صحافة دولية

إيكونوميست: لماذا يمثل الإرهاب القومي تهديدا عالميا؟

ذكرت المجلة أن أوكرانيا تمثل هي الأخرى بؤرة للنشاط اليميني المتطرف منذ ثورة 2014- الأناضول

نشرت مجلة "إيكونوميست" البريطانية تقريرا تحدثت فيه عن الهجوم المسلّح على المساجد في مدينة كريست تشيرش النيوزيلندية الذي لا يعتبر حادثة معزولة، بل يندرج ضمن توجه مرعب يشكّل تهديدا بالنسبة لجميع دول العالم.


وقالت المجلة في تقريرها الذي ترجمته "عربي21" إن منفذ هجوم كريست تشيرش، الأسترالي البالغ من العمر 28 سنة، ادعى أنه طور معتقداته العنيفة واقتنى سلاحه بمفرده، كما زعم أنه اكتسب مهاراته في استخدام السلاح من خلال التدرب في ميدان مخصص لتعلم الرماية حيث لم يشتبه أحد في أنه يستعد لارتكاب مجزرة.


ويبدو جليا أن الجاني ينتمي إلى شبكة أوسع نظرا لأن الأسماء والشعارات المكتوبة على سلاحه تعد مألوفة لدى القوميين البيض المتطرفين في جميع أنحاء العالم، علاوة على ذلك، تضمّن بيانه الذي حمل عنوان "البديل العظيم" نظرية المؤامرة التي يتبناها التيار اليميني المتطرف والتي تنصّ على أن المهاجرين من غير البيض والمسلمين في الدول الغربية يعتبرون بمثابة "الغزاة" الذين يسعون إلى تعويض سكان أوروبا الأصليين.


بعبارة أخرى، ينتمي هذا "الذئب المنفرد" إلى مجموعة كاملة تتبنى النهج ذاته، وفي سياق متصل، تشهد الهجمات التي يشنها كل من النازيون الجدد والمتفوقين البيض وجماعات يمينية متطرفة أخرى ارتفاعا ملحوظا، إذ يفوق عددها تلك التي نُفذت من قبل الإسلاميين.


ونوّهت المجلة إلى أنه وفقا لقاعدة بيانات عن الإرهاب العالمي الصادرة عن صحيفة "واشنطن بوست"، تبيّن أنه في الفترة الممتدة بين 2010 و2017، نُفذ 92 هجوما إرهابيا، من أصل 263 في الولايات المتحدة، على يد متطرفين يمينيين مقابل 38 اعتداء فقط نفّذه إسلاميون، وقد شهدت الأشهر الستة الماضية سلسلة من الأحداث الإرهابية اليمينية المتطرفة بما في ذلك مقتل 11 شخصا في كنيس بمدينة بيتسبرغ، وإحباط فرنسا لمؤامرة تهدف إلى اغتيال الرئيس إيمانويل ماكرون، فضلا عن إلقاء إسبانيا القبض على فاشي حاول تصفية رئيس الوزراء، بيدرو سانشيز.

 

اقرأ أيضا: مضاوي الرشيد: عنف القوميين البيض يتشابه مع تنظيم الدولة


وأوردت المجلة أن منفذ هجوم كرايست تشيرش سعى من خلال هذا الهجوم إلى تحفيز السلط على سن قوانين أكثر صرامة فيما يتعلق بملكية الأسلحة، الأمر الذي من شأنه أن يحرّض مالكي الأسلحة على التمرّد والاحتجاج على هذه القرارات، ومع ذلك، تتحرك رئيسة وزراء نيوزيلندا، جاسيندا أرديرن، بهدف تشديد هذه القوانين المتساهلة، وهي خطوة لن تتسبب في اندلاع حرب أهلية نظرا لأن نيوزيلندا تؤمن بالتعددية الثقافية وتتسم سياستها بالاعتدال مقارنة بسياسة أستراليا.


وأشارت المجلة إلى أن جذور فكرة أن المهاجرين من غير البيض والمسلمين يعتبرون "غزاة"، تعود إلى مفكري "اليمين الجديد" الفرنسي على غرار آلان دي بينويست ورينو كامو، وقد ألهمت هذه الأفكار جيلا من الشباب اليميني المتطرف، لكن الزخم الحقيقي جاء على خلفية توافد حوالي مليوني طالب لجوء، معظمهم من الشرق الأوسط، نحو أوروبا بين 2015 و2016.


من جهة أخرى، يرتبط ارتفاع العنف المتطرف في الولايات المتحدة بالسياسة السائدة. ففي الفترة الممتدة بين 2009 و2018، تسبب المتشددون البيض في مقتل أكثر من ثلاثة أرباع 313 شخصا قُتلوا على أيدي متطرفين، وخلال سنة 2016، أي سنة تولي دونالد ترامب الرئاسة، تلقى مكتب التحقيقات الفيدرالي الإبلاغ عن مزيد من الاعتداءات ضد المسلمين أكثر من أي وقت مضى.


وأوضحت المجلة أن ترامب تعمد التقليل من شأن التهديد الذي يشكله المتطرفون اليمينيون، واصفا إياهم "بمجموعة صغيرة من الناس الذين يعانون من مشاكل خطيرة للغاية"، وفي سنة 2017، ألغت إدارته المنح المقدمة للجماعات التي تحارب المتفوقين البيض، في الواقع، تعتبر العلاقات بين جماعات اليمين المتطرف الأمريكية والأوروبية أكثر قربا من قبل بفضل حركة الهويّة، وهي إحدى المنظمات اليمينية المتطرفة التي خططت لاحتجاجات "وحدوا اليمين" في شارلوتسفيل في فيرجينيا سنة 2017.


تجدر الإشارة إلى أن هذه المسيرة نادت بشعارات على غرار "اليهود لن يحلوا محلنا"، مشيرين إلى أطروحة "الاستبدال العظيم" ذاتها التي يتشاركها المتطرفون الأوروبيون ومنفذ عملية كرايست تشيرش.


وأضافت المجلة أنه على الرغم من أن روسيا أقامت علاقات أيضا مع الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، إلا أنها عملت على إزاحة المتطرفين داخل البلاد، وفي سنة 2000، وبينما كانت الدولة تُثني على الحركات القومية، أسفرت جرائم الكراهية، التي غالبا ما تستهدف المهاجرين والنازحين من شمال القوقاز، عن مقتل حوالي 700 شخص سنويا، وعكست الاشتباكات التي وقعت في موسكو سنة 2011 بين قوات الأمن وجماعات يمينية متطرفة عواقب التسامح مع القوميين المتطرفين.

 

اقرأ أيضا: حادث نيوزيلندا الإرهابي وصناعة الكراهية ضد المسلمين!


وذكرت المجلة أن أوكرانيا تمثل هي الأخرى بؤرة للنشاط اليميني المتطرف منذ ثورة 2014. وقد قاتلت الميليشيات شبه الفاشية على غرار كتيبة آزوف ضد روسيا في الشرق ولعبت دورا هاما داخل أجهزة حفظ النظام. حيال هذا الشأن، قال أنتون شيخوفتسوف، من جامعة فيينا: "تعتبر كييف مكانا لجذب اليمين المتطرف العالمي".


ويمثل انتشار التطرف اليميني داخل القوات المسلحة الشغل الشاغل للحكومات الغربية، نظرا لأن الجنود تلقوا تدريبا عسكريا، كما يتسنى لهم النفاذ إلى الأسلحة بسهولة، وفي الولايات المتحدة، حذرت وزارة الأمن الداخلي قبل عقد من الزمن من محاولات المتطرفين اليمينيين "تجنيد" ودفع المحاربين القدامى إلى التطرّف، مذكرة بالهجمات الإرهابية التي نفذها جنود سابقون خلال فترة التسعينيات.


وأردفت المجلة نقلا عن الباحث الألماني كوهلر، أنه يعد من الصعب تتبع مصادر الخطر علما وأن العنف اليميني المتطرف عادة ما يقوم على مجموعات مشتتة من الأفراد الذين يُلقنون دروسا في التطرف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتسمى هذه العملية "إرهاب الخلية" ما يجعل من المستحيل من الناحية العملية التكهن بلحظة انتقال شخص ما من تمني الموت للآخرين إلى قتلهم بالفعل، كما هو الحال بالنسبة لمنفذ عملية كريست تشيرش.


الجدير بالذكر أن المنصات على شبكة الإنترنت تواجه مهمة جبارة في التصدي إلى مظاهر التطرف، حيث يقول بين نيمو من معهد أكسفورد للإنترنت، إن المشكلة الأساسية تكمن في أن "المحتوى المتطرف ليس ثابتًا" وأن الذكاء الاصطناعي لم يحقق التصفية المرجوة، كما لا تزال هناك حاجة إلى طاقم بشري ضخم من المراجعين.


وفي الختام، أوضحت المجلة أنه مهما بدت مهمة منع الإرهابيين من استغلال شبكة الإنترنت في الترويج للتطرف صعبة، يمكن لسائر المواطنين المساعدة في التصدي لهذه الفئة. وبينما يسعى القوميون البيض إلى استخدام العنف والدعاية من أجل تحريض المواطنين ضد بعضهم البعض، قلبت رئيسة وزراء نيوزيلندا الموازين من خلال استغلال المذبحة الرهيبة لتوحيد بلد بأكمله.