كتب

تقرير أمريكي جديد يقيم حصيلة السياسة الخارجية للرئيس ترامب

تقرير أمريكي: سياسات ترامب الخارجية كانت إيجابية في مجملها إلا مع إيران وروسيا وملف المناخ

اسم الكتاب: سياسات ترامب الخارجية.. السياسة جدية أكثر مما يبدو 
المؤلف: روبرت باكويل Robert D. Blackwill
تقرير خاص صادر عن مجلس العلاقات العامة الأمريكي رقم 84
تاريخ الإصدار: نيسان (أبريل) 2019
المصدر: موقع المجلس على الإنترنت
عدد الصفحات: 112

يثور جدل أمريكي داخلي كبير حول تقييم السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب، إذ تختلط في هذه السياسة الأبعاد الفردية بالسياسات الاستراتيجية، كما تعرف هذه السياسة تحولات كبيرة على عدة مستويات، تتسم اتجاهاتها بالتناقض بين ترسيخ الصفة التدخلية في مناطق وإرساء معالم سياسة انسحابية في مناطق أخرى، وهو ما لا يسمح بتقييم موضوعي لهذه السياسة في كل أبعادها وفي مخرجاتها الكلية.

وفي خطوة بعيدة عن الطابع السياسي، يحاول مجلس العلاقات العامة الأمريكي من خلال تقرير خاص جديد، تقديم مساهمة في تقييم أمريكي لهذه السياسة، بشكل مختلف عن السجالات السياسية المثارة في وسائل الإعلام، إذ يحاول التقرير الخاص الذي يحمل الرقم 84 وقد صدر في الشهر الجاري، وأنجزه روبرت باكويل Robert D. Blackwill الخبير في السياسات الخارجية وتلميذ مدرسة كسينجر، أن يفحص اتجاهات السياسة الخارجية الأمريكية في العديد من المناطق بعيدا عن الكليشيهات التي تم إلصاقها بطريقة ترامب في إدارة العلاقات الدولية مع حلفائه وخصومه على السواء، إذ يقيم في هذا التقرير مخرجات هذه السياسة لاسيما في القضايا الاستراتيجية التي تستأثر باهتمام الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة، وبشكل خاص في ثلاث عشرة ملفا، يهم العلاقة مع الدول (الصين، كوريا الشمالية، روسيا، إسرائيل، السعودية، سوريا، إيران، أفغانستان الهند، فنزويلا) ومع الأحلاف العسكرية (الناتو والأمن الأوربي) وسياسته في موضوع التجارة، وكذا ملف التغيرات المناخية. 

تحرير التقييم من الانطباعات المرتهنة بسلوك ترامب

يعترف التقرير منذ البداية بصعوبة إجراء تقييم موضوعي للسياسات الخارجية الأمريكية في عهد ترامب، وذلك بسبب التأثيرات التي تحدثها مواقفه الشخصية على المراقبين والمتابعين لسياساته، وعدم القدرة على الفصل بين الجوانب المثيرة في مواقفه الفردية، وبين حقيقة السياسة كما تجري على الأرض، ويحاول التقرير مع ذلك أن يخوض تجربة تقييم سياسة ترامب الخارجية بتحرر من هذه التمثلات التي يعتبرها المؤلف مضللة ولا تسمح برؤية نتائج هذه السياسات ومخرجاتها الحقيقية، ويدرسها ملفا ملفا، ويضع لكل سياسة على حدة تقييم خاص ودرجة تناسبها.

 

بينما يعيش العالم تحولات خطيرة، وتثار قضايا دولية جد هامة، يقضي الرئيس ترامب وقته في التركيز على تهديد غير موجود على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة

  
يعتبر التقرير أنه من الضروري لفهم مخرجات هذه السياسة وتقييمها تقييما موضوعيا فصل سياسات ترامب الفوضوية عن السياسات الخارجية الأمريكية التي تجري على الأرض، فكثيرا ما تصدر عن الرئيس عدد من المواقف التي يعبر عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعية (تويتر خاصة)، وفي الغالب ما تكون مصادمة للجمهور في قضايا عديدة مثل علاقة أمريكا بالصين وكوريا الجنوبية وروسيا وتحاول إدارته فهمها، ويعبر عدد من المسؤولين الاستخباراتيين عن انزعاجهم منها، فيطالبهم جميعا بـ"العودة للمدرسة" لفهم ما يقول، وهو في حالة خلافية حادة مع أعضاء الكونغرس ومع ممثلين من حزبه الجمهوري خاصة. 

ففي الوقت الذي يعتقد فيه النواب الجمهوريون من حزبه أن الانسحاب من سوريا وأفغانستان سيكون كارثة، وأن كوريا الشمالية لا يمكن الوثوق بها، وأن خطر الدولة الإسلامية لا يزال يشكل تهديدًا لأمريكا، وأن روسيا سيئة وأن الناتو جيد، يبدي عدم موافقته، ويتخذ موقفا مخالفا. كما ينتقد على الرئيس ترامب عدم رغبته في قراءة أوراق إحاطة السياسة قبل اجتماعات أو قرارات مهمة، كما ينتقد عليه احتقاره للدبلوماسية والضباط الذين يديرونها. وبينما يعيش العالم تحولات خطيرة، وتثار قضايا دولية جد هامة، يقضي الرئيس ترامب وقته في التركيز على تهديد غير موجود على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة الأمريكية (هجرة المكسيك إلى أمريكا وضرورة بناء الجدار) ومشاهدة الأخبار على القنوات. 

رئيس لا يستفيد من القدرات التحليلية لقوة المهمين المتراكمة

والذي يبدو من مجمل هذه الانتقادات التي توجه لرئيس ترامب، حسب التقرير، أنه لا يستفيد من القدرات التحليلية الهائلة للقوة العظمى الوحيدة على الأرض، ويحلق في السماء من غير مساعدات ملاحية أو وجهات واضحة، ويبدو أنه يستمتع بالاضطرابات السياسية التي تزعج معظم وسائل الإعلام.


ويرى التقرير أنه إذا ما أردنا تقييم السياسة الخارجية للرئيس ترامب في ضوء ميزاته الشخصية وخواصه الفردية فلن نجد شيئا جذابا في شخصيته، فهو يكذب؛ وكلمته لا قيمة لها، وينسب لنفسه الفضل في إنتاج أفكار تم طرحها منذ قرون، ووجهات نظره حول النساء والأشخاص الملونين عنصرية، بالإضافة إلى صفات قدحية كثيرة يصعب استقصاؤها لكثرتها.

ويركز التقرير عن الجانب الثاني الذي يعيق إنجاز تقيمي موضوعي عن سياسات ترامب الخارجية، وهو ما يتعلق بإجهازه على القيم الأمريكية، فالرجل يحاول باستمرار خداع الشعب الأمريكي عن جوهر السياسة الأمريكية ومن يهيمن عليها، ويثير قدرا هائلا من الخلط والالتباس حول وظائف المؤسسات الديمقراطية والسلطة القضائية، وقضية إنفاذ القانون، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، والكونغرس، ووسائل الإعلام، والعاملين في الحكومة المهنية (ما يسمى الدولة العميقة) مما يضعف القدرة الأمريكية على إبراز قوتها ونموذجها الديمقراطي للعالم.

 

إذا ما أردنا تقييم السياسة الخارجية للرئيس ترامب في ضوء ميزاته الشخصية وخواصه الفردية فلن نجد شيئا جذابا في شخصيته، فهو يكذب؛ وكلمته لا قيمة لها، وينسب لنفسه الفضل في إنتاج أفكار تم طرحها منذ قرون


من جانب ثالث، تصبح مهمة التقييم جد معقدة، إذا تم استحضار اعتبار آخر يخص المسؤولين عن التنفيذ، إذ يصعب الحكم على سياسة ما بأنها معقولة أم لا، أو أن تنفيذها كان فعالا أم لا، دون استحضار المسؤولين الذين يقومون بذلك، ومنهم من لم يطأ قدمه مكتب ترامب البيضاوي، ويصعب أيضا هذا التقييم دون الأخذ بعين الاعتبار بأن عددا من المناصب السياسية غير المكتملة في وزارتي الخارجية والدفاع يضعف تنفيذ أي سياسة.

ومع ذلك يقر التقرير أنه من السابق لأوانه إنجاز تقرير موضوعي دون أخذ المسافة الزمنية الكافية في رصد وتتبع وتحليل مختلف سياسات تراكب الخارجية، كما أنه من السابق لأوانه أيضا ضعف الربط بين مستوى فعالية هذه السياسة وبين ضعف البيروقراطية الإدارية لتي تميز رئاسة ترامب في الشؤون الخارجية.

تشكك الحلفاء من مصداقية أمريكا في التزاماتها تجاههم

في المقابل، يرى التقرير أنه من الضروري في أي تقييم لسياسة ترامب الخارجية استحضار الآثار النفسية لنهج ترامب القتالي تجاه حلفاء أمريكا وآسيا وأقرب أصدقائه. فلا يمكن للولايات المتحدة أن تزدهر في العالم وتعبر عن مواجهة خصومها دون تحالفات قوية، وهي الفكرة المركزية التي درج رؤساء الولايات المتحدة من كلا الحزبين السياسيين على التزامها وتنفيذها. 

ويرى مؤلف التقرير أن الرئيس ترومان عمل منذ سبعة عقود على بناء شبكات دبلوماسية واقتصادية وأمنية حميمة قوية وطويلة الأمد شكلت، إلى جانب القوة والحيوية الداخلية للولايات المتحدة، الأساس الدائمة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة. 

ويرى التقرير أن خطاب ترامب، من هذه الزاوية، يؤثر على قوة ومصداقية الولايات المتحدة الأمريكية مع الحلفاء والخصوم أيضا، ويعتبر التقرير أن هذه القضايا مركزية في تقاليد السياسة الخارجية الأمريكية، ويمثل لذلك بموقف شارل دوغول الذي أصبح مقتنعا في وقت من الأوقات بأنه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة للتهديد بشكل مقنع باستخدام أسلحتها النووية، وبالتالي مخاطرة نيويورك لإنقاذ باريس، مما دفع بفرنسا إلى تطوير قوة ردعها الذاتي المتمثل في برنامجها النووي الخاص، وقد سعى رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية منذ الخمسينيات، إلى حد ما، لإقناع الحلفاء أن الرئيس ديغول كان مخطئا.

وسجل التقرير بهذا الخصوص مفارقة عجيبة، إذ لم يعد الرئيس الفرنسي هو الذي يشكك في مدى التزام الولايات المتحدة الأمريكية بردع من يحاول تهديد حلفائها، بل أصبح الرئيس الأمريكي نفسه يشكك في التزامات الولايات المتحدة اتجاه حلفائها، عبر تعليقاته المتكررة مما جعلهم يتشككون في مصداقيتها وموثوقية التزاماتها اتجاههم، مما وسع من احتمال فشل سياسة الردع، وحفز الخصوم على تحمل مخاطر أكبر، وتقريب الحرب، مما يعني في المحصلة أن الرئيس شارل دوغول كان صادقا في قوله، وبرئيا مما كان ينسب إليه الرؤساء الأمريكيون السابقون.

 

أصبح الرئيس الأمريكي نفسه يشكك في التزامات الولايات المتحدة اتجاه حلفائها، عبر تعليقاته المتكررة


ويخلص التقرير من تعداد هذه الخواص المرتبطة بشخصية الرئيس إلى أن تأثيرها على السياسات الخارجية الأمريكية كان سلبيا بشكل عام.

كسب نقاط وخسارة أخرى وإثارة شكوك الحلفاء

في الجهة المقابلة، يؤكد التقرير بأن سياسة الإدارة الأمريكية حققت نتائج استثنائية فيما يخص تقوية الأمن الأمريكي وتطوير السياسات الخارجية الأمريكية السابقة لمواجهة صعود الصين، لكن وجهات نظر ترامب فيما يخص التغيرات المناخية، مثلت تحديات حاسمة لحلفائه. 

وبعد استعراض التقرير في فصول مستقلة لسياسات ترامب في 13 ملفا، خلص في تقييمه لهذه السياسات، أنها كانت جد إيجابية، بالتعريف المصلحي الأمريكي، فيما يخص مواجهة الملفات الشائكة، مثل الصعود الصيني الملف النووي في كوريا الشمالية، والملف السوري، وفنزويلا، وأفغانستان، والشرق الأوسط الكبير، وأنها كانت إيجابية في العموم في تدبير العلاقة مع السعودية، وإسرائيل، بينما خسرت نقاطا مهمة في تدبيرها العلاقة مع روسيا وإيران، وكذا تدبير ملف التغيرات المناخية، و مسار السياسات، ودرجة تأثير الخواص الفردية لشخصية ترامب على سمعة وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية وثلمه للقيم الأمريكية، وأيضا على مستوى انخفاض مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية أمام حلفائها ، وأيضا على مستوى تنفيذ السياسات، فيما كانت سياسة ترامب على مستوى ملف الناتو والأمن الأوربي غير مقنعة ومثيرة لشكوك الحلفاء حول التزامات أمريكا اتجاههم.