاريخية". وذلك متصل كما يقول الباحث بـ "الفهم الصوفي للاجتماع الإنساني الذي لا يقوم على التمييز بين الأنا والآخر إلا مجازا، حسبما تقتضيه الضرورة اللغوية والاجتماعية، لأن أصل النفس الإنسانية واحد (النفس الكلية)".

سرد الأمير نسبه الذي يصله بنسب الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ما جعل الذات الأميرية كما يقول الباحث تجد "امتدادا لها في الذات المحمدية على مستوى النسب، قبل أن تجد لها امتدادا على المستوى العلمي والروحي. هذا الامتداد الذي سوف يصل إلى حد تماهي الذات الأميرية في الذات المحمدية في تجربته الصوفية، بشكل متميز عن باقي التجارب الصوفية الأخرى التي تجلت في تجربته الوجودية بكل أبعادها التربوية والجهادية التي نتج عنها تدوين مذكراته في المعتقل".

ويضيف الباحث بهادي: "لقد أفصح الأمير عن مفهومه الوجودي للتاريخ الإنساني، وبالتالي لتاريخه الذاتي من خلال مفهوم الحقيقة المحمدية، الذي استعاره من شيخه محيي الدين بن عربي، فعبر عن ذلك تعبيرا مجازيا على طريقة الحروفيين في التأويل لتقريب الفهم من جهة، وتبيان أن الحقيقة ليست مستبطنة في المعنى فحسب، وإنما كذلك في الحرف أو الرسم الذي يستنبط بالتأويل".

الكتاب في مجمله، مع أنه يعيد استحضار شخصية الأمير عبد القادر، الذي يحتل مكانة رمزية في المخيال الجمعي الجزائري والعربي والإسلامي، لارتباطه بالمدرسة الإسلامية من زاويتها الصوفية، إلا أن الجدل بشأنه أولا، ثم عودة الحديث عن هذه الرموز في المنعطفات التاريخية المهمة في الجزائر، لا يخلو من توظيف سياسي وديني، إذ أن الدين لا يزال واحدا من أهم أعمدة العمل السياسي ليس في الجزائر وحدها، بل وفي مختلف أنحاء العالم.

 

*باحث جزائري